(الوجه الثاني) ان قوله لا نسلم أن سبق الإمام تبطل صلاته. وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى أن المسابق لإمامه بركن أو ركنين تجب عليه إعادة الصلاة لفسادها حيث لم توجد المشاركة مع الإمام أصلًا فيما سبقه فيه فإن سابقه إليه المشاركة مع الإمام فمكروه فالأولى للمأموم تخلفه عن إمامه يسيرًا بحيث يتميز الإمام عن المأموم بأفعاله، واختلفت الرواية عنهما في مقارنة المأموم لإمامه في تكبيرة الإحرام أو ذكر غيرهما عوضها فعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، الأولى المقارنة له حيث بدأ بها الإمام أولًا مسارعة إلى الدخول فيها معه، وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لابد أن يتميز بها الإمام عن المأموم ليكون تابعًا له فيكبر بعد تكبيرة الإمام والأصح أن الاختلاف في الجواز لا في الأفضلية ولو كبر قبله ناويًا الإقتداء به بطل الإقتداء وشروعه على الأصح عند الإمام وأبي يوسف ومحمد وعند أحمد والشافعي رحمهما الله تعالى لابد أن يفرغ الإمام من راء اكبر حتى يبدأ الإمام ويشرع بالهمزة من الله، فلو وافقه فيها فصلاته باطلة وحجتهما قوله ﵇: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد" أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس وظاهر كلامهم في المسابقة التفصيل بين المسابقة بالركن والمسابقة إليه لأن المؤتم تارة يسبق إمامه إلى الركن بأن يشرع في فعله قبل شروع الإمام فيه كأن يركع قبل ركوع إمامه، أو يرفع من ركوعه قبل رفع إمامه، أو يشرع في السجود قبل إمامه، أو يرفع منه قبله، وتارة بسبق إمامه بالركن، بأن يأتي به قبل إمامه كأن يركع ويرفع قبل إمامه، ولا يعد سابقًا بركن حتى يتخلص منه إلى غيره فلا يعد سابقًا بالركوع حتى يرفع ولا بالرفع حتى يهوي، وقيل حتى يعتدل، والأول هو الصحيح عند أحمد، وقد
[ ٢٥٨ ]
يسبق إمامه بركنين فأكثر، وإذا سبقه بركن فتارة يكون ركوعًا، وتارة لا وإذا سبق بركنين، فتارة يكون أحدهما ركوعًا أو لا، إذا علم ذلك فحكم السبق إلى الركن عند الإمام أحمد والشافعي أنه يحرم ولا تبطل صلاته به ولو عالمًا مسابقته الإمام عامدًا أو هو جاهل الحكم وعليه أن يرجع ليأتي بذلك مع إمامه فإن لم يرجع حتى أدركه فيه الإمام فإن كان عالمًا المسابقة عمدًا بطلت صلاته عند أحمد في أصح الروايتين عنه ولا تبطل عند الشافعي في القول المشهور عنه، ومشى عليه أصحابه، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا لم تبطل صلاته بل يعتد له بالذي سبقه إليه من ركوع وسجود ونحوهما من بقية الأركان، لأنه سبق يسير بعسر التحرز عنه، ولأنه اجتمع مع إمامه فيه فلم يخل ذلك بالإقتداء لعذر الجهل أو النسيان بالسبق اليسير، فإن كان عالمًا بحكم البطلان فسبقه إليه عمدًا ثم رفع منه وركع ثانيًا بطلت صلاته لتعمد البطل بزيادة الركوعين.
