(وأما قولكم قال ابن القيم ان الصحابة والتابعين لما رأوا تعارض الأحاديث مثل حديث حتى يقولوا لا اله إلا الله وحديث من قال لا اله إلا الله دخل الجنة وان زنى وان سرق، مع ان الجنة محرمة على الكافرين كما دلت عليه النصوص القرآنية مع هذه الأحاديث التي تقدم ذكرها من وصف من أتى بهذه المعاصي من عدم الحكم بما أنزل الله وترك الصلاة عامدًا وإتيان الكاهن وغيرها بالكفر مع ان مرتكب هذه الخصال مقر بالشهادتين معتقد لهما ذهبوا إلى تقسيم الكفر إلى القسمين المذكورين اللذين هما كفر اعتقاد وكفر عمل) .
فنقول: أما كلام ابن القيم الذي قاله بفمه محبه بقلمه فهو ان الاعتقاد ما كان من وظائف القلب الشامل لعمله كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر
[ ١٤٢ ]
وبالقدر وتصديق الرسول فيما جاء به وأخبر عنه، والعمل بمقتضى ذلك شرط في صحة الإيمان، أو ما يضاده من التكذيب أو الشرك أو عدم العمل به بعدم الحكم بما أنزل الله ان كان فيه رد لنص حكم الله عيانًا عمدًا، وترك الصلاة بالكلية عامدًا عنادًا. فالأول هو الدين الذي لا يقبل الله غيره. والثاني هو الكفر الذي ليس معه إيمان. فأما أعمال الجوارح الظاهرة كالزنا وشرب الخمر وإتيان الكاهن بلا تقديم لكلامه على كلام الرسول ومن لم يأمن جاره بوائقه وضرب أعناق بعض المسلمين بعضًا وعدم الحكم بما أنزل الله في الفروع التي ليست من أصل الدين مع الاعتراف بحكم الله في قلبه وقوله ومحبته واختياره وانقياده إليه فيهما وعدم المحافظة على الصلاة في أوقاتها فهذا وان أطلق الشارع على مرتكبه الكفر فلا يخرج عن الملة لحديث أبي ذر وغيره وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وعلى هذا مضى سلف الأمة وخيارها وهم أعلم بمعنى كلام الله ونص رسوله ﷺ. فإن الصحابة والتابعين لما رأوا تعارض الأحاديث مثل حديث " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وحديث "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وان زنى وان سرق" مع هذه الأحاديث التي تقدم ذكرها من وصف من أتى بهذه المعاصي كعدم الحكم بما أنزل الله وترك الصلاة عن وقتها عامدًا وإتيان الكاهن وغيرها بالكفر ونفي الإيمان عن الزاني والسارق والشارب مع ان الجنة محرمة على الكافرين كما دلت عليه النصوص القرآنية ومرتكب هذه الخصال مقر بالشهادتين معتقد لهما ذهبوا إلى تقسيم الكفر إلى القسمين المذكورين اللذين هما كفر اعتقاد وكفر عمل، فمنه يعلم معنى جعله ترك الصلاة بالكلية وعدم الحكم بما أنزل الله حيث كان فيه رد لنص حكم الله عيانًا عمدًا كفر عملي انه عني عمل القلب وهو عدم انقياده ومحبته لأوامر الله والعمل بها ظاهرًا وباطنًا، فأما ان كان قد جحد وأنكر شيئًا من أركان الدين فهو اعتقاد محض وان كان الترك مع الإقرار والاعتراف فهو من عمل القلب المحض، وعمله ملحق باعتقاده في عدم انقياده كما قدمه آنفًا فبذلك فارق أعمال الجوارح الظاهرة من سائر المعاصي التي لا تخرج عن الملة وتقسيم اسم الكفر إلى قسمين باعتبار أعمال الجوارح الظاهرة واعتقاد القلب الشامل لعمله، ولأن قوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" دليل على انه لا بد من إقامة حقها ومن
[ ١٤٣ ]
أعظمه أقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما تقدم عن الصحابة والتابعين، ولحديث ابن عمر بني الإسلام على خمس فعدّ منه هذين الركنين اللذين هما أعظم دعائمه بعد الشهادتين، وكذا الحكم بما أنزل الله فيما نص على حكمه عيانًا وتصديق الرسول ﷺ في كل ما جاء به وأخبر عنه والعمل بمقتضى ذلك شرط في صحة الإيمان المقتضي للإسلام وحديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة مطلق، والأحاديث التي وردت في الصلاة ونفي الشرك مقيدة وكذا الآيات، والمطلق يحمل على المقيد. وقد انعقد الإجماع على ان كلام الله وكلام رسوله لا يخالف بعضه بعضًا وانه لا يخرج أحد من المسلمين بعمل ذنب من غير استحلال له، فيا سبحان الله كيف يدلي علينا بكلام ابن القيم من لم يعلم حقيقة أمرنا وما أدلى به علينا فإنه يزعم انا نكفر بالذنوب وهذا توهم منه وجراءة وبهتان بلا خشية علام الغيوب فهو من القول بلا حلم والحكم بلا علم ومن تصدر لدعوى القول والقيل فإنما يطلب منه الدليل.
وإذا أقررتم بالكفر الاعتقادي وبالحكم به على المشركين فلما لا تحكمون به على هؤلاء الذين يعتقدون النفع والضر في المخلوقين من الأولياء أو من الشياطين وان الله أعطاهم وفوّض إليهم فهم ينفعون ويضرون ويقبضون ويبسطون وأنهم للخلق أولياء مع الله، ويشفعون فيما سئل منهم وفي الكون يتصرفون بل تعترضون علينا في رسائلكم ومقدماتكم وتقولون ان ذوى العقائد الذين اعتقدوا أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون في جلب ما طلب منهم ويفرون كما اعتقد أهل الجاهلية ذلك في الأصنام لكن هؤلاء جاهلون يقرون بألسنتهم أن لا إله إلا الله ونحن نقول أفلا ميزتم الفرق بين الفريقين إذ الأوّلون لم يعتقدوا ما اعتقده هؤلاء الآخرون من هذا الاعتقاد المنافي للدين والمثبت للفساد هذا لم يعتقده أحد ممن سلف من العباد، وإنما حدث من عمى القلوب والجهل في حقيقة ما هو من العبيد مطلوب، والأولون لم يعتقدوا إلا مجرد الشفاعة والتقريب في نبي أو ملك أو ما هو مصوّر على صورته ليشفع له ويقرب له من الرب المجيب ولم يشركوا في كل حين بل يشركون تارة في مجرد الشفاعة والتقريب، ويخلصون الدين تارة لله رب العالمين، واحراها وقت حاجتهم في كل شدة وغمة يخلصون له الدعوة التي سماها الله دينًا وقولهم لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك دليل على أنهم لم يعتقدوا فيه الضر والنفع والعطاء والمنع والتفويض وإنما
[ ١٤٤ ]
اعتقدوا ما حكى الله عنهم في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أفلا نهيتم عن هذا الاعتقاد. وأنكرتموه على معتقديه حتى لا تكون فتنة ولا في الدين فساد. بل من نهى عنه أو عن منكر أقل منه نسب ذلك الناهي إلينا. وحصرت عقيدته علينا. فقيل له أو عنه وهابي أو عارضي أو شرقي. وإن كان نائيًا عنا ولم يعرفنا. أفلا أجبتم الداعي حين دعاكم إلى سبيل الرشاد. فإن القرآن ينادي وبآياته للسبيل المطلوب يهدي ويبدي وعلى المختلفين يحكم ويقضي. والسنة الغرّاء بما حكم به القرآن تحكم. ولمعانيه المرادة منه تعطي مبتغيها وتتم. ومن استمسك بالكتاب والسنة فقد غنم وسلم قال ﷾ لحبيبه أفضل الخلق ﷺ معلمًا له أن يقول ما يدل على أن الخير والشر من عند الله، وأنه لا يقدر على جلبهما أو دفعهما إلا الله وحده: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلاَّ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى لصفوة خلقه: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ وفي البخاري "أنه ﷺ قنت على حي من العرب المشركين يدعو عليهم شهرًا" فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ وأما الرسول ﷺ فإنه مبلغ عن الله تجب محبته في القلوب على الأهل والنفس والمال والولد، وعلامتها اتباع شرعه وما جاء به، لا عبادته وجعله بمنزلة
[ ١٤٥ ]
رب العالمين، فإنه لم يقاتل هو وصحابه ويعادي ويوالي ويهاجر من بلد مولده ويبارز عشيرته ويمثل بعمه ويرسله الله هو وسائر الرسل وتنزل الكتب إلا بسبب عبادة الله وحده لا شريك له ليكون الدين كله له، وغيره ﷺ من الأولياء من باب الأولى فإن الولى لا ينال الولاية ولا يؤتى الكرامة إلا بالتوحيد قولًا وعملًا واعتقادًا، والإخلاص في اتباع ما جاء به عن الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ وحاشاهم أن يرضوا بزعم من زعم أن لهم من الأمر شيئًا، بل هم أطاعوا الله واتبعوا رسله وأحبوه فأحبهم ورضي عنهم وأكرمهم كما قال جل ذكره: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وأما الأمر فإنه كله لله فليس للخلق من دونه ولي ولا شفيع إلا من بعد إذنه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ والنبي ﷺ وغيره من سائر الشفعاء لا يشفعون إلا من أذن الله لهم فيها لمن رضي عنهم. ولهذا إذا جاء سيد الشفعاء يوم القيامة يخر ساجدًا ما شاء الله فيقال له ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع وسل تعط. وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كنت خلف النبي ﷺ يومًا فقال: "يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وان اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف" رواه الترمذي. وقال حديث حسن صحيح. وفي رواية للترمذي: "احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة. واعلم ان ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك. واعلم أن النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وان مع العسر يسرًا" وكان من دعائه ﷺ: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". فهذا كله نص في أن الضر والنفع والاستعانة والدعاء بما لا يقدر عليه إلا الله لا يلتمس شيء من ذلك إلا من الله وحده، وان الخلق ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع إلا من بعد إذنه فلا يدعي بما لا يقدر علية أحد من المخلوقين إلا الله وحده، ولا يتوكل فيه إلا عليه ولا يرجى فيه إلا هو ولا يلتجأ إلا إليه إذ هو المعطي والشافع في القيامة فإنها
[ ١٤٦ ]
إذا وقفت على إذنه كان الأمر كله له فحينئذ نقول اللهم إنا نسألك شفاعة نبيك ﷺ اللهم شفعه فينا، فالعبادة بأنواعها لله وحده ليس له شريك. ولذلك قدم المعمولين ليفيد تقديمهما حصر العبادة والاستعانة لمستحقها وهو الله ﵎ وحده في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ الآية وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ .
