باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان
وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ "٦٨" وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ "٦٩" وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ "٧٠) .
عن أبي سعيد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن"؟ أخرجاه،
ولمسلم عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاءً
[ ١٣٢ ]
فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة وألا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا"، ورواه البرقاني في صحيحه، وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئة من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذَّابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي. ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎".
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء.
الثانية: تفسير آية المائدة.
الثالثة: تفسير آية الكهف.
الرابعة: وهي أهمها: ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع؟: هل هو اعتقاد قلب، أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟.
الخامسة: قولهم إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلًا من المؤمنين.
السادسة: وهي المقصود بالترجمة – أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة، كما تقرر في حديث أبي سعيد.
[ ١٣٣ ]
السابعة: التصريح بوقوعها، أعني عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة.
الثامنة: العجب العجاب خروج من يدّعي النبوة، مثل المختار، مع تكلمه بالشهادتين وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق وفيه أن محمدًا خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح. وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة، وتبعه فئام كثيرة.
التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة.
العاشرة: الآية العظمى أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم.
الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة.
الثانية عشرة: ما فيه من الآيات العظيمة، منها: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبر، بخلاف الجنوب والشمال، وإخباره بأنه أعطي الكنزين، وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين، وإخباره بأنه منع الثالثة، وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع، وإخباره بإهلاك بعضهم بعضًا وسبي بعضهم بعضًا، وخوفه على أمته من الأئمة المضلين، وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة،
[ ١٣٤ ]
وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة. وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحدة منها أبعد ما يكون من العقول.
الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين.
الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان.
[ ١٣٥ ]
فيه مسائل:
الأولى "تفسير آية النساء" أي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ والشاهد منها أنهم لما فعلوا ذلك فلا بد أن تفعله هذه الأمة.
الثانية "تفسير آية المائدة" أي قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ والشاهد منها مثل الآية التي قبلها وكذا الآية التي بعدها.
الثالثة "تفسير آية الكهف" أي قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ .
الرابعة "وهي أهمها ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت هل هو اعتقاد قلب أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها" أي أنه ليس اعتقاد قلب لأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإنما هو موافقة أصحابها فلما وافقوهم عليه جعله الله
إيمانا بالجبت والطاغوت.
الخامسة "قولهم إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلا من المؤمنين" أي أن هذا جرى منهم وأن الله لعنهم وإذا كان وقع منهم فلا بد أن يقع في هذه الأمة مثله وهذا هو الشاهد للترجمة.
السادسة "وهي المقصود بالترجمة أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة كما تقرر في حديث أبي سعيد" أي الإيمان بالجبت والطاغوت وتفضيل دين المشركين على دين المسلمين وعبادة الطاغوت وبناء المساجد على القبور.
السابعة "التصريح بوقوعها أعني عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة" أي كما دل عليه حديث ثوبان: "حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان".
[ ١٣٦ ]
الثامنة "العجب العجاب خروج من يدعي النبوة مثل المختار مع تكلمه بالشهادتين وتصريحه بأنه من هذه الأمة وأن الرسول حق وأن القرآن حق وفيه أن محمدا خاتم النبيين ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة وتبعه فئات كثيرة" أي أن هذا لشيء عجيب كيف يؤمن المختار بن أبي عبيد بأن محمدا خاتم النبيين ليس بعده نبي ثم يدعي أنه نبي ويتبع على ذلك مع هذا التناقض البين ولكن هذا مصداق الحديث المذكور في الباب.
التاسعة "البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى بل لا تزال عليه طائفة" أي لا يذهب حتى لا يبقى عليه إلا الواحد بعد الواحد كما حصل فيمن قبلنا بل لا تزال عليه طائفة منصورة كما في حديث ثوبان.
العاشرة "الآية العظمى أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم" أي كما دل عليه الحديث.
الحادية عشرة "أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة" أي ساعتهم وهو وقت موتهم إذا أرسل الله الريح التي تقبضهم في آخر الزمان ثم لا يبقى إلا شرار الخلق فعليهم تقوم الساعة.
الثانية عشرة "ما فيهن من الآيات العظيمة" أي التي دل عليها حديث ثوبان منها إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبر بخلاف الجنوب والشمال أي أن الفتوحات امتدت في المشرق والمغرب فوقع كما أخبر بخلاف الجنوب والشمال فلم تمتد فيه. وإخباره بأنه أعطي الكثير أي كنز قيصر وكسرى فوقع كما أخبر فأخذهما المسلمون في زمن الخلفاء الراشدين وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين أي أن لا يهلكوا بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم وإخباره بأنه منع الثالثة أي أن لا يسلط بعضهم على بعض ويهلك بعضهم بعضا فمنع ذلك فسلط بعضهم على بعض وإخباره بوقوع
[ ١٣٧ ]
السيف وأنه لا يرفع إذا وقع أي وهكذا وقع فإنه لما قتل عثمان بن عفان وقع السيف ولم يرفع ولكنه يقل تارة ويكثر أخرى. وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة أي فوقع ذلك مثل خروج الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب والمختار بن أبي عبيد وأمثالهم وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة أي القائمين بالحق الذين هم على الحق وكل هذا وقع كما أخبر مع أن كل واحدة منها من أبعد ما يكون في العقول أي لكونه غيبا لا يعلمه إلا الله ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ الآية، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
الثالثة عشرة "حصره الخوف على أمته من الأئمة المضلين" أي لقوله: " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين" وهم العلماء والأمراء والعباد إذا خالفوا الصراط المستقيم.
الرابعة عشرة "التنبيه على معنى عبادة الأوثان" أي لقوله: "حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان" أي يلحقون بالمشركين ويرتدون عن الإسلام برغبتهم.
[ ١٣٨ ]