إِنِّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُور أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي كُنْتُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ -وَإِلَى الآنَ- أَتَطَلَّعُ إِلَى خِدْمَةِ دِينِ اللهِ تَعَالَى، وَإِلَى أَنْ يَكُونَ لِي سَبَبٌ إِلَى رِضَاه تَعالى فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي (^١)، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ أَكُونَ أَحَدَ جُنُودِ الإِسْلَامِ المُدَافِعِينَ عَنْهُ بِاليَدِ وَاللِّسَانِ.
وَلَمْ أَرَ أَنْفَعَ لِدِينِ الإِسْلَامِ -عِنْدَ أَزْمِنَةِ انْتِشَارِ الجَهْلِ وَالشِّرْكِ وَالبُعْدِ عَنِ السُّنَّةِ وَفُشُوِّ البِدَعِ- مِنْ جِهَادٍ بِاللِّسَانِ وَفَرْيٍ بِالقَلَمِ (^٢)، وَذَلِكَ بِنَشْرِ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ المُسْتَقَاةِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَبَيَانِ أُصُولِ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَقَوَاعِدِ الدِّينِ، وَمَنْهَجِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي فَهْمِ دِينِ الإِسْلَامِ وَالعَمَلِ بِهِ.
وَقَدْ رَأَيتُ الاعْتِنَاءَ بِكِتَابِ (التَّوحِيدِ) لِلشَّيخِ الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ أَصْلِ الدِّينِ وَالتَّوحِيدِ وَبَيَانِ العَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ عَلَى وُفْقِ الكِتَابِ
_________________
(١) كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (١٦٣١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». وَأَنَا أَرْجُو اللهَ تَعَالَى الكَرِيمَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْ أَهْلِ العِلْمِ العَامِلِينَ المُنْتَفَعِ بِهِم؛ فَإِنَّ الدَّالَ عَلَى الخَيرِ كَفَاعِلِهِ -كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ-.
(٢) كَمَا فِي الحَدِيثِ: «جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» صَحِيحٌ، أَبُو دَاوُدَ (٢٥٠٤) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٠٩٠).
[ ١ / ٥ ]
وَالسُّنَّةِ وَعَمَلِ سَلَفِ الأُمَّةِ.
وَنَظَرًا لِسَعَةِ وَتَنَوُّعِ أَدِلَّةِ هَذَا الكِتَابِ، وَلِمَا وَقَعَتْ فِيهِ الأُمَّةُ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ- مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ أَصْلِ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، وَتَرْوِيجِ أَهْلِ الضَّلَالِ وَأَهْلِ الزَّنْدَقَةِ لِبِدَعِهِم فِي عَقَائِدِ المُسْلِمِينَ، والبُعْدِ عَنِ التَّوحِيدِ -وَالَّذِي لَا نَجَاةَ لِلعَبْدِ مُطْلَقًا إِلَّا بِأَنْ يَأْتِيَ بِهِ- وَلِمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَإِشَارَتِهِم إِلَى أَهَمِّيَّةِ وَجُودَةِ جَمْعِ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَلِكَثْرَةِ مَنِ اعْتَنَى بِشَرْحِهِ وَلَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُهُ التَّكْمِيلُ -بَينَ تَحْقِيقٍ حَدِيثِيٍّ، أَوْ شَرْحِ ضَرُورِيٍّ، أَوْ شُبْهَةٍ تَرِدُ، أَوْ مَسْأَلَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ-؛ فَقَدْ قُمْتُ مُسْتَعِينًا بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَمُسْتَنِيرًا بِشُرُوحِ العُلَمَاءِ المَعْرُوفِينَ بِتَصْنِيفِ شَرْحٍ عَلَيهِ؛ عَلَى أَنْ يَكُونَ وَجِيزًا فِي عِبَارَتِهِ، وَاسِعًا فِي فَوَائِدِهِ (^١)، مَعَ الاعْتِنَاءِ الشَّدِيدِ بِتَحْقِيقِ الآثَارِ المَرْفُوعَةِ وَالمَوقُوفَةِ -مَوضِعِ الاسْتِدْلَالِ (^٢) -؛ وَالعَزْوِ الصَّحِيحِ -مَا أَمْكَنَ- فِي مَوَاطِنِ الاسْتِشْهَادِ وَالاسْتِئْنَاسِ، وَذِكْرِ المُفِيدِ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَمَاءُ مِمَّا يَمَسُّ مَادَّةَ هَذَا الكِتَابِ، وَبَيَانِ الرَّاجِحِ مِنْهَا قَدْرَ الإِمْكَانِ.
وَلَا أَدَّعِي لِنَفْسِي التَّفرُّدَ فِي شَرْحِ الكِتَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ الاعْتِمَادُ عَلَى شُرُوحِ العُلَمَاءِ الأَفَاضِلِ -قَدِيمًا وَحَدِيثًا- المَعْرُوفِينَ بِسَلَامَةِ المَنْهَجِ وَرُسُوخِ العِلْمِ وَبُعْدِ النَّظَرِ (^٣).
