وأما قوله (تنبيه: الشفاعة السعي في إصلاح حال المشفوع فيه عند المشفوع إلى آخر كلامه) فهو خطأ إذ المشفوع له ليس المشفوع عنده، بل هو
[ ٣٥١ ]
المشفوع فيه، فصوابه أن يقول عند المشفوع عنده وهو المشفع بكسر الفاء اسم فاعل، وأما اشتقاقها فقد قال أهل المعاني أن الشفاعة مأخوذة من الشفع المقابل للوتر فاستعملت في الشفيع باعتبارين:
الأول منهما: كونه شافعًا لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة.
الثاني: كونه شافعًا للمسئول منه قضاء الحاجة في قضائها إذ هي لم تقض إلاَّ بسبب شفاعته فكأنه شاركه وشفعه فيها.
فمن الأول قوله ﷾: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾ الآية ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (وأما معناها) فإنها تكون في الخير كالإصلاح بين الناس في الدنيا قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ وفي الآخرة هي توجه المأذون له فيها لمن ارتضى الله عنه إما برفع درجاته وإما بدخوله الجنة أول وهلة بلا حساب، وإما بعدم دخوله النار التي قد استحق دخولها بأعمال سيئة كانت قد صدرت منه، وإما بإخراجه منها بعد أن دخلها وكما تكون في الخير تكون في الشر كالمشي في الغيبة والتميمة وإساءة القول في الناس. قال ﷾: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ واستعمل الكفل في الشر على جهة التهكم كقوله فبشرهم بعذاب أليم. وقد قدمنا أن الناس قد افترقوا في الشفاعة ثلاث فرق طرفان ووسط، بين مثبت ما نفاه القرآن، وبين ناف ما أثبتته السنة، وهم الخوارج والمعتزلة وبين مثبت ما أثبته الله ورسوله وناف ما نفاه الله ورسوله، وهم أهل السنة والجماعة، ولكن من حقق معنى الشفاعة ومن هي نائلة علق قلبه بما هو السبب لها من إتباع ما جاء به محمد ﷺ من الدين الذي أوله وآخره وظاهره وباطنه هو التوحيد وإخلاص الدين كله لله وتحقيق قول لا إله إلاَّ الله. فإن المسلمين وإن اشتركوا في الإقرار بها فهم متفاضلون في تحقيقها تفاضلًا لا نقدر أن نضبطه حتى أن كثيرًا منهم يظنون أن التوحيد المفروض هو الإقرار والتصديق بأن الله خالق كل شيء وربه وأن ليس للإله معنى إلاَّ ذلك، ولا يميزون بين الإقرار بتوحيد الربوبية الذي أقر به مشركو العرب وبين توحيد الإلهية الذي دعاهم رسول الله ﷺ، ولا يجمعون بين التوحيد القولي والعملي، فإن المشركين ما كانوا يقولون العالم خلقه إثنان ولا أن مع الله
[ ٣٥٢ ]
ربًا ينفرد دونه بخلق شيء بل كانوا كما قال الله عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ وكانوا مع إقرارهم بأن الله هو الخالق وحده ويجعلون معه آلهة أخرى يجعلونهم شفعاء لهم إليه، ويقولون إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ويحبونهم كحبه والإشراك في الحب والعبادة والدعاء غير مغفور قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فمن أحب مخلوقًا كما يحب الخالق فهو به مشرك قد اتخذ من دون الله أندادًا وإن كان مقرًا بأن الله خالقه ولهذا فرق الله ورسوله بين من أحب مخلوقًا لله وبين من أحب مخلوقًا مع الله، فالأول يكون الله هو محبوبه ومعبوده الذي هو منتهى حبه وعبادته لا يحب معه غيره لكنه لما علم أن الله يحب أنبياءه وعباده الصالحين أحبهم لأجله وكذلك لما علم أن الله يحب فعل المأمور وترك المحظور أحب ذلك فكان حبه لما يحبه تابعًا لمحبة الله وفرعًا عليه وداخلًا فيه، بخلاف من أحب مع الله فجعله ندًا لله يرجوه ويخافه ويطيعه من غير أن يعلم أن طاعته طاعة الله ويتخذه شفيعًا له من غير أن يعلم أن الله يأذن له أن يشفع فيه كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقد قال عدي بن حاتم للنبي ﷺ ما عبدوهم قال أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ فالرسول وجبت طاعته لأنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، ومن سوى الرسول من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك إنما تجب طاعتهم إذا كانت طاعتهم طاعة الله، وهؤلاء إذا أمر الله ورسوله بطاعتهم فطاعتهم داخلة في طاعة الرسول. قال
[ ٣٥٣ ]
تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فلم يقل وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم بل جعل طاعة أولي الأمر داخلة في طاعة الرسول، وطاعة الرسول طاعة الله وأعاد الفعل في طاعة الرسول دون طاعة أولي الأمر فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله فليس لأحد إذا أمره الرسول بأمر أن ينظر هل أمر الله به أم لا بخلاف أولي الأمر فإنه قد يأمرون بمعصية الله فليس كل من أطاعهم مطيعًا لله بل لابد فيما يأمرون به أن يعلم أنه ليس معصية لله وينظر هل أمر الله به أم لا سواء كان ولي الأمر من العلماء أو الأمراء ويدخل في هذا تقليد العلماء وطاعة أمراء السرايا وقبول ما ينسب عن المشايخ الصوفية كأبي يزيد البسطامي وغيره فإن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ رسول الله ﷺ، وقد جمع أبو الفضل كتابًا من كلام أبي يزيد البسطامي سماه النور من كلام طيفور، فيه شيء كثير لا ريب أنه كذب على أبي يزيد البسطامي، وفيه أشياء من غلط أبي يزيد ﵀، وفي أشياء موافقة لأمر الشرع ومن قيل له عن أبي يزيد أو غيره من المشايخ أنه قال لمريديه ان تركتم أحدًا من أمة محمد يدخل النار فأنا منكم بريء وتعقبه الآخرة وقال قلت لمريدي إن تركتم أحدًا من أمة محمد يدخل النار فأنا منكم بريء فصدق هذا النقل عنه ثم جعل هذا المصدق لهذا عن أبي يزيد أو غيره يستحسنه ويستعظم حاله، فقد دل على عظيم جهله أو نفاقه فإنه ان كان قد علم ما أخبر به الرسول من دخول من يدخل النار من أهل الكبائر، وان النبي ﷺ هو أول من يشفع فيهم بعد أن تطلب الشفاعة من الرسل الكبار كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى فيمتنعون ويعتذرون، ثم صدق أن مريدي أبي يزيد أو غيره يمنعون أحدًا من الأمة من دخول النار أو يخرجون كل من دخلها منهم كان ذلك كفرًا منه بما أخبر به الصادق المصدوق بحكاية منقولة كذب ناقلها أو أخطأ قائلها إن لم يكن تعمد الكذب، وإن كان لا يعلم ما أخبر به الرسول كان من أجهل الناس بأصول الإيمان.
[ ٣٥٤ ]