أفلا تدبرتم معاني هذه الآيات وما ورد في سياقها من الأحاديث. فانقدتم لعمل ما دعت إليه وأعلنت به ودلت عليه من ان الدين كله لله والأمر كله له. فحينئذ وقفتم على صحة عقيدة من نسب العامل بها وبمعانيها والناهي عن ضدها ومخالفيها إليه، إذا قيل له أو عنه وهابي أو عارضي أو شرقي كما قيل في الصدر الأول لمن تبع ما جاء عن الله وخالف من خالف أوامر الله أنه صابئ ومن وافق الحق تبع وان كان واحدًا ويسمى وحده أمة. كما قال الله عن إبراهيم حين خالف قومه فيما نهى الله عنه واتبع رضوانه وعمل بتوحيده: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقد سمى الله ﵎ كلمة الإخلاص كلمة التقوى لأنها السبب لكل خير دنيوي وأخروي عكس كلمة الفجور، فإنها السبب في كل شر دنيوي وأخروي، ومن اكتفى بمجرد لفظها عن معناها فجانبه وعمل بضدها وهو الكلمة الخبيثة المنافية لاسمها ومسماها من كل فعل أو قول أو اعتقاد خبيث معناه يبطلها ويأباها فإنه قد عكس اسمها في اعتقادها ومنشئها إذ في زعمه أنه متى قالها مع قرينتها وهي الشهادة لمحمد بالرسالة فلا ينافيها من القول أو الفعل أو الاعتقاد مهما قال أو فعل أو اعتقد وهذا مناف لحقيقة الإسلام فزاع عن الإيمان لعدم استسلامه وانقياده للعمل في الدين الذي قال الله عنه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وإذا فقد العمل بمعنى هذه الكلمة الطيبة ووجد العمل بضدها الشامل للقول أو الاعتقاد عدمت بالكلية وان تلفظ بها وقالها باللسان إذ لا يجتمع متضادان في شيء واحد والمثبت له الإسلام في هذه الحالة جامع بين النقيضين وهو غير ممكن فلا أحد كائنًا من كان يجعل عبادة الله التي هي خاصة بجلاله لغيره تعالى من الخلق إلا كانت للشيطان وأعوانه كما قال جل ذكره: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ
[ ١٤٧ ]
جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْس﴾ يعنى من إغوائهم في دار الدنيا.
(وأما حديث) أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب (فالجواب عنه من وجوه) .
(أحدها): أن لفظ الحديث بيأس لا يئس وإذا كان اليأس جاء من قبل نفسه لأمر رآه من أمور النبوة وانتشارة الدعوة وإنزال التنزيل مع كثرة الإجابة في تلك المواطن فلا مانع من عبادته ولو بعد حين، وإنما يئس لما قام في ذهنه مما رأى مع حرصه على إغواء بني آدم.
(الثاني): ان اللعين كان يداخل الصور التي صوّرها المشركون ويكلمهم فيها كما قال جل ذكره: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ كسرت تلك الصور التي يكلمهم فيها يئس في نفسه ان يعبد كذلك، ولا منافاة ان من عبد الله فعبادته واقعة للشيطان لأن إياسه إنما هو بالنسبة إلى إعادة تلك الصور إلى ما كانت على صفتها الأولى.
(الثالث): انه يئس ان يعبد ظاهرًا بلا واسطة قبر أو تمثال كما عبد في غير الجزيرة كذلك فإنه قد وجد من عبد صورته استقلالًا.
(وأما بيان) الجزيرة فقال سعيد بن عبد العزيز والأصمعي وأبو عبيدة هي من ريف العراق إلى فدك طولًا ومن تهامة وما وراءها إلى طرف الشام عرضًا وقيل هي من أقصى عدن أبين اسم رجل إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى طرف الشام وقال الخليل إنما قيل لها جزيرة لأن بحر الحبش وبحر فارس والفرات قد أحاط بها ونسبت إلى العرب لأنها أرضهم ومسكنهم ومعدنهم، وقال الإمام أحمد جزيرة العرب المدينة وما والاها وهو مكة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفيها وما والاها، وهذا قول الشافعي لأنهم لا من تيما ولا من اليمن، والآيات والأحاديث فيما ذكرنا كثيرة جدًا ولكن اتباع الهوى من أكبر البلوى ولا أشد ضررًا
[ ١٤٨ ]
على الإنسان من ميل الهوى وإتباعه فيما يسخط الله ﵎ فانه قال عز من قائل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ الله﴾ عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما تحت ظل السماء إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من هوى".
(وأما قولكم وقد قسمه العلامة ابن الجوزي في النهاية إلى أربعة أقسام. كفر إنكار بأن لا يعرف الله ﵎ أصلًا ولا يعترف به. كفر جحود ككفر إبليس لعنه الله إذ كان يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه. كفر عناد وهو أن يعرف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به حسدًا وبغيًا واستكبارًا واستحياء من قومه ككفر أبي جهل وأبي طالب واضرابهما. وكفر نفاق وهو أن يعترف بلسانه ولا يعتقد بقلبه) .
فنقول: قد شاع وذاع وتقطعت به الاسماع وتواترت الأخبار وامتلأت الدواوين أن الكفر من حيث هو ينقسم في تعريفه إلى أربعة أقسام وكل قسم مغاير لقسيمه في المعنى الذي يسمى به وهذه الأقسام متفقة في حقيقة معنى الكفر وأصله من الستر ومنه سمي الليل كافرًا لأنه يستر الأشياء بظلمته وسمي الزراع كافرًا لأنه يستر الحب بالتراب والكافر يستر الحق بجحوده إياه.
(الأول كفر الجحود): وهو أن يكفر بما يعلمه في قلبه من أسماء الرب أو صفاته أو أفعاله أو دينه وأحكامه أو رسله أو ما جاء به من الحق فلا يقر به في لسانه ولا يعمل به في جوارحه وهذا كفر إبليس عليه اللعنة ومشابهيه الكاتمين الحق بعد علمهم إياه كاليهود ومشاكليهم من علماء السوء العاملين بالباطل والبهتان والقائلين الزور فيما جاء به القرآن وهم المجوّزون المنكر والعاكفون عليه والناهون عن المعروف وما يوصل إليه والصادون عن سبيل الله وما يقرب لديه. قال ﷾ في حق أولئك: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ
[ ١٤٩ ]
الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ فكل من عرف الحق من الدين ولم ينقد إليه ولم يعمل به فهو كافر ككفرهم، وهو ملعون كما لعنوا، وقال تعالى في حق هؤلاء: ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ وهذه شاملة الفريقين.
(الثاني كفر إنكار): وهو أن ينكر الله أو دينه أو رسله أو كتبه أو شيئًا مما جاؤا به في القلب واللسان.