وأما السبق بالركن فإن كان ركوعًا بطلت الصلاة في القول المشهور عن أحمد ومشى عليه أصحابه، حيث كان عالمًا عامدًا، وكذا إن كان غيره على ما في المغني والكافي، والمحرر، وغاية المطلب، والإنصاف، وشرح الوجيز، وغيرها. وما حكاه في الشرح وشرح الوجيز كالإنصاف والمحرر من الوجه بعدم البطل بالسبق بالركن حيث كان عمدًا وقيده في المحرر ومن نحا نحوه بشرط كونه غير ركوع. فهذا قول مرجوح بل المذهب المعتمد بطل الصلاة بتعمد السبق بأي ركن مطلقًا ولاسيما مع قولهم بالبطل بالسبق إليه عمدًا حتى أدركه إمامه فيه والسبق بالركن يستلزم السبق إليه وزيادة، وعدم العذر مفروض فما بقي لعدم البطل مسوغ وأما السبق بالركن جاهلًا أو ناسيًا فإن كان غير ركوع واستمر على ذلك لم تبطل صلاته ولم تلغ ركعته بل يعتد له بذلك. قال ابن نصر الله في حاشية الكافي الصحيح لا تبطل صلاته ويعتد له بها وأما إن سبقه بركنين أو بركن الركوع خاصة، فإن كان عالمًا عامدًا بطلت صلاته وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت تلك الركعة إن لم يأت بما سبقه به مع الإمام، وكذا ما زاد على الركنين بالأولى، وعند الشافعي إن كان عامدًا بطلت وسهوًا فلا ولا يعتد له بهذه الركعة، وكذا القول في التخلف عن الإمام بركن فأكثر فمن تخلف بركن فإن كان لعذر من نوم يسير لم ينقص الوضوء أو زحام أو غفلة أو عجلة الإمام ونحو ذلك من الأعذار لم تبطل، ومنها تتميم قراءة الفاتحة إن لم
[ ٢٥٩ ]
يكن المأموم مسبوقًا بها عند الشافعي في أحد القولين الموجب فيه القراءة على المأموم وذلك ان تخلف بطء قراءته لا لوسوسة صرح به في عمدة المسالك، ومتى وجد العذر المشروع للتخلف فإنها لا تبطل صلاته، وعليه أن يأتي بما تخلف به عن إمامه فإن لم يمكنه الإتيان به أو تركه غير عالم عامد مع الإمكان لغت الركعة، وسواء في ذلك الركوع وغيره على الصحيح وإن كان التخلف بلا عذر بطلت صلاته بأي ركن من الأركان الفعلية التخلف بأكثر من ركن فإن كان بلا عذر بطلت الصلاة وإن كان لعذر فإن أتى بما تركه مع أمن فوت ركعة آتية ولحق إمامه صحت وإلا يأتي به أو خاف فوت آتية لغت الركعة المتروك منها وتابع إمامه والتي تليها عوضها وعند الشافعي لو تخلف بركن بلا عذر كره أو بركنين بطلت.
(وأما) التخلف عن ركن إمامه فإنه مشروع عند أحمد والشافعي لقول البراء بن عازب ﵁ كان رسول الله ﷺ إذا قال سمع الله لمن حمده لم يحن منا أحد ظهره حتى يقع النبي ﷺ ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده، وقول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى أن المسابق لإمام بركن أو ركنين تجب عليه إعادة الصلاة، علله أصحابه بالإثم وكراهة التحريم قالوا وهذا الحكم في كل صلاة أديت مع كراهة التحريم كذا في ابن الهمام وإن أديت مع كراهة التنزيه فالإعادة مستحبة (فقول) صاحب المقدمة لا نسلم لا يخفى ما فيه لأنه وما حجته إلاَّ أنه لا يسلم من غير دليل عرضه ولا استدلال قصده، وأما ما يبطل الصلاة من عدم تعديل الأركان في مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى فعنه في رواية الكرخي أن تعديل الأركان يعني طمأنينة الركوع والسجود والقيام بينهما والرفع بين السجدتين واجب يأثم بتركه فإن أخل به فعليه الإعادة وهذه الرواية عنه أصح من رواية الجرجاني لوجهين.
الأول منهما: أنها هي الموافقة للأئمة الثلاثة ولظاهر الأحاديث عن النبي ﷺ وكذا فعل أصحابه وتابعيهم.
