وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ "٢٠" الآيه وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ "٢١" الآية. وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ "٢٢" الآية. وقوله:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ "٢٣" الآية.
وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ﷿".
وشرح هذا الترجمة: ما بعدها من الأبواب.
فيه أكبر المسائل وأهمها: وهي تفسير التوحيد، وتفسير الشهادة، وبيَّنَها بأمور واضحة.
منها: آية الإسراء، بيَّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون
[ ٥٦ ]
الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
ومنها: آية براءة، بيَّن فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهًا واحدًا، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لادعائهم إياهم.
ومنها قول الخليل "﵇" للكفار ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ "٢٤" فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة: هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله. فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ "٢٥) .
ومنها: آية البقرة: في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبًا عظيمًا، ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! فكيف لمن لم يحب إلا الند وحده، ولم يحب الله؟!.
ومنها قوله ﷺ: "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله" وهذا من أعظم ما يبيِّن معنى "لا إله إلا الله" فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها، وياله من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع.
[ ٥٧ ]
"فيه أكبر المسائل وأهمها وهي تفسير التوحيد وتفسير الشهادة وبينها بأمور واضحة. منها آية الإسراء بين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر" أي لما أخبر أنهم يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة دل هذا على صلاحهم ولما أخبر أنهم لا يملكون كشف الضر ولا تحويلا دل هذا على أنهم لا يقدرون على ما طلب منهم ومن طلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك الشرك الأكبر.
"ومنها آية براءة بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وبين أنهم لم يأمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية لا دعاؤهم إياهم" أي هي قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله "مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد إلخ" أي كما فسرها لعدي بن حاتم ﵁ حين سمعه يتلوها فقال: "لسنا نعبدهم" إلخ كما سيأتي في باب من أطاع العلماء والأمراء.
"ومنها قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ فاستثنى من المعبودين ربه وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ " أي لما اشتملت على النفي الذي هو قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ وعلى الإثبات الذي هو ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ صار فيها تفسير شهادة أن لا إله إلا الله لأن أولها ينفي عبادة كل ما سوى الله وآخرها يثبت العبادة لله وحده لا شريك له.
"ومنها آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما ولم يدخلهم
[ ٥٨ ]
في الإسلام فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله" أي لما أخبر الله أنهم ما هم بخارجين من النار دل على أنهم كفار لأن مثل هذا قد اطرد في القرآن في حق الكفار وقوله: "يحبون الله" لقوله: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ على أحد القولين فهذه الآية تدل على أنهم كفروا لما أشركوا بين الله وبين أندادهم في هذه المحبة فمن أحب معبوده أعظم من حب الله أو أحب معبوده مطلقا ولم يحب الله فهو أعظم شركا ممن أحب معبوده دون ذلك وإن كان مشركا. وهذه محبة تعظيم وخضوع لا تصلح إلا لله جل وعلا.
"ومنها قوله ﷺ: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال بل ولا معرفة معناها مع لفظها ولا الإقرار بذلك بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له إلخ" أي لما لم يكتف في الحديث بالتلفظ بلا إله إلا الله بل ولا معرفة معناها مع لفظها ولا الإقرار بذلك بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده كما يؤخذ من قوله: "من قال لا إله إلا الله" دل ذلك على أنه حلال الدم والمال إلى أن يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله وهو الكفر بالطاغوت وبغضه وتركه والبراءة منه ومعرفة بطلانه كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ فإن شك في ذلك أو توقف لم يحرم دمه وماله فيا له من بيان ما أوضحه وأعظمه وحجة ما أقطعها للمنازع الذي يكتفي بقول هذه الكلمة والتلفظ بها ولو فعل ما فعل مما يهدمها وينافيها. وللعلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن - ﵀ - على هذا الحديث كلام حسن ذكره في مصباح الظلام ص ١٦٢، ١٦٣، ١٦٤، ١٦٥ فراجعه.
[ ٥٩ ]