(الثالث) كفر العناد وهو أن يعرف الحق بقلبه ويعترف به في لسانه ولكن لا يعمل به ككفر أبي طالب وأمثاله حين دعاه النبي ﷺ إلى الدين والعمل به من إيمان وغيره فقال: لولا تعيرني قريش لأقررت بها عينك ولكن أذب عنك ما حييت وقال في النبي ﷺ ودينه أبياتًا يثني عليه بها وهي هذه:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر وقر بذاك منك عيونا
ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت دينًا قد علمت بأنه من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحًا بذاك مبينا
قال ابن عباس ﵄: ومقاتل نزل قول الله ﷾ وهم ينهون عنه وينأون عنه في أبي طالب كان ينهى الناس عن أذى محمد ﷺ ويمنعهم منه وينائي بنفسه عن الإيمان بدينه أي يبعد نفسه عن العمل به حتى أنه اجتمع إليه رؤساء المشركين وقالوا: خذ شابًا من أصبحنا وجهًا وادفع محمدًا لنستريح منه فقال أبو طالب: ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي لتقتلوه وأربي ولدكم. ولما أسلم عمر بن الخطاب ﵁ شق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة
[ ١٥٠ ]
للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسة وعشرين رجلًا أكبرهم سنًا الوليد بن المغيرة، قال لهم: امشوا إلى أبي طالب فأتوا أبا طالب ومعهم أبو جهل وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وفد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك وأنصفنا منه. فأرسل أبو طالب إلى النبي ﷺ فدعا به فقال: يا بن أخي هؤلاء قومك يسألونك فلا تمل كل الميل على قومك. فقال النبي ﷺ: "ماذا يسألوني" قالوا: ارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال ﷺ: "أدعوكم إلى كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم" أي تطيع، فقال أبو جهل: لله أبوك نعطيكها وعشرة أمثالها، فقال رسول الله ﷺ: "قولوا: لا اله إلا الله" فنفروا من ذلك وقالوا أجعل الآلهة إلهًا واحدًا لظنهم أن الإله الواحد لا يسع الخلق ولا يصلون إلى قربه إلا بوسائط ورسائل يقربونهم إليه يتوكلون عليهم ويتقرّبون لديهم بشفاعتهم عنده، فهم يتألهونهم بقلوبهم بمحبتهم وتعظيمهم وإجلالهم وإكرامهم زاعمين أن ذلك فيه رضاء الله وانه تعالى أمر به كما قالوا في الآية الأخرى لو شاء الله ما أشركنا نحن ولا آباؤنا، لأن ما تألهوه إما نبيًا أو ملكًا أو صورة أحدهم فلذلك تعجبوا مما دعاهم إليه النبي ﷺ فقالوا ان هذا لشيء عجاب، أي عجيب والعجب والعجاب واحد كقول الرب: جل كريم وكرام وكبير وكبار وطويل وطوال وعريض وعراض. وانطلق الملأ منهم من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب الذي كانوا فيه وسماعهم من النبي ﷺ تلك الكلمة الطيبة يقول بعضهم لبعض: أن امشوا واصبروا على آلهتكم أي اثبتوا على عبادة آلهتكم يوصي بعضهم بعضًا في الصبر على ما هم عليه من الباطل وعداوة الحق أي اثبتوا على معتقداتكم لتقربكم إلى خالقكم لأنه قد أمركم بذلك ولهذا قال ان هذا لشيء يراد أي هذا الاعتقاد بالآلهة يراد منا لا محالة عن ذلك فان الخلق لا يسعهم الإله الواحد بل هم مأمورون بالأسباب الموصلة إليه وقيل معناه أنه لأمر يراد بنا وذلك أن عمر لما أسلم وحصل للمسلمين قوة بمكانه عندهم قالوا: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد لأمر يراد بنا وقيل يراد بمحمد يملك علينا فيتولى أمرنا وما نحن فيه، ولما كان الدين الذي لا يقبل الله غيره مخالفًا لعادتهم وعادة آبائهم قالوا: ما سمعنا بهذا الذي يقوله محمد من التوحيد في الملة الآخرة هي ملة قريش وهي دينهم الذي كانوا عليه بلا
[ ١٥١ ]
أصل وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي: يعنون النهاية لأنها آخر الملل وهم لا يوحدون بل يقولون ثالث ثلاثة ان بمعنى ما هذا إلا إختلاق كذب وافتعال ثم لما حسدوا بغيًا واستكبارًا عن الحق وإتباعه، قالوا: أنزل عليه الذكر من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ أي وحيي وما أنزلت على عبدي. والمراد به القرآن، وما أنزل لأجله، وهو التوحيد، بل لما يذوقوا عذاب، تهديد لهم أي سيذوقونه ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول ولصدقوا حيث لا ينفعهم التصديق، لأن لما تدل على عدم وقوع المنفي بها في الحال لا في الاستقبال.
(وإذا كان) معنى كفر العناد هو ان يعرف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين بما عرفه واعترف به فالعجب ممن يدلي علينا باعتراضاته ويزعم في مصنفاته ويقول في معتقداته ان الإيمان يكفي فيه مجرد التصديق فمتى وجد أغنى عن العمل ويسمى المصدق مؤمنًا وحيث ترك العمل فهو كافر كفرًا عمليًا لا يخرج عن الملة بل هو مسلم حكمًا وحقيقة، وهل هذا إلا تناقض فيما قاله أو ادعاه، ونقض لما أبرمه فيما حكاه فلله الحمد والمنة.
(الرابع): كفر النفاق وهو ان يعترف باللسان ويعمل بشرائع الإسلام ظاهرًا ولا يعتقد في القلب بل إما يكذب أو يستخف ولكن يعمل خوفًا وتلجئه فهو النفاق الذي صاحبه في الدرك الأسفل من النار وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله بواحد منها لا يغفر له بل هو مخلد في النار بنص التنزيل وأحاديث البشير النذير.
(وأما قولكم قال ابن القيم: وهذا الجمع والتوفيق بهذا التفصيل هو قول الصحابة وعليه الاعتماد لأن أمثال هذه المسائل لا تتلقى إلا منهم ولا تؤخذ إلا عنهم إذ هم الواقفون على اسرار الكتاب والأحاديث، والمتأخرون لما لم يفقهوا مرامهم افترقوا فرقتين فرقة أخرجت مرتكب الكبيرة عن الملة المحمدية وقضوا عليهم بالخلود بالنار وفرقة جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان فهؤلاء غلوا وهؤلاء جفوا وهدى الله أهل السنة والجماعة للطريقة المثلى والقول الأوسط حيث لم يخرجوهم عن الإيمان ولم يقضوا عليهم بالخلود ولم يجعلوهم بحيث لا تضرهم المعاصي وهذا هو الموافق للمنقول عن علماء الصحابة والتابعين من تقسيم الكفر إلى القسمين المذكورين) فنقول:
[ ١٥٢ ]
هذا مما قدمناه وقلناه والحق ما قاله ابن القيم، ولكن لا يخص بفهمه والعمل به إلا من سبقت له من الله الحسنى والمقام الأسنى والعناية الربانية والسعادة الأبدية، فإنه عنى بذلك ما عناه الأئمة الأعلام الذين هم مصابيح الهدى والدين من سائر الأنام، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم من أئمة الدين حتى البخاري ومسلم، كلهم على أن المسلم لا يكفر بذنب يفعله ولا يخرج به من الملة كالقتل والزنا وشرب الخمر وقوله لأخيه المسلم يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام وسائر أفعال المعاصي إلا الشرك بالله الأكبر، الذي لا يغفره تعالى كما حكاه بنص التنزيل، أو استحلال ما حرمه الله أو تحريم ما حلل، كما قدمنا الكلام فيه وعلى هذا دل الكتاب والسنة وبه نطق أولو العلم والحكمة قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ..﴾ إلى قوله.. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فسماهم مؤمنين وجعلهم أخوة مع الاقتتال وبغي بعضهم على بعض، وقال تعالى في بيان الكفارة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولو أعتق مذنبًا أجزأ عتقه بإجماع أهل العلم. وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبي ﷺ ولم يحكم عليهم بالكفر الموجب للردة ولا قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين بل جلد هذا ورجم هذا وقطع يد هذا وهو في ذلك يستغفر لهم ويقول: " لا تكونوا أعوان الشياطين على أخيكم". وفي البخاري: "عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلًا يشرب الخمر يقال له عبد الله فأتى به شاربًا فلعنه رجل وقال ما أكثر ما يؤتى به فقال رسول الله ﷺ: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" ولما أن ذو الخويصرة وهو رجل ناتئ الجبين غائر العينين كث اللحية وقال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل فأراد بعض الصحابة قتله فقال النبي ﷺ: "دعه إنه يخرج من ضئضىء هذا أقوام يحقر أحدًا صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية" وهذا الحديث في الصحيحين وغيرهما فهذا العابد الظاهر العبادة هو ومن اتبعه لما جانبوا سنة رسول الله ﷺ واستغنوا بما معهم عنها وخالفوه وخالفوا الصحابة ودعوا إلى بدعتهم واستحلوا دماء من لا يوافقهم عليها أمر النبي ﷺ بقتالهم، وقال: " لئن أدركتهم لأقتلنهم مثل عاد" وذلك الشارب الخمر لما كان محبًا للرسول ولسنته نهى ﷺ عن لعنه وقال: "لا تلعنه فإنه
[ ١٥٣ ]
يحب الله ورسوله". فهذا يرد ما ذهب إليه المعتزلة والخوارج من التكفير بالذنوب ووجوب النار والتخليد لمن مات عاصيًا لمقلب القلوب. وكذلك المرجئة القائلون بأن الإيمان لا تضر معه المعصية، كما أن الكفر لا تنفع معه الطاعة، وترك الأعمال التي من الدين معصية لا تضر مع وجود التصديق القلبي إذ هو الإيمان عندهم ووجوده كاف عن غيره ولكل شبهة مستند إليها قد ذكرناها فيما تقدم، فهدى الله أهل السنة والجماعة للطريقة المثلى والقول الأوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل حيث لم يخرجوهم عن الإيمان ولم يحكموا عليهم بالخلود في النيران ولم يجعلوهم بحيث لا تضرهم المعاصي والاستغراق في الطغيان، لأنهم بقول الله ورسوله متمسكون وعلى قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان معتمدون ولمن خالفهم مجانبون إذ هم على أسرار الكتاب واقفون وبسنة نبيهم آخذون فلا تتلقى تلك المسائل وتؤخذ إلا عنهم ولا يهتدي المهتدي ويفوز المسترشد إلا بهديهم وإتباع سنتهم ومن جانبهم فقد أبعد وضل وأضل فإن انضاف إلى المجانبة الإعراض عن منهاج الرسول وما كان عليه هو وأصحابه ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
(وأما قولكم قال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق) .