والثاني: أن أكثر أصحابه على ذلك ما عدا محمدًا ﵀ له رواية عنه حتى أبا يوسف رحمه الله تعالى فإن عنده تعديل الأركان وهو الطمأنينة في الركوع
[ ٢٦٠ ]
والسجود، وتمام القيام بين الركوع والسجود، والجلوس بين السجدتين فرض تبطل الصلاة بتركه عنده، وعند أكثر أصحاب أبي حنيفة، وهو مذهب الشافعي، وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ان تركه سهوًا يلزمه سجود السهو وإن تركه عمدًا يأثم وتجب عليه الإعادة إذ هذا الحكم في كل صلاة أديت مع الإثم وكراهة التحريم، وتستحب الإعادة مع كراهة التنزيه. قال في الظهيرية: وعن أصحابنا أنه يأثم بترك قومته، ورفع ظهره من الركوع، وشذ قوله في التتارخانية وشرح الطحاوي، ولو ترك القومة جازت صلاته ويكره أشد الكراهة. فقوله جازت قول مرجوح مخالف للأصل. ولذلك جمع بين القولين في الجواز والكراهة التي فيها الإثم وهي لا تجامع الأجزاء بل لا بد معها من الإعادة كما تقدم. وفي الحديث: "إن العبد إذا صلى الصلاة لوقتها وأداها بأركانها وشروطها صعدت إلى السماء ولها نور حتى تصل إلى الله فتشفع في صاحبها وتقول حفظك الله كما حفظتني وإن ضيعها ولم يتم ركوعها ولا سجودها صعدت ولها ظلمة حتى تنتهي إلى أبواب السماء فتغلق دونها ثم تلف كما يلف الثوب الخلق فتضرب وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتني" وفي السنن عن النبي ﷺ: "أن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلاَّ ثلثها إلاَّ ربعها إلاَّ خمسها حتى قال إلاَّ عشرها" فالصلاة إذا أتى بها كما أمر نهته عن الفحشاء والمنكر وإذا لم تنهه دل على تضييعه لحقوقها وإن كان مصليًا.
(الوجه الثالث) أن قوله بل أن ترك الموحد الصلاة رأسًا مع اعتقاد فرضيتها لا يكفر وهذا خرق لاجماع أكابر بر الصحابة والتابعين، كما قال الحافظ عبد الحق الاشبيلي في كتابه في الصلاة: إن جملة الصحابة ومن بعدهم ﵃ يكفرون تارك الصلاة متعمدًا ويحكمون عليه بالارتداد إذا خرج وقتها، منهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو هريرة، وعلي بن أبي طالب، ولا يعلم عن صحابي خلافهم، قال ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، ومحمد بن إدريس الشافعي في الرواية الصحيحة المشهورة عن بعض أصحابه في الرجل الممتنع على حدته، واسحق بن راهويه، والإمام مالك في أحد الروايتين عنه، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتبية، وأيوب
[ ٢٦١ ]
السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة زهير بن حرب، قال يحيى بن معين قيل لعبد الله بن المبارك أن أناسًا يقولون من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر بهما فهو مسلم مؤمن فقال عبد الله لا نقول نحن كما يقول هؤلاء بل من ترك الصلاة متعمدًا من غير علة حتى دخل وقت في وقت فهو كافر يحل قتاله وقال ابن أبي شيبة: قال النبي ﷺ: " من ترك الصلاة فقد كفر" فيقال له ارجع عن الكفر فإن فعل وإلا قتل بعد" وفي مسند الإمام أحمد عن معاذ بن جبل ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: "من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله". وعن أبي الدرداء قال أوصاني أبو القاسم ﷺ: " أن لا أترك صلاة متعمدًا فمن ترك صلاة متعمدًا فقد برئت منه الذمة". رواه ابن أبي حاتم في سننه قال أحمد ابن سمار سمعت صدقة بن الفضل يسئل عن تارك الصلاة فقال هو كافر، فقال له السائل أتبين منه امرأته فقال صدقة وأين الكفر من الطلاق لو أن رجلًا كفر ولم يطلق خرجت امرأته من عصمته لأنه أعظم، لكن قال أكثر العلماء ينتظر بها انقضاء عدتها ان كانت مدخولًا بها لحديث صفوان بن أمية وامرأته بنت الوليد بن المغيرة ان صفوان أسلم بعدها بشهر فإنها أسلمت يوم الفتح وهو بقي علي كفره حتى شهد حنينًا والطائف وهو كافر ثم أسلم بعد فلم يفرق النبي ﷺ بينهما بل استقرت عنده