باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك
وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم الْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ "٦٧" الآية.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات.
وعن علي بن الحسين: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ، فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليّ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم". [رواه في المختارة] .
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية براءة.
الثانية: إبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد.
[ ١٢٨ ]
الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته.
الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص، مع أن زيارته من أفضل الأعمال.
الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة.
السادسة: حثه على النافلة في البيت.
السابعة: أنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة.
الثامنة: تعليله ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب.
التاسعة: كونه ﷺ في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه.
[ ١٢٩ ]
فيه مسائل:
الأولى "تفسير آية براءة" أي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، والشاهد منها أنه لما وصفه الله بهذه الصفات دل ذلك على أنه قد بين لهم التوحيد والشرك وسد الذرائع الموصلة إليه.
الثانية "إبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد" أي من حرصه على هداية أمته ورأفته بهم أبعدهم عن الشرك وسد جميع الوسائل الموصلة إليه.
الثالثة "ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته" أي لقوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي حريص على هدايتنا ووصول النفع الدنيوي والأخروي إلينا.
الرابعة "نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص مع أن زيارته من أفضل الأعمال" أي أنه نهى عن زيارة قبره إذا كان على خلاف المشروع كمن يشد الرحل لزيارته أو يتخذه عيدا، وقوله: "مع أن زيارته من أفضل الأعمال" أي أن زيارة القبور على الوجه المشروع سنة كما في الحديث: "زوروا القبور" وإذا كان كذلك فهو عمل فاضل وقبره ﷺ منها وليس معناه أنه أفضل الأعمال مطلقا.
الخامسة "نهيه عن الإكثار من الزيارة" أي لقوله: "لا تجعلوا قبري عيدا" أي لا تكثروا التردد إليه كالعيد الذي يتكرر ويعتاد مجيئه.
السادسة "حثه على النافلة في البيت" أي لقوله: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا" أي لا تعطلوها من الصلاة النافلة فتكون بمنزلة القبور.
السابعة "أنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة" أي لكونه جعل البيت الذي لا يصلى فيه مقبرة فلولا أن ذلك متقرر عندهم لما حسن التشبيه.
[ ١٣٠ ]
الثامنة "تعليله ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب" أي أنه لما نهى عن التردد إلى قبره قد يقول قائل: "إنما أتردد للصلاة عليه عنده" أجابه بأن الصلاة والسلام يبلغه مع البعد فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب.
التاسعة "كونه ﷺ في البرزخ تعرض عليه أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه" أي لقوله: "وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم".
[ ١٣١ ]