فنقول: هذا بعينه ما قاله ابن القيم وغيره نقلًا عن الصحابة والتابعين من أن أعمال الجوارح الظاهرة كالزنا وشرب الخمر وإتيان الكاهن مع عدم تقديم كلامه على كلام الرسول، ومن لم يأمن جاره بوائقه، ومن لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع التي منشؤها الفروع مع الانقياد لحكم الله في الأصول بالقلب والقول باللسان، وسائر المعاصي الظاهرة لا يخرج بها مرتكبها عن خطة الإسلام وان لم يسم مؤمنًا حقًا، فلا يقال عنه كافر حقًا فهاهنا كفر درن كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجر عن طاووس عن ابن عباس ﵄ في قول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ليس هو الكفر الذين تذهبون إليه وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه طاووس قال: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: هو بهم كفر ولكن ليس كمن كفر بالله وملائكته
[ ١٥٤ ]
وكتبه ورسله، وقال في رواية أخرى: كفر لا ينقل عن الملة، وفد تقدم الكلام فيه مستوفى عند قوله وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس في تفسير هذه الآية وأنه ﵁ فصل تفصيلًا حسنًا قد ذكرناه عنه فيما سلف وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق وهذا كله رد على المعتزلة والخوارج الضالين عن طريق الحق والصواب والجانحين عن طريقة أفضل الأحباب.
(ونحن ولله الحمد) على ما كان عليه النبي ﷺ معتمدون وبكلام الله آخذون ولمن خالفه مجانبون ومعادون والدليل على صحة ما قلناه واعتقدناه إنا لا نكفر إلا من كفره الله بنص التنزيل كالمتألهين غير الله من المخلوقين بدعائهم ورجائهم والتوكل عليهم وتفويض جميع أمورهم إليهم قولًا واعتقادًا والراضين بذلك المكفرينا بأمرنا بما أمر الله به ونهينا عما نهى الله عنه يجاهدوننا ويجعلون اليهود والنصارى أخف شرًا منا ومن إتباعنا وكذا الجاحدين من الدين ما علم بالضرورة انه منه عمليًا كان أو اعتقاديًا، ونجاهد على ذلك كله وعلى تقويم أركان الإسلام كما جاهد النبي ﷺ وأصحابه عليه بأمر الله له في آيات التنزيل كما قال جل ذكره: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ الآية فقدم تعالى التوبة من الشرك إشارة إلى أن الصلاة والزكاة وسائر أعمال البر لا تعتبر ولا يعتد بها إلا بعد وجود الأصل وهو التوحيد إذ هو كأصل الحائط أو أصل الشجرة وسائر الأعمال كفرعه وهو لا يثبت إلا على أصل فلا يستقيم بدونه ولا يتم إلا به قال ﷾: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فإن حكمتم على ان من جعل بعض الدين لله وبعضه لغيره بأنه عاص لا كافر حقيقة، وقد جنحتم وكيع عن إجماع سلف الأمة في أن المشركين الأولين الجاعلين بعض الدين لله وبعضه لغيره ومن شاكلهم ممن اعتقد اعتقادهم وعمل عملهم مستوجبون للكفر حقيقة وان من اعتقد انهم على صواب أو هدى أو شك في كفرهم فهو مكذب لقول الله طاعن في رسالة محمد ﷺ وان حكمتم بكفره فلما لا تحكمون به على من اتخذ من دون الله وليًا ونصيرًا وشفيعًا يدعوه ويرجوه ويتوكل عليه قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾
[ ١٥٥ ]
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فتعلمون عقيدتنا وحقيقة أمرنا ونهينا ولا تدلوا علينا بكلام هؤلاء الأئمة الأماثل والجهابذة الأفاضل لأن ذلك إنما يلزم به أهل الأهواء من ذوي العقائد الفاسدة الراكسين في المخالفة للنصوص الشرعية والآيات القرآنية لكن من لم يميز الدين ويعرفه عين اليقين عميت بصيرته وأظلمت سريرته فلا حيلة فيه إذا رفعت الشكوى وعمت البلوى.
(وأما قولكم وقال ابن القيم الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه فان الله سمى من حكم بغير ما أنزل الله كافرًا ظالمًا في قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وسمى متعدي حدود الله في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالمًا فقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ وقال يونس ﵇: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقال صفيه آدم ربنا ظلمنا أنفسنا، وقال كليمه موسى ﵇: رب إني ظلت نفسي فاغفر لي ومعلوم يقينًا ان هذا الظلم ليس كمثل ذلك الظلم) .
فنقول: كل كافر ظالم ولا عكس لأن قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ محصور في خبره أي ولا ظالم أظلم ممن وافى ربه يومئذ كافرًا وتد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون ولم يقل والظالمون هم الكافرون، ومتعدي حدود الله في النكاح بالمضارة، أو نكاح ما لا يحل نكاحه، انشاء، أو رجعة، والطلاق فيطلق لغير السنة أو لها، حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها، ثم إذا قرب انقضاء عدتها راجعهاه، ثم طلقها مضارة لها، والخلع فيضارها بمنع حقها لتفتدي منه وكل من فعل كذلك فقد ظلم نفسه، أي أثم فيما بينه وبين الله وان أبدى للناس حاله عكس ما أخفاه عنهم، وقول يونس ﵇: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أي في ذهابي مغاضبًا لقومي بلا إذن من ربي ففي نسبة الظلم إلى نفسه اعتراف منه بأنه عمل خلاف الأليق به فان العبد إذا أرسله سيده بأمر وجعله في وظيفة على عبيد لسيده فغاضبوه وامتنعوا من أمره لا ينبغي له الاستعجال والمغاضبة لهم والذهاب عنهم بلا مراجعة من سيده فهو ﵇ قد فهم ذلك وتذكره بعد ذلك فلام نفسه ورجع إلى ربه مستدركًا ما فات منه من
[ ١٥٦ ]
التقصيرات بمناداته في تلك الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وهذه رتبة الخواص الفزع عند الشدائد إلى مالك الناس بالإخلاص ولهذا كان نبينا ﷺ يفزع عند كل شدة إلى الصلاة. والظلم تارة يأتي بمعنى الإثم الذي هو أعم من المعاصي والكفر كما تقدم، وتارة يأتي بمعنى خلاف الأولى كقول يونس صلوات الله وسلامه عليه سبحانك إني كنت من الظالمين، وقول آدم ﵇ ربنا ظلمنا أنفسنا. وكما جاء في الحديث الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثًا ثلاثًا وقال: "هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم" رواه أحمد والنسائي وابن ماجة فسمى خلاف الأولى ظلمًا. وقد صح في السنة عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ قال: " دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها مسلم في شيء قط إلا استجيب له" وعنه أيضًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اسم الله الذي إذا دعي به أجاب. وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى" قلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين قال: "هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها ألم تسمع قول الله تعالى ننجي المؤمنين" فالإيمان شرط من الله لمن دعاه بهذه الدعوة إذ قد يقولها وهو يوجد المنافي لها قولًا أو عملًا أو اعتقادًا فليس عنده منها إلا مجرد لفظها وكانت هذه الدعوة مفزع الأنبياء، أخرجه ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة وقول آدم ﵇ ربنا ظلمنا أنفسنا فيه الاعتراف بمخالفة النهي وفعل خلاف الأولى وأنه فعل المنهي عنه لا عن عمد وإنما هو ظان أن النهي لا يقتضي التلزيم باجتناب المنهي عنه لأن الغار له أقسم بالله على ذلك فظن أن لا أحد يقسم بالله كاذبًا فنسب التقصير والظلم إلى نفسه وما أحسن الاعتراف بالذنب والتقصير من العبد لسيده وان أبعد اللوم عنه ظاهرًا والعبد إذا ازداد قربه من سيده ازداد خوفه وخشيته ورغبته ورهبته منه وعد ما جرى من غير اللائق به ذنبًا وان لاق بغيره ممن هو ليس في درجته ولذلك كانت حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقال موسى ﵇: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فسؤاله المغفرة واعترافه بظلم النفس على جهة طلب الكمال، وان اللائق به كان خلاف ما فعل من الاستعجال بقتل القبطي وإلا فمجرد قتله جائز فإنه عدو للدين حربي للاسرائيلين لكن كان الأولى في حق موسى تأخر قتله لينصحه ويعظه بما قاله
[ ١٥٧ ]
رب العالمين، فتسميته من عمل الشيطان للاستعجال بقتله، وتسميته ظلمًا من حيث حرمان ثواب المندوب، وقال اعترافًا وانقطاعًا إلى الله فيما هو إليه محبوب وان لم يكن ثم ذنب البتة. والاستغفار منه بمعنى طلب المغفرة بترك هذا المندوب لعمله عدم الأولى المطلوب، ومن المعلوم يقينًا عند كل عاقل ان ظلم الكفر ليس كظلم المعاصي، وظلم العبد المنيب ليس كظلم العبد الجافي، فالظلم مختلف، كما أن الكفر أنواعه مختلفة، وهذا لم يقع فيه نزاع بين علماء أهل السنة، إنما القصد الكلي والفائدة العظمى طلب ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والحكمة ومعرفة ما أراد بذلك الإنزال والإرسال وما طلبه من عبيده فما خلقهم لأجله وأمرهم به ونهاهم عن ضده ورتب على وجوده رضاه ورحمته والخلود في جنته وعلى عدمه والعمل بضده غضبه وسخطه وحرمان رحمته والخلود في ناره وغضبه وتضعيف عذابه وكل ما يحتاج إليه الناس في دينهم فقد بينه الله ورسوله بيانًا شافيًا، ثم إذا عرف ما بينه الكتاب وقاله الرسول، نظر في أقوال الخلق فعرضت على الكتاب والسنة فما وافق قبل، وما خالف نبذه، فهذا هو سبيل الهدى والسنة والعلم والحكمة، وهو الذي كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ومن سلك سبيلهم من الأئمة الأعلام إلى آخر الزمان، وأما سبيل الضلال والبدعة والجهل فعكس ذلك تجد المبتدع بدعة إما مخرجة عن الدين بالكلية، وإما ليست أصليه منه ولا فرعية بل من رأى رجال وتأويلاتهم، أو من دسائس الشيطان وتحسيناتهم أنها من الدين ومما يقرب إلى رب العالمين، لم يجعل ما جاء به الرسول أصلًا وفرعًا فيعرض عليه سائر ما هو عامل بل يحرف الألفاظ ويتأولها على وفق ما هو له أصل رفي نفس الأمر لا يعتمد على ما جاء به الرسول ولا يتلقاه منه بالهدى ولكن يتأول منه ما يوافق بدعته ليجعله له حجة كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه وقد قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَة﴾ التي من أعظمها الشرك وابتغاء تأويله وقال ﷺ فيما خرجاه في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".