امرأته بذلك النكاح، وقال أبو عبد الله محمد بن نصر سمعت اسحق ابن يسار يقول صح عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأى أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى ومحمد بن شهاب الزهري وداود بن علي المزني يحبس تارك الصلاة المفروضة حتى يموت أو يتوب، والرواية التي عن الشافعي في قتله تارك الصلاة حدًا إنما هي في الرجل الممتنع منها على حدته، والصحيحة عنه كفره، كما نقلها عنه عبد الحق الاشبيلي، وتارك الصلاة رأسًا وان وجد منه التصديق والإقرار بها فإنه معدوم ما هو معتبر به ومتوقف صحته والعصمة به على وجوده وهو عمل القلب نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده لفعل الأوامر إذا وجد فعله انقادت له الأعضاء وإلا بان لم يوجد منه إلاَّ التصديق خاصة، فذلك قول القلب مجردًا من فعله وهو لا ينفع كما لم ينفع إبليس وفرعون والذين عرفوا النبي
[ ٢٦٢ ]
ﷺ وعلموا صدقه وما جاء به من الحق فاعتقدوا صدقه وإن ما جاء به هو الحق ثم لم يعملوا وهؤلاء وإن كذب به بعضهم ظاهرًا. فالبعض الآخر يقر عنده وعند غيره ويعتذر عن العمل والإتباع والتكذيب ظاهرًا سببه فقد عمل القلب مع أن قوله وهو التصديق موجود فلم ينفعه.
وتقدمت الأدلة على كفر تارك الصلاة مستوفاة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين وأنه لا خلاف في قتل تاركها إلاَّ أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى ومن وافقه قالوا بحبسه حتى يموت في الرواية المشهورة عنهم، وما فهمه صاحب المقدمة من كلام الإمام أحمد في قوله. وليعلم المتهاون بصلاته المستخف بها السابق الإمام فيها أنه لا صلاة له صحيحة، وإنه إذا ذهبت صلاته فقد ذهب دينه من أنه يحكم على المسابق الإمام بالخروج من الدين ولحوقه بالكفار المرتدين إذا بطلت صلاته بالمسابقة فهو أحد الروايتين عنه فيمن ترك من الصلاة ركنا أو شرطًا يعتقد التارك وجوبه، أو أتى بمبطل لصلاته عالمًا عامدًا. لأن ذلك كتركها، فيقال فيه ما يقال في ترك جميعها، وقد قال ابن هبيرة في قول حذيفة بن اليمان ﵁، وقد رأى رجلًا لا يتم ركوعه ولا سجوده ما صليت، ولو مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا ﷺ، فيه إن إنكار المنكر في مثل هذا يغلظ له لفظ الإنكار، وفيه إشارة إلى تكفير تارك الصلاة، وإلى تغليظ الأمر في الصلاة حتى إن من أساء في صلاته ولا يتم ركوعها ولا سجودها فإن حكمه حكم تاركها، قال الإمام في رسالته الصلاة، أول فريضة فرضت على النبي ﷺ وهي آخر ما يذهب من الإسلام ليس بعد ذهابها إسلام ولا إيمان ولا دين، وهو أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله، وهي عمود الإسلام إذا سقط الفسطاط فلا ينتفع بالأطناب والأوتاد، وكذلك الصلاة إذا ذهبت فقد ذهب الإسلام ووجود المبطل لها من مسابقة أو غيرها مذهب ومعدم لها، والرواية الثانية أنه لا يكفر إلاَّ بترك ما هو مجمع عليه مما لا خلاف فيه وإن رأى التارك وجوبه لأنها إذا بطلت تصير كأنها فائتة ولا يكفر تاركها ومراعاة للقائلين بصحتها وإن اعتقد الفاعل بطلانها ونحن وإن قلنا ما قاله الإمام أحمد رحمه الله تعالى من أن المسابقة للإمام عمدًا تخل بالصلاة وتصير معدومة لم نحكم على المسابق بالكفر والردة كما لم نحكم على تارك القراءة في الركعتين الأخيرتين بأم القرآن أو لم يعدل الأركان حيث هي التارك صحتها
[ ٢٦٣ ]
بدونه إذ هذه مسائل اجتهادية لا يكفر بها ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، نعم نأمر المسيء في صلاته أن يعدل أركانها، وأن يتم قراءتها وركوعها وسجودها، وأن لا يسابق الإمام فيها فإن فعل يعيدها وننصح ونغلظ القول في ذلك، كما نصح وغلظ فيه صدر الأمة السلف الأول، ونخشى عليه من ذلك فقد قال ﷺ وكرر ثلاثًا للمسيء في صلاته صل فإنك لم تصل وعلمه كيفيتها كما في البخاري عن أبي هريرة ﵁.
