وأما قولكم (وان المعاد الجسماني حق وكذا المجازاة والمحاسبة والصراط والميزان وخلق الجنة والنار وخلود أهل الجنة وخلود الكفار في النار) . فنقول هذا مما أجمع عليه المسلمون قاطبة وعلم من الدين ضرورة، إن إعادة الأجسام على هيئتها قبل الموت مبعوثة ثم مجازاة ومحاسبة فهذا حق واجب الإيمان به قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا منها حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "يبعث كل عبد على ما مات عليه فالمؤمن على إيمانه والكافر على كفره" وكذا حديث جبريل حين سأل النبي ﷺ عن الإيمان فعد منه الإيمان باليوم الآخر والمجازاة على فعل الخير والشر قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ والمحاسبة على ما مضى من جميع الأعمال حق قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ وحديث من نوقش الحساب عذب. رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂، فيحاسب المسلمون المكلفون إلا من شاء الله أن يدخل الجنة بغير حساب. وكل مكلف مسؤول، ويسأل الله من شاء من الرسل عن الرسالة ومن شاء من الكفار عن تكذيب الرسل. فالكفار لا يحاسبون ولا توزن صحائفهم قال تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
[ ٧٠ ]
وَزْنًا﴾ وإن فعل كافر قربة من نحو عتق أو صدقة أو عمل حسن وفي له في حياته الدنيا، وليس له في الآخرة جزاء عمل، لكن نرجو أن يخفف عنه من عذاب معاصيه. لحديث ثويبة حين أعتقها أبو طالب. وكذا الصراط وهو جسر ممدود على ظهر جهنم مدحضة مزلة، أحدّ من السيف وأدق من الشعر، وأحر من الجمر، عليه خطاطيف تأخذ الأقدام، وعبوره بقدر الأعمال، مُشاة وركبانًا وزحفًا، يمر عليه المسلم والكافر فيجوزه المؤمن كالبرق والريح وأجاويد الخيل والركبان والمشاة فناج مسلم ومخدوش ومكردس في النار، قد روى ذلك عن النبي ﷺ من غير وجه قال الفضيل ابن عياض رحمه الله تعالى في وصفه الصراط أنه سبع جسور فيحاسب العبد في أولها على الإيمان فإن سلم إيمانه من النفاق والرياء والشرك والعجب نجا وإلا تردى في النار، وفي الثانية عن الصلاة فإن أداها مكملًا شروطها وأركانها وواجباتها نجا وإلا تردى في النار، وفي الثالثة عن الزكاة فإنا أداها تامة بطيب نفس نجا وإلا تردى في النار، وفي الرابعة عن الصيام فإن أدّاه تامًا نجا وإلا تردَّى في النار، وفي الخامسة عن الحج والعمرة فإن أداهما تامين بشرائطهما وأركانهما نجا وإلا تردَّى في النار، وفي السادسة عن الوضوء والغسل من الجنابة فإن أداهما تامين نجا وإلا تردى في النار، وفي السابعة عن بر الوالدين وصلة الرحم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن أتمه نجا وإلا تردى في النار.