(والأعمال قسمان) عبادات ومعاملات. فأما العبادات فكل ما كان خارجًا عن كلام الله ورسوله بالكلية من قول أو اعتقاد أو فعل فهو مردود على عامله
[ ١٥٨ ]
ويدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ فمن تقرب إلى الله بما لم يجعله الله ورسوله قربة فعمله باطل مردود عليه وشبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وان تلك القربة المعتقدة كقربة الأولين فهي أعظم بعدًا عن الدين، وأبغض معصية إلى رب العالمين، وهذا مناف له من أصله فلا يوجد معه أبدًا كالذين يشركون بالله ما لم ينزل به سلطانًا ويقولون على الله ما لا يعلمون، وهم الجاعلون بينهم وبين خالقهم وسائط ووسائل من خلقه يدعونهم ويرجونهم ويلوذون بهم ويتوكلون عليهم ليشفعوا لهم عند مليكهم في قضاء حوائجهم ومع ذلك يقولون: الله أمرنا بهذا فهو يرضى به، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ولم يتأملوا أحوالهم وما هم فيه من العقائد الفاسدة والحجج العاطلة فتستنير قلوبهم لمعناها وإنها الأعمال الصالحة لا سواها بل واسطتهم تلك هي معنى الإله المذكور في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ذكره المفسرون في كتبهم نقلًا عن البشير النذير، وان كانت غير ذلك كمن تقرب إلى الله بسماع الملاهي أو بالرقص أو بكشف الرأس في غير الإحرام وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ولا رسوله التقرب بها إليه بالكلية فهي من دسائس الشياطين لتنال الحظ الوافر من العاملين وليس كل ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا فقد رأى النبي ﷺ رجلًا قائمًا في الشمس فسأل عنه فقيل انه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وان يصوم فأمره النبي ﷺ أن يقعد ويستظل وان يتم صومه فلم يجعل قيامه وبروزه للشمس قربة يوفي بنذرها، وقد روى ان ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي ﷺ يخطب اعظامًا لخطبته ﷺ ولم يجعل النبي ﷺ ذلك قربة يوفي بنذره مع ان القيام عبادة في موضع آخر كالصلاة والأذان والقيام بعرفة والبروز في الشمس قربة للمحرم فدل على أنه ليس كل ما كان قربه في موطن يكون قربة في كل موطن إنما يتبع ذلك ما وردت به الشريعة في مواضعها وكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها كمن صام يوم العيد أو صلى وقت النهي.
(وأما المعاملات) كالعقود والفسوخ ونحوها فما كان منها تغير للأوضاع الشرعية كجعل حد الزنا عقوبة مالية وما أشبه ذلك فانه مردود من أصله لا يقبله الله
[ ١٥٩ ]
لأن هذا غير معهود في الإسلام ويدل على ذلك ما روى البخاري في صحيحه ان النبي ﷺ قال للذي سأله ان ابني كان عسيفًا على فلان فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم فقال النبي ﷺ: " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها قال: فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت") وبتأمل ما ذكرناه يعلم اختلاف الظلم كما يعلم اختلاف الكفر وان كل كافر ظالم ولا عكس.
(وأما قولكم وسمى الله الكافر فاسقًا في قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ الآية، وسمى المؤمن فاسقًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط على قول الأكثر في قوله تعالى فيمن رمى المحصنات ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ والآيات كثيرة في الأمرين) .
فنقول هذا من كلام ابن القيم أيضًا وأصل الفسق الخروج يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، قال الله تعالى في حق إبليس عليه اللعنة ففسق عن أمر ربه أي خرج، وكل كافر خارج من الطاعة فهو فاسق ولا عكس، وان سمي فاسقًا إذ الفسق أعم من الكفر وهو أخص وبينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة الكفر، وينفرد الفسق عنه، ولذلك سمى الله ﷾ المؤمن العاصي فاسقًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله ﷺ جابيًا للصدقات على بني المصطلق فلما قاربهم وسمعوا به اجتمعوا فهابهم وخاف على نفسه بسبب عداوة كانت بينهم في الجاهلية فلما خاف الوليد ورجع مخبرًا لرسول الله ﷺ بمنعهم الزكاة وارتدادهم غضب النبي ﷺ وهم بهم فجاؤا معتذرين مكذبين للوليد فأرسل إليهم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد آمرًا له أن ينظر في أمرهم فان رأى خيرًا أخذ الزكاة وان رأى أمارات غيره فعل بهم كفعله بالكفار، فرأى الخير بسماعه لأذاني صلاة المغرب والعشاء فأخذ الزكاة منهم وأنزل الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ الآية فاستفيد ان المخبر بشيء لا يعمل بخبره إلا بعد التثبت ومن هنا قيل ان النميمة تمنع قبول خبر النمام لأنه
[ ١٦٠ ]
بمجردها يفسق بها لأنها كبيرة إلا أن تكون مصلحة للدين وقمعًا لأعدائه المعاندين إذا سبوه واستهزؤا به أو تعدوا وظلموا فيه فقد يجب رفع خبرهم إلى الإمام أو نائبه لأن النبي ﷺ رفع إليه خبر العرنيين، وقيل نزلت الآية في الحكم بن أبي العاص وهو مؤمن أيضًا، والأول عليه الجمهور، واتفقوا على فسق قاذف المؤمن لأن الله سبحانه سماه فاسقًا ما لم يتب، ولا يلزم من تسمية فاعل المعصية فاسقًا كفره لما تقدم أن كل كافر فاسق ولا عكس، ولأن الله سبحانه سمى المؤمن العاصي فاسقًا ولم يحكم عليه النبي ﷺ بالكفر مع وجود فسقه، كما لا يلزم من وجود الظلم الكفر بخلاف العكس قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ والآيات في هذا الحد كثيرة فليس فسق العاصي كفسق الكافر، كما ليس ظلم الأول كظلم الثاني، فالكفر كفران والفسق فسقان، والظلم ظلمان، وكذلك الجهل جهلان، باعتبار الكفر والإيمان.
فالأول كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ .
والثاني كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ . وباعتبار حقيقته إلى مركب، وهو فهم المعنى بالعكس على غير المراد منه مع التصميم على ذلك وادعاء العلم به، وبسيط، وهو الغفلة عن المعنى مع عدم ادعاء علمه.
(وأما قولكم والشرك أيضًا شركان شرك ينقل عن الملة وشرك لا ينقل عنها وهو الأصغر وهو شرك العمل كالرياء قال الله في الأكبر ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ وفي الأصغر ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ومن الأصغر حديث من حلف بغير الله فقد أشرك لا يخرج عن الملة ولا يوجب له حكم الكفار) .
فنقول: أصل دين الله وقاعدته الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه وشرع الجهاد لأجله وجعل الجنة والنار بسببه والذل والصغار على من خالفه إنما هو أمران.
(الأول) توحيده سبحانه بالقيام بعبادته له تعالى وحده لا شريك له وهو
[ ١٦١ ]
إخلاصها بأنواعها لجلاله وعظمته المختصة بألوهيته قال ﷾: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه.
(الثاني) الكف عن الشرك والنهي والإنذار عنه والتغليظ فيه، والمعاداة به، وتكفير من فعله، والبراءة منه، وعدم مودته وموالاته من دون الله، وان كان قريبًا من العشيرة قال الله ﷾: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ والمخالفة في هذين الأمرين (أنواع) أشدها المخالفة في كليهما، والخلق قد افترقوا فيهما فرقًا:
(فمنهم) من عبد الله وحده لكنه لم ينكر الشرك وهو يعرفه.
(ومنهم) من أشرك ولم ينكر التوحيد.