_________________
(١) وَمِنْ هَذِهِ الفَوَائِدِ جُمْلَةٌ وَاسِعَةٌ مِنَ المَسَائِلِ المُتَعَلِّقَةِ، وَهَذِهِ المَسَائِلُ هِيَ غَيرُ مَسَائِلِ المُصَنِّفِ المُخْتَصَرَةِ الَّتِي أتْبَعَهَا المُصَنِّفُ لِمَتْنِ البَابِ، أَمَّا مَسَائِلِي الخَاصَّةُ فِي هَذَا الكِتَابِ؛ فَقَدْ جَعَلْتُهَا قِسْمَينِ: القِسْمَ الأَوَّلَ: المَسَائِلُ الَّتِي أَجْعَلُهَا فِي أَوَاخِرِ شُرُوحِ الأَبْوَابِ. القِسْمَ الثَّانِي: المَلَاحِقُ المُسْتَقِلَّةُ عَنِ الأَبْوَابِ، وَهِيَ تَتَضَمَّنُ مُلَخَّصَاتٍ لِبَعْضِ الكُتُبِ، وَمِنْهَا مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا يَسِيرًا فِي بَابِهِ، وَسَأَذْكُرُ هَذِهِ المَلَاحِقَ قَرِيبًا.
(٢) مُعْظَمُ تَحْقِيقِ الحَدِيثِ فِي هَذَا الشَّرْحِ هُوَ مِنْ مُصَنَّفَاتِ الشَّيخِ الإِمَامِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
(٣) وَأَخُصُّ بِالذِّكْرِ الشَّيخَ الفَاضِلَ الإِمَامَ العَلَّامَةَ ابْنَ عُثَيمِين ﵀، فَقَدْ نَفَعَنِي اللهُ بِهِ كَثِيرًا.
[ ١ / ٦ ]
عَلَى أَنَّنِي أَعْتَقِدُ أَنَّنِي -إِنْ شَاءَ اللهُ- قَدْ وُفِّقْتُ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِي اسْتِيعَابِ فَوَائِدَ وَمَسَائِلَ تَمَسُّ الحَاجَةُ إِلَيهَا فِي كُلِّ بَابٍ؛ لَعَلَّهَا لَمْ تُجْمَعْ فِي شَرْحٍ وَاحِدٍ مِنْ شُرُوحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ.
وَقَدْ أَضَفْتُ إِلَى شَرْحِ الكِتَابِ -فِي مَوَاضِعَ مُنَاسِبَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ- بَعْضَ المُلْحَقَاتِ المُفِيدَةِ؛ التَي يَنْدُرُ الوُصُولُ إِلَى مِثْلَ فَائِدَتِهَا -بِفَضْلِ اللهِ- تَتْمِيمًا لِلمَنْفَعَةِ لِمِثْلِ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَهَذِهِ المُلْحَقَاتُ هِيَ:
المُلْحَقُ الأَوَّلُ: مَقَدِّمَةٌ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ.
المُلْحَقُ الثَّانِي: قَوَاعِدُ ومَسَائِلُ فِي التَّبَرُّكِ وَالبَرَكَةِ.
المُلْحَقُ الثَّالِثُ: مُخْتَصَرُ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ.
المُلْحَقُ الرَّابِعُ: مُخْتَصَرُ تَحْذِيرِ السَّاجِدِ مِنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِد.
المُلْحَقُ الخَامِسُ: فَوَائِدُ وَمَسَائِلُ عَلَى بَابِ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ.
المُلْحَقُ السَّادِسُ: مَسَائِلُ عِلْمِ الغَيبِ.
المُلْحَقُ السَّابِعُ: مُخْتَصَرُ القَوَاعِدِ المُثْلَى.
المُلْحَقُ الثَّامِنُ: مُخْتَصَرُ كِتَابِ (التَّوَسُّلُ: أَنْوَاعُهُ، أَحْكَامُهُ).
المُلْحَقُ التَّاسِعُ: مَسَائِلُ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ.
المُلْحَقُ العَاشِرُ: لَمْحَةٌ عَنِ الفِرَقِ الضَّالَّةِ فِي العَقِيدَةِ.
المُلْحَقُ الحَادِيَ عَشَرَ: مَسَائِلُ فِي أَحْكَامِ الصُّوَرِ وَالتَّصْوِيرِ.
المُلْحَقُ الثَّانِيَ عَشَرَ: مُخْتَصَرٌ فِي الرَّدِّ عَلَى أَبْيَاتٍ مِنَ البُرْدَةِ لِلبُوصِيرِيِّ.
المُلْحَقُ الثَّالِثَ عَشَرَ: رَدُّ شُبُهَاتِ المُشْرِكِينَ.
[ ١ / ٧ ]
وَأَخِيرًا أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى إِجَابَتِي دَعْوَةً كَدَعْوَةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ ﵊ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٤٠ - ٤١].
وَكَتَبَهُ: أَبُو عَبْدِ اللهِ خُلْدُونُ بْنُ مَحْمُودَ بْنِ نَغَوِي آل حَقُوي (^١).
_________________
(١) أُرَحِّبُ بِتَلَقِّي تَعْلِيقَاتِ القُرَّاءِ الكِرَامِ عَلَى العُنْوَانِ الإِلِكتْرُوني: Naghwi@gmail.com
[ ١ / ٨ ]