(الوجه الرابع) قوله ولا يلزم من التشبيه الذي بالحديث المذكور ذلك إذ لا يلزم من تشبيه شيء مشاركته له من جميع الوجوه فهو قد فهم أن التمثيل الذي في كلام الله ورسوله هو التشبيه الواقع على المشبه والمشبه به، والتمثيل غير التشبيه في المعنى فإن تشبيه زيد بالأسد في قولنا زيد أسد أو كالأسد أو ما هو من معاكس التشبيه كقوله ﷺ: " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ليس كالأمثال التي ضربها الله في القرآن أو رسوله في السنة فإنه ﷾ ضرب قصة الشيطان: ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْك﴾ مثلًا لبني النضير حين اغتروا بالمنافقين، ثم تبرؤا منهم عند الشدة، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ كذلك ضرب ﷾ الأمثال في القرآن مخبرًا كقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ﴾ الآية كقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ الآية إلى غير ذلك من الأمثال التي لا يعملها إلاَّ العالمون فإن هذه الممثل بها ليست أعلى ولا أتم من الممثل بل هو فوقها وأتم منها حسًا ومعنى، وضربه ﷺ الأمثال في السنة، مع كتمثيله الصلاة في عمود الخيمة وهي بالدين فكما لم تستقم بدون عمود ولا ينتفع بها بدونه، كذلك لا يستقيم الدين بدون الصلاة التي هي منه كالعمود بالنسبة إلى الخيمة، أو كالرأس للجسد، أو كالروح للبدن، وكضرب الله الأمثال في القرآن في أن الممثل أعلا وأتم من
[ ٢٦٤ ]
الممثل به حسًا ومعنى في الأفضلية وفي عدم الوجود والانتفاع، وأما المشبه فإنه إذا كان بينه وبين المشبه به علاقة في صفة من الصفات شبه به ولا يلزم منه مشابهته له ولا به من كل الوجوه، فإن زيد إذا قيل عنه أسد أو كالأسد لا يشاركه في جميع الصفات، كما لا يشاركه في الذات، بل الأسد فيه من الصفات المخالفة مالا توجد في زيد وفي زيد منها ما لا يوجد في الأسد إذ الصفات الإنسانية أفضل وأتم من سائر الحيوانات والجمادات، والشجاعة الموجودة في الأسد والحسن الموجود في البدر أتم وأكمل من الشجاعة والحسن الموجودين أو أحدهما في زيد، بخلاف الأمثال التي ضربها الله في القرآن أو رسوله في السنة فإن الممثل أتم وأكمل من الممثل به وهو تابع معناه إعدامًا وإيجادًا وجوبًا وجوازًا ووجوبًا.