(ومنهم) من أنكر الشرك لكنه لم يعاد أهله، بل والاهم من دون المؤمنين أو جعل رتبتهم كرتبة أهل التوحيد محتجًا بأن الكل خلق الله.
(ومنهم) من عاداهم لدنيا أو عصبية لا لشركهم ولم يكفرهم ولم يعب عليهم فيه.
(ومنهم) من لم يحب التوحيد ولم غضه وإنما هو تابع فيه غيره سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.
(ومنهم) من أنكره ولم يعاد أهله.
[ ١٦٢ ]
(ومنهم) من عاداهم لمخالفتهم أهل الأهواء المتبع لهها مع عدم شعوره ولم يكفرهم.
(ومنهم) من كفرهم وأنكر التوحيد بعد أن عرفه وسبه وأهله.
(ومنهم) من لم ينكره لكنه كفر أهله الآمرين به والناهين عن ضده.
(ومنهم) من لم يبغض الشرك ولم يحبه بعدم تمييزه عن ضده.
(ومنهم) من لم يعرف الشرك من أصله فلم ينكره وفعله.
(ومنهم) من لم يعرف التوحيد وأنواع العبادات فلم يقل به مؤديًا حقه.
(ومنهم) من قاله بلسانه ولم يعمل به ولم يعرف معناه في قلبه ولا قدره فلم يعاد أهل الشرك ولم يكفرهم.
فهذه ثلاثة عشر فرقة كلها قد خالفت ما جاءت به الرسل من دين الله وتوحيده وأشدهم مخالفة من عرف بتوحيد الله ودينه فأنكره وكفر أهله، ثم من عرفه ولم ينكر لكنه كفر أهله وعاداهم، سم من قال التوحيد بلسانه ولم يعمل به في اعتقاده ولم يعرفه ولا قدره ولم يسأل عنه أهل معرفته بل تسافه عنه مستغن برأيه، ثم من جعل رتبة أهل الشرك كرتبة أهل التوحيد، فهذا من أعظم الجور والبهتان في حكمه حيث جعل المشركين في رتبة الموحدين ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ثم الباقي سواء في المخالفة.
(واعلم) ان أمر الله ﵎ شرع شرعه وقدر قدره ولا يتم الإيمان بأحدهما إلا بالآخر ولا يدرك أمره تعالى ليتمثل ويعمل به إلا بتأمل معاني كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ثم الشرك من حيث هو) ينقسم إلى اكبر غير مغفور وإلى أصغر لا يقبله الملك الغفور. فمن الأوّل ما يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومنه ما يتعلق بعباداته ومعاملاته مع اعتقاد انه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. والذي يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله نوعان:
(أحدهما) شرك التعطيل وهو أقبح أنواعه كشرك فرعون إذ قال وما رب العالمين، وقال لهامان ابن لي صرحًا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين،
[ ١٦٣ ]
والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وسائر صفاته لكنه لما عطل أصل التوحيد الواجب على العبيد الذي لا ينبغي ولا يكون إلا لله وحده فشرك فيه غيره صار مشركًا بذلك، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل (وهو ثلاثة أقسام) .
تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه.
وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله.
وتعطيل معاملته تعالى عما يجب على العبيد من حقيقة التوحيد وهو إخلاص جميع أنواع العبادة والدين لله، فإذا أشرك غير الله في ذلك فقد أشرك شركًا غير مغفور إلا بالتوبة عنه وهذا المشرك مقر بالخالق وصفاته وأسمائه معطل لمعاملته المختصة بجلاله ولا يدخله في الإسلام إقراره ولا ما نفى من الآلهة لسانه لتعطله ما وجب عليه من حقيقة التوحيد يجعله ما يختص بجلال الله لغيره من العبادات المتأله بها من جعلت له، لاحظ المعنى في ذلك الجاعل أو لم يلاحظه، فأما تعطل المصنوع عن صانعه وخالقه فهو كشرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته وأنه لم يكن معدوما أصلًا بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب وسائط اقتضت إيجادها يسمونها العقول والنفوس، ومنه شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ومخلوق ولا ههنا شيئان بل المنزه هو عين المشبه، ومنه شرك القدرية القائلين بأن الحيوان يخلق أفعال نفسه وأنها تحدث بدون مشيئة الله، ولهذا سمادهم رسول الله ﷺ مجوس هذه الأمة لأن شرك المجوس إسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة. وفي القرآن العزيز ما يرد عليهم كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فالله هو الخالق للأشياء كلها والعبد مكتسب لا خالق وله اختيار في أفعال نفسه لا تقع إلا بهواه وميله إليها ولذلك يحاسب عليها مع كونها بتقدير الله وإرادته فلا يحتج بالقدر لما فيها من الرد على منشيء البشر.
(وأما محاجة آدم موسى) فإنما هي لتسليم الأمر، وله تعالى الحجة البالغة ولو شاء لهدى الناس أجمعين، وهو تعالى حكم عدل لا يؤاخذ إلا بالذنب، ولا يعاقب إلا عليه، وله تعالى أن يجعل الخلق كلهم مذنبين فيعذبهم عدلًا منه، وله أن يجعلهم سعداء طائعين فيرحمهم فضلًا منه، وقد ركب سبحانه في الإنسان عقلًا وجعل آلة الإدراك
[ ١٦٤ ]
يميز به الأشياء الضارة من النافعة فضلًا منه تعالى ورحمة فهو لا يسئل تعالى عما يفعل وهم يسئلون، وهو الملهم للخير والشر قال جل شأنه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ وقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ وكل ميسر لما خلق له، وعلى الإنسان الاجتهاد في طاعة خالقه ما استطاع وسؤال التوفيق والإرشاد إلى الصراط المستقيم.
(وأما تعطيل) الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله فهو شرك الجهمية والقرامطة لم يبقوا له تعالى اسمًا ولا صفة بل جعلوا المخلوق أكمل منه تعالى وتقدس عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.
وأما تعطيل معاملته تعالى عما أوجبه تعالى على عبيده فهي قسمان.
قسم يخرج عن الملة وهو نفي تفرده تعالى بملك الضر والنفع والعطاء والمنع والاستغاثة والقرب، ودعاء العبادة، والخوف المحض بجلاله المعلق على وجود الإيمان، والرجاء والالتجاء، والتوكل، وذبح القربان، والإنابة، والخضوع، والتوبة، والاستعانة، وهذا المشرك المعطل قد ساوى التراب برب الأرباب، والعبيد بمالك الرقاب، والفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات الذي ليس له من ذاته إلا العدم بالغنى بالذات القادر بالذات الذي غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته فلا ظلم أقبح من هذا ولا حكم أشد جورًا منه حيث عَدَل من لا عدل له بخلقه كما قال جل ذكره: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ وعطل حق الله تعالى المختص بجلاله فجعله لغيره بمشاركته بين الله وبين عبده في محض حقه تعالى من الدعاء بما لا يقدر عليه إلا من أمر بسؤاله، وتوعد على ترك طلب أفضاله والإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخشوع والخوف والرجاء والالتجاء والتوكل وذبح القربان ضد أشرك بينه تعالى وبين أبغض الخلق إليه وأهونهم عليه وأمقتهم عنده إذ هو عدوه على الحقيقة، فإن المشرك مطلقًا إنما عبد غير الله وما عبد من دون الله إلا شيطانًا مريدًا كما قال جل ذكره: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشيطان، وهم يظنون أنه يعبدون الملائكة. كما قال ﷿: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا
[ ١٦٥ ]
سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ فلا أحد كائنًا ما كان يعبد غير الله إلا وقعت عبادته للشيطان نفسه، واللعين يدعو المشركين إلى عبادته ويوهمهم أنه ملك أو ولي وقد يتصور على صورة المستغاث به والمدعو فهو كثيرًا ما يتراآي لأوليائه إبليس للإيهام والتلبيس فيزداد المشرك في شبهه بواسطة القبر أو التمثال رغبة ورهبة وكذلك عباد الشمس والقمر والكواكب يزعمون أنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب وهي التي تخاطبهم وتقضي لهم الحوائج، ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها شيطان فيسجد لها الكفار فيقع سجودهم له وهكذا عند غروبها، وكذلك من عبد المسيح وأمه وعزيرًا والأنبياء والصالحين وتعلق عليهم يدعوهم ويرجوهم ويتوكل عليهم ويلتجئ إليهم ويقرب لهم وينذر لهم ليدفعوا عنه ضرًا أو يجلبوا له خيرًا فإن ذلك كله واقع للشيطان نفسه لا لهم، بل هم بريؤون منه ومن عبادته وسيتبرأ منهم بمعنى أنه يتبرأ من عبادته إياهم ويتمنى الكرة إلى الحياة الدنيا ليعمل غير الذي كان يعمل قال جل ذكره: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ وهذا العابد يزعم أنه يعبد من أمره بعبادتهم ورضيها لهم وأمرهم بها فهم يقربونه إليه وهذا هو الشيطان الرجيم لا عبد الله أو رسوله أو نبيه أو وليه فنزل هذا كله على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ فيستمتع هذا العابد بالمعبود كما يستمتع المعبود بالعابد قال عز من قائل: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ﴾ أي من إغوائهم وإضلالهم: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ومن أجل ذلك كان الشرك بالله أكبر الكبائر على الإطلاق، وانه تعالى لا يغفر أن يشرك به بغير توبة منه وكف عنه، وانه يوجب الخلود في النار وليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه، بل قبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح. يوضح هذا أن العابد معظم متأله خاضع ذليل له خائف منه، والرب ﵎ وحده هو الذي يستحق التأله بكمال التعظيم والإجلال والخضوع والذل والخوف والرجاء والالتجاء والتوكل والدعاء بما لا يقدر على وجوده أو دفعه إلا هو ﵎، وذبح القربان وحلق
