باب الشفاعة
وقول الله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ "٥٣" وقوله: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ "٥٤" وقوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ "٥٥" وقوله: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ "٥٦" وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ َمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ "٥٧" الآيتين.
قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونًا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ "٥٨" فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولًا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تُعط، واشفع تُشفع.
وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن
[ ١٠٤ ]
الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.
وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود. فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيَّن النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيات.
الثانية: صفة الشفاعة المنفية.
الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة.
الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود.
الخامسة: صفة ما يفعله ﷺ، وأنه لا يبدأ بالشفاعة أولًا، بل يسجد، فإذا أذن الله له شفع.
السادسة: من أسعد الناس بها؟.
السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله.
الثامنة: بيان حقيقتها.
[ ١٠٥ ]
فيه مسائل:
الأولى "تفسير الآيات" أي آية الأنعام والزمر والبقرة والنجم وسبأ.
الثانية "صفة الشفاعة المنفية" أي هي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
الثالثة "صفة الشفاعة المثبتة" أي هي التي تطلب من الله وتكون بشرطين: إذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له.
الرابعة "ذكر الشفاعة الكبرى وهي المقام المحمود" أي شفاعته ﷺ لأهل الموقف حتى يقضى بينهم فيستريح أهل الجنة من كرب الموقف.
الخامسة "صفة ما يفعله ﷺ أنه لا يبدأ بالشفاعة بل يسجد فإذا أذن له سجد" أي مع كونه أفضل الخلق فكيف بغيره، وهذا يدل على أن الأمر كله لله.
السادسة "من أسعد الناس بها" أي هم من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه فصارت مختصة بأهل التوحيد.
السابعة "أنها لا تكون لمن أشرك بالله" أي أنه لما خصها بأهل التوحيد دل ذلك أنها لا تكون لمن أشرك بالله.
الثامنة "بيان حقيقتها" أي أن الله يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود.
[ ١٠٦ ]