(الوجه الخامس) قوله ونفلها أفضل النوافل وعزاه إلى كتب الأحاديث والتفسير والفقه، والذي فيها أفضل النوافل الجهاد ثم النفقة فيه ثم العلم نعلمه وتعليمه ثم صلاة النافلة ففي الصحيحين عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: " قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال: "الإيمان بالله وجهاد في سبيل الله " وفيهما أيضًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أفضل الأعمال إيمان بالله وجهاد في سبيل الله" وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "فضل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت القائم الذي لا يفتر عن الصلاة ولا الصيام حتى يرجعه الله بما يرجعه من غنيمة أو أجر أو يتوفاه ليدخله الجنة" وعند الإمام أحمد: " والذي نفس محمد بيده ما شجت ولا اغبرت قدما عبد في عمل يبتغي فيه درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة أفضل عند الله من الجهاد في سبيل الله ﷿" وحديث معاذ ابن جبل ﵁ في قوله ﷺ: " رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد" دال بصريحه على أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الفرائض كما هو قول الإمام أحمد وغيره من العلماء فإنه ﵇ عبر برأس الأمر وعنى به الدين الذي بعث به الرسل وعموده وهو قوامه الذي يقوم به كما تقوم الخيمة بالفسطاط هو الصلاة وذروة سنامه وهو أعلى ما فيه وأرفعه وهو الجهاد، وروى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن الزبير قال قال عثمان بن عفان وهو يخطب على منبر أني محدثكم
[ ٢٦٥ ]
حديثًا سمعته من رسول الله لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلاَّ الظن بكم سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها" وقد ترجم ابن حبان في صحيحه ذكر تضعيف النفقة في سبيل الله على غيرها من الطاعات، وذكر عن خريم بن فاتك مرفوعًا: "من أنفق في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف " ورواه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وحسنه، وعند الإمام أحمد وغيره من عمل حسنة كانت له بعشر أمثالها ومن أنفق نفقة في سبيل الله كانت له سبعمائة ضعف، وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا "تجدون الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"، وممن صرح به من الأئمة اسحق بن راهوية نقله عنه ابن منصور وان من العلم ما يقع نفلًا وفي خطبة المحيط للحنفية أفضل العلوم عند الجمهور بعد معرفة أصل الدين وعلم اليقين معرفة الفقه قال الإمام أحمد تذاكر بعض ليلة أحب من إحيائها في العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم قال ابن منصور فقلت الصلاة والصوم والحج والطلاق ونحو هذا قال نعم، والأشهر عنه الاعتناء بالحديث والفقه والتحريض على ذلك قال وليس قوم خيرًا من أهل الحديث، وعاب على محدث لا يتفقه وقال يعجبني أن يكون الرجل فهيمًا في الفقه إلاَّ أن الشافعي ﵀ اختار في القول المشهور تقديم نفلها على نفل العلم للإخبار في أنها أحب الأعمال إلى الله وخيرها ولأن مدوامته ﷺ على نفلها أشد من غيره ولقتل من تركها تهاونًا وكسلًا ولتقديم فرضها، وقال غيره العلم يتعدى نفعه فاشتغال في أفضل مما يقصر نفعه على الفاعل ولذلك كان العالم العامل أفضل من العابد، إلاَّ أن نفل الصلاة أفضل مما يتعدى نفعه سوى العلم كالصدقة وأمثالها وهل نفل الحج أفضل من نفل الصلاة أم نفلها أفضل فمن قال أنه أفضل قال انه جهاد لما روت عائشة ﵂ قالت قلت يا رسول الله ﷺ على النساء جهاد قال: " عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" إسناده صحيح رواه الإمام أحمد وابن ماجة وروى الإمام أحمد والبخاري عنها قالت يا رسول الله أترى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد قال: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" وعند الشافعي رحمه الله تعالى في القول المشهور عنه نفل العلم أفضل من نفل الحج لتعديه وإنما قدم نفل الصلاة للأخبار الواردة في أنها أحب الأعمال إلى الله كما تقدم عنه وكذا القول في تقديم نفل
[ ٢٦٦ ]
الصوم فمن قدمه قال لإضافته إلى الله لما في الحديث: "كل عمل ابن آدم له إلاَّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" ومن لم يقدمه قال إنما أضافة الله إليه لأنه لا يعبد به غير الله في جميع الملل بخلاف غيره ولأن من نوى صلة رحمه وأن يصلي ويتصدق ويحج كانت نيته عبادة يثاب عليها، ونطقه بما سمعه الناس من كلمة التوحيد أفضل إجماعًا، وأما الصدقة ففي زمن غلا وحاجة أفضل من عتق، وفي غير زمن غلاء وحاجة فعتق أفضل، وصدقة على قريب محتاج أفضل من عتق والله أعلم.
[ ٢٦٧ ]