[ ١٦٦ ]
الرأس عبودية وتواضعًا هذا خالص حقه سبحانه، فمن أقبح الظلم أن يعطي حقه لغيره أو يشرك بينه وبين غيره فيه ولاسيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ الآية أي إذا كان أحدكم يأنف من ان يكون مملوكه شريكه في رزقه الذي جعلته له فيكف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به وهو الألوهية التي لا تنبغي لغيري ولا تصلح لسواي، فمن زعم ذلك فلا قدرني حق قدري ولا عظمني حق تعظيمي، ولا أفردني فيما أنا منفرد به وحدي، وقال جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ أي العابد والمعبود، وهذا حال كل من جعل عبادة الله المختصة بجلاله وعظمته لغيره فهو ضعيف هو ومعبوده إذ الكل فقير إلى الله محتاج إليه كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فاعتماد العبد على المخلوق ودعاؤه إياه بما لا يقدر عليه إلا الله وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته هو ولا بد فالحاصل له عكس ما أمله منه، فلا بد من الخذلان كما هو ثابت بالسنة ونص القرآن ومعلوم بالاستقراء والتجاريب قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي يغضبون لهم ويحاربون كما تغضب الجند وتحارب عن أصحابهم وهم لا يستطيعون نصرهم بل هم كل عليهم، كذلك كل بنية على قبر كل على عابديها وسادينها المعتقدين الضر والنفع والتقريب والتبعيد بما فيها لوضعهم التوابيت وتغشيتها بالستور وإيقاد السرج وفتح الباب وغلقه عن لص القبور والهتف بذكره عند الشدائد وبذل النذور ليدفع ما حل بهم من البؤس والشرور قال ﷾: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ
[ ١٦٧ ]
وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أي غير تخسير، ولما كان المشرك يرجو بشركه النصر تارة والتقرب أخرى، والحمد والثناء تارة، والشفاعة له أخرى، أخبر ﷾ ان مقصوده ينعكس عليه فلم يحصل له إلا الخذلان والذم وحرمان ما أمله قبل لعدم الرضا عنه، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشبته مشفقون، وكما يستحيل على ذاته تعالى العدم، يستحيل عليه ان يشرع عبادة إلى غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله، كيف ظن فيمن تفرد بالربوبية والألوهية والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضي به تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، فان من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع والاستغاثة والقرب والكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها بأنواعها له تعالى مختصة بجلاله، لكن هذا انما ينشأ من نتيجة العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما وهما غاية الحب مع غابة الذل وهو تمامها وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه وهذا من المحال ان تجيء به شريعة من الشرائع بل قبحه مستقر في كل فطرة وعقل. لكن غيرت الشياطين فطر أكثير الخلق وعقولهم وأفسدتها عليهم وأحالتهم عنها، ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى فقد أرسل تعالى رسله وأنزل كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم فازدادوا بذلك نورًا على نور يهدي الله لنوره من يشاء، بحلاف من أعطى حبه وخضوعه لغير الله فهو في ظلمة الضلال ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهم لم يسوّوهم به في الخلق والرزق والتدبير والضر والنفع أنما سوّوهم به في الحب والذل والخضوع ليقربوهم إلى المولى على خلاف ما هو مشروع. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ومن كان في هذه الظلمات فلا ينظر إلى الآفات في جميع الأوقات ولا يعرف الطريق الموصل إلى الآيات البينات فليس له تأمل ولا تدبر ولا تذكر ولا تفكر فيما ينجيه ولا مخافة مما يرديه، قد غره الأمل وصار كما قال ﷿: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ﴾ .
(النوع الثاني) من الشرك الذي يتعلق بذات المعبود شرك النصارى الجاعلين
[ ١٦٨ ]
معه إلهًا آخر لكنهم لم يعطلوا أسماء الرب ولا صفاته ولا ربوبيته، بل جعلوه ثالث ثلاثة فجعلوا المسيح إلهًا وأمه إلهًا إنما جعلوا ذلك لأن أول الإنجيل باسم الأب والأم والابن، كما أن أول القرآن بسم الله الرحمن الرحيم، فظنوا أن الأب والأم والابن عبارة عن الزوج ومريم وعيسى، فحينئذ قالوا ان الله ثالث ثلاثة، ولم يعلموا ان المراد بالأب هو الاسم وبالأم كنية الذات المعبر عنها بماهية الحقائق وبالابن الكتاب وهو الموجود المطلق لأنه فرع ونتيجة عن ماهية ما في اللوح المحفوظ، واليه أشار قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ومنه شرك عباد الشمس والنار وغيرهم فمن هؤلاء من يزعم ان معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة وانه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم ان معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله ﷿، فتارة تكثر تلك الآلهة إلى الله ﷿، وتارة تكثر تلك الوسائط المتخذة وسيلة إلى المقرب، وتارة تقل، فهم قد جعلوا الشرك سببًا في تحصيل بعض مقاصدهم وكل سبب لم يأذن به الله باطل مضر لمتخذه فلا يتعاطى. وإذا حقق المؤمن ان الله سبحانه رب كل شيء وخالقه ومليكه فانه لا ينكر ما خلقه الله تعالى من الأسباب كما جعل المطر سببًا للنبات قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ والشمس والقمر سببًا لما بخلقه بهما والدعاء سببًا لما يحصل للمدعو له أو عليه والدواء سببًا لذهاب الداء، قد نبه على ذلك النبي ﷺ بقوله: "لم ينزل الله داء الا أنزل له شفاء" يعني دواء علمه من علمه وجهله من جهله"، رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أسامة بن شريك عن النبي ﷺ وفي لفظ " ان الله لم يضع داء إلا وضع له دواء أو شفاء إلا داء واحدًا" قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: " الهرم" وهذا يعم داء القلب والروح والبدن وأدويتها فقد أرشد ﷺ العرنيين لما شكوا له الوخم ووجع البطن أن يلحقوا ابل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها وجعل الجهل داء ودواؤه سؤال العلماء. (قال رسول الله ﷺ في قصة صاحب الشجة: "قتلوه قتلهم الله الا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال") كما أن وجود الداء سبب للألم، روى مسلم في صحيحه من حديث سهل بن حنيف عن النبي ﷺ أنه قال: "العين حق ولو أن شيئًا سابق القدر لسبقته العين وإذا
[ ١٦٩ ]
استغسلتم فاغسلوا" وكذا السحر قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه﴾ فهو سبب لألم الفؤاد ويوجب البغضاء والفرقة بين الزوجين، والنار سبب للإحراق، والسكين سبب للقطع، والحبل سبب لإظهار الماء في الدلو، وأكل الطعام سبب لذهاب ألم الجوع، وشرب الماء سبب لذهاب ألم العطش، والكدح بالاجتهاد في تحصيل العلم سبب للفهم، والمتاجرة بالمال سبب لفائدة الربح، وطاعة الله سبب لرضائه ورحمته، ومعصيته سبب لسخطه وانتقامه، فالأسباب المنصوص عليها لا تنكر ولا يتكل عليها إذ في إنكارها نقص في العقل وفي الاتكال عليها شرك في الدين وكل من الإنكار والاتكال منتف شرعًا لكن قد يتخلف المسبب عنه مع قيام السبب إذ الضار والنافع والمعطي والمانع هو الله وحده قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وكتخلف إحراق النار عن إبراهيم ﵇ حين وضع فيها، وحدة السكين حين أمرّها الخليل على حلقوم ولده إسماعيل ﵉، ولا محيص عن الأخذ في الأسباب فليس المتوكل من فتح للسارق الباب، ولا من قال أنا متوكل أستغني عن الطعام والشراب. قال أفضل الأحباب لمن سأل أيعقل الناقة أم يتكل: "اعقلها وتوكل". وأفضل المتوكلين أشد عباد الله حرصًا على فعل الأسباب فقد أمر بإطفاء السراج والتسمية وإغلاق الأبواب ونفض الفرش وطي الثياب وحفظ الصبيان أول الليل لانتشار الشياطين وهذا الباب لا يحصيه العادون من سنن المرسلين فالأخذ فيها لا ينافي التوكل لأنه الانقطاع عن جميع الخلق وتفويض الأمور إلى الملك الحق وحده. وحينئذ فلا بد أن يعرف فيها ثلاثة أمور.
(أحدها): أنها لا تستقل بالمطلوب بل تتعاطى عن غير ركون إليها ومع هذا فلها موانع، فان لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع لم يحصل المقصود وهو سبحانه ما شاء كان وان لم يشأ الخلق، وما لم يشأ لم يكن وان شاءه الخلق.
(الثاني): أنه غير جائز اعتقاد أن الشيء سبب إلا بعلم فمن أثبت شيئًا سببًا بلا علم أو بما يخالف الشريعة كان مبطلًا في إثباته آثمًا في اعتقاداته.