وكذا الميزان الذي توزن به الأعمال من الحسنات والسيئات، وفيه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، فهو حق وله لسان وكفتان توزن بهما صحائف الأعمال. قال ابن عباس ﵄: "توزن الحسنات في أحسن صورة وتوزن السيئات في أقبح صوره" وكذا خلق الجنة والنار وأنهما موجودتان الآن، فعن أبي سلمة وهو ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لما خلق الله الجنة قال لجبريل اذهب فانظر إليها فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. ثم حفها بالمكاره. ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. فلما خلق النار قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها" رواه أبو داود
[ ٧١ ]
والترمذي والنسائي قال الترمذي حسن صحيح. وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" وأخرجه أيضًا في صحيحه من حديث الأعرج عن أبي هريرة، وقد ذكر بعضهم أن هذا من بديع الكلام وجوامعه الذي أوتيه ﷺ من التمثيل الحسن، وأن حفاف الشيء جانباه فكأنه أخبر ﷺ أنه لا يوصل إلى الجنة إلا بتخطي المكاره، وكذلك النار لا يوصل إليها إلا بتخطي الشهوات وما تميل إليه النفوس، وان إتباع الشهوات يلقى في النار ويدخلها وأنه لا ينجو منها إلا من تجنب الشهوات. ففي هذا الحديث حث على اجتنابها وعن سهل بن حوشب أن رسول الله ﷺ قال: "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" وعن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" وعن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال حين مات إبراهيم: " أن له مرضعًا في الجنة". وعن أبي هريرة مرفوعًا: " اشتكت النار إلى ربها فقالت رب أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير" وعنه أيضًا مرفوعًا: "ناركم هذه جزء من سبعين جزأ من نار جهنم، قيل يا رسول الله ان كانت لكافية قال لقد فضلت عليها بتسعة وتسعين جزءًا كلهن مثل حرها " وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: ومن يأبى قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" أخرجه البخاري في صحيحه.
وخلود أهل الجنة فيها وخلود الكفار في النار حق قال عز من قائل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ قال ابن عباس في الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وقال مقاتل والضحاك الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه. وقال أبو العالية الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر. وخالدين فيها أي مقيمين ما دامت السموات والأرض. قال الضحاك: ما دامت سموات الجنة والنار وأرضها. فكل ما علاك وأظلك فهو سماء. وكل
[ ٧٢ ]
ما استقر عليه قدماك فهو أرض. وقال أهل المعاني: هذا عبارة عن التأبيد، أتي به على عادة العرب، يقولون لا آتيك أو لا يكون الأمر كذا ما دامت السموات والأرض، أو ما اختلف الليل والنهار، يعنون لا يكون ذلك أبدًا وأما الاستثناء في قوله: إلا ما شاء ربك، فقال بعضهم هو في الأول منفصل معناه إلا من مات موحدًا فإنه يخرج من النار فيدخل الجنة وسماه الله شقيًا لدخوله النار بالمعصية مع من شقى وهذا المعنى قد روي من حديث أنس بن مالك ﵁ وعمران بن حصين. فأما حديث أنس ابن مالك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليصيبن أقوامًا سفع من نار بذنوب أصابوها عقوبة، ثم يدخلهم الله الجنة بفضله ورحمته يقال لهم الجهنميون" وأما حديث ابن حصين عن النبي ﷺ قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ بإذن الله فيدخلون الجنة فيسمون الجهنميين". وما وإن كان وضعها لما لا يعقل غالبًا فهي هنا للوقت، ولكن لما كان الكلام عن حال من يعقل صار لها مناسبة فيه، وقال بعضهم إلا بمعنى سوى أي خالدين فيها هذا القدر سوى ما شاء الله من الزيادة عليه وقيل إلا بمعنى الواو أي وما شاء ربك كقولهم لعمر: أبيك إلا الفرقدان. أي والفرقدان، وأما معناه في الثاني وهو قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ فهو استثناء متصل إذ لا يخرج من الجنة بعد دخولها أحد، ومعناه يرجع لمدة لبث هؤلاء المستثنيين في النار قبل دخولهم الجنة. وقيل ما شاء ربك من الفريقين من تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ ما بين الموت والبعث قبل مصيرهم إلى الجنة والنار يعني هم خالدون في الجنة والنار إلا هذا المقدار. ولذلك قال الضحاك عند قوله إلا ما شاء ربك: إي إلا ما مكثوا في النار حتى دخلوا الجنة فهو مراد الفريق. وظاهر اللفظ يأباه. وقال قتادة: الله أعلم بتنياه. والحاصل أنه يجب علينا اعتقاد أن المؤمن يخلد في الجنة، وأن الكافر يخلد في النار، وإن كلا لا يخرج عن محله بعد أن يدخله، وما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا" وعن