[ ١٧٠ ]
(الثالث): ان الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ شيء منها سببًا إلا أن يكون مشروعًا إما استحبابًا أو مأذونًا، فان العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطانًا وان يقول على الله بلا علم فيدعو غير الله بما لا يقدر عليه إلا هو ﷾، وان ظن أن ذلك سبب في حصول غرضه لاعتقاده ان ذلك المدعو يشفع له فيما دعاه فيه لأنه جنس ما اعتقده الأولون في آلهتهم، وكذلك لا يجوز أن يعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة وان ظن ان ذلك سبب في حصول ما يطلبه من أغراض دنيا أو ثواب آخرة على زعم اعتقاده، فان الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك وقد يحصل له بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراضه فلا يحل له ذلك إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة الحاصلة به والرسول ﷺ إنما بعث لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فما أمر الله به فمصلحته راجحة وما نهى عنه فمفسدته راجحة ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ .
(من ذلك): قول المحرمات وقول السخريات ليتوصل بها إلى تحصيل شيء من أمتعة الدنيا أو القرب لدى ملك من ملوكها قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ وكل شرك زور ولا عكس وقال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ .
(ومنه): التداوي بالمحرمات مطلقًا فلم يجعل الله الشفاء فيما حرمه بل نزعه عنه وأوهنه، والبدع التي ليست من شريعة الإسلام في شيء بل هي من شعب الشرك الظاهرة كأتربة أضرحة القبور لا يحل استعمالها أدوية ولا تعاطيها لما في استعمالها من الاعتقادات الباطلة والمفاسد في الدين الظاهرة فهي أشبه ما فعله المشركون الأولون بآلهتهم من تعظيم الأصنام والتبرك والتمسح بها في كل مشهد خاص وعام.
(ومنه): ما اعتنى به بعض الأغبياء الجهال وعوام الضلال دعوتهم بدعاء تمخيشًا وتمشيشًا، ودعوتهم في الشدائد بأسماء أصحاب الكهف وشمبخ وغيرهم وبالدعوات المجهولات يزعمون أن هذه من الأسماء العظام والأدعية المستجابات وأنه من الإنجيل والتوراة، فكل هذا من تلبيس إبليس على هؤلاء الجند الذين اختاروه واختارهم فلسنا ملتزمين في شريعتنا ملة الإسلام بتلك الأدعية في الصباح والمساء ولم
[ ١٧١ ]
يقل بها أحد من العلماء الألباء، بل الأغبياء السفهاء من القصاص اختاروها لتغرير العوام وجمع الحطام فلم يعاملوا الله بالإخلاص، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وأما الأسماء المنهي عنها فان الشيطان يظهر تأثيرات ويوري تلبيسه فيها منافع ظاهرًا في أكثر الأحيان وهي حسرات، بل قد يكون التلفظ بتلك الكلمات كفرًا لا يعرف معناها بالعربية قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وكل واسطة أو وسيلة نهى الشارع عنها لا يجوز اتخاذها في جلب نفع أو كشف ضر قال ﷾: لا وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قال قتادة كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا فأمر الله المسلمين أن يخلصوا له الدعوة إذا دخلوا مساجدهم، وقال سعيد بن جبير المساجد الأعضاء التي يقع عليها السجود مخلوقة لله فلا تسجدوا عليها لغيره، والأعضاء التي يستعمل بها الإنسان ومن جملتها اللسان الذي هو ترجمان الجنان في كل ما يريد ابداءه من خير ينفعه أو ضر يضره قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ أي لا أحد، فلا يدانيه سبحانه أحد، ولا يستقل سواه تعالى بما أراده ولا يعطي لما منعه، فهذه الأسباب التي تتخذ وسائط ووسائل في الجلب والدفع اللذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده منفية بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية إلا أسبابًا وردت عن الله أو رسوله كالتوحيد والصلاة بحضور قلب وخشوع وذل وانكسار والدعاء والاستغفار بعد الإقلاع عن الذنب والندم على فعله والعزم على أن لا يعود إليه والأعمال الصالحة من صدقة وصلة رحم وطاعة الله وتقواه فهي الأسباب في جلب الخير ودفع الشر كما صرح به القرآن والسنة.
(القسم الثاني): من قسمي تعطيل معاملته تعالى وتقدس ما لا يخرج عن الملة ولا يوجب له حكم الكفار بل ينهى فاعله ويؤدب عليه وهو الشرك الأصغر فمنه الرياء والسمعة بقطع النظر عن صحة العبادة إذ إخلاص النية شرط لصحتها وهو يصدر ممن يعتقد ويقول لا إله إلا الله وانه لا يضر وينفع ويعطي ويمنع إلا الله وحده ولكن
[ ١٧٢ ]
لا يخلص في معاملته وعبوديته بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله من عمله وسعيه نصيب ولنفسه وحظه وهواه نصيب وللشيطان نصيب، وهذا حال أكثر الناس زيادة عن الأول وهو الشرك الذي قال فيه النبي ﷺ فيما رواه ابن حبان في صحيحه: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل قال أبو بكر ﵁ كيف يا رسول الله ننجوا منه قال قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم" فالرياء كله شرك قال تعالى آمرًا نبيه ﷺ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي كما أنه إله واحد لا إله سواه، كذلك ينبغي أن تكون العبادة كلها له وحده فكما تفرد بالألوهية يجب أن ينفرد بالعبودية، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال الله ﷿ أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" وفيه أيضًا عن أبي سعيد مرفوعًا: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال قالوا بلى يا رسول الله قال الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه" فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء المقيد بالسنة وكان من دعاء عمر بن الخطاب ﵁ اللهم اجعل عملي كله لك صالحًا واجعله لوجهك خالصًا ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.
وهذا الشرك يبطل الثواب من أصله أو العمل أيضًا لما تقدم، فمن أراد بعمله غير وجه الله أو نوى شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص هو أن يخلص لله في أقواله وأفعاله وإرادته ونيته، فهذه هي حقيقة ملة إبراهيم التي أمر الله بالقيام بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها وهي حقيقة الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء لأنه قد هان عليه أمر خالقه فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه، فكان هواه آثر عنده من رضاه وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعة مولاه فيجعل لله الفضلة من قلبه وقوله وعمله، وسواه المقدم في ذلك لأنها المهم عنده يستخف بنظر الله إليه وإطلاعه عليه، وهو في قبضته وناصيته في يده، ويعظم نظر المخلوق إليه وإطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه يستحي من الناس، ولا يستحي من الله، ويخشى الناس ولا يخشى الله، ويعامل
[ ١٧٣ ]
الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وان عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، وان قام في خدمة إلهه من البشر قام بالجد والاجتهاد وبذل النصيحة وقد فرغ له قلبه وجوارحه وقدمه على كثير من مصالحه، حتى إذا قام في حق ربه ان ساعده القدر قام قيامًا لا يرضى مثله مخلوق وبذل من ماله ما يستحي ان يواجه به مخلوق لمثله وإذا هو أجهل الجاهلين وأمقت الممقوتين وأظلم الظالمين وأهلك الهالكين ممن عصى ربه من العاصين.
(ومنه الحلف) بغير الله رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك" رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن، قال وفسر أهل العلم هذا الحديث أن قوله كفر وأشرك على التغليظ فيكون الشرك الأصغر. قال ابن مسعود وغيره لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا. وإنما قال ذلك لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك.
(ومنه) قول القائل للمخلوق ما شاء الله وشئت كما ثبت عنه ﷺ أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال ﷺ: "أجعلتني لله ندًا قل ما شاء الله وحده" هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فكيف بمن يقول أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، أو من بركات الله وبركاتك، والله ولي في السماء وأنت ولي في الأرض، أو يقول والله وجاه فلان، أو أنا تائب إلى الله وإلى فلان، وأرجو الله وفلانًا، وفي ذلك. فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول ذلك القائل لرسول الله ﷺ ما شاء الله وشئت ثم انظر أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى بجوابه ﷺ لقائل تلك الكلمة وأنه إذا كان قد جعله لله ندًا بها فقد جعل من لا يداني رسول الله ﷺ في شيء من تلك الأشياء بل لعله أن يكون من أعدائه ندًا لرب العالمين، وفي مسند الإمام أحمد "أن رجلًا أتى به قد أذنب ذنبًا وهو أسير فلما وقف بين يدي النبي ﷺ قال اللهم أني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال النبي ﷺ عرف الحق لأهله".
ونحن لم نكفر الناس ونجاهدهم بهذا القسم الثاني بل بالأول، وعليه فانه أمر مجمع عليه مع أنهم هم الذين بدؤنا بالجهاد ليرجعونا عما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من الدين القويم الذي هو المراد إلي ما كنا عليه أولًا من أنواع الباطل والفساد
[ ١٧٤ ]
زاعمين أن اليهود والنصارى أخف شرًا منا ومن مال إلينا، ونحن إنما ندعو إلى العمل بالقرآن العظيم والذكر الحكيم الذي فيه كفاية لمن اعتبر وتدبر، وبعين بصيرته نظر وفكر، فانه حجة الله وعهده ووعيده ووعده وأمانه ورفده ومن تبعه عاملًا بما فيه جد جده، وعلا مجده، وبان رشده، وبان سعده، والتوحيد ليس هو محل الاجتهاد فلا تقليد فيه ولا عناد.
[ ١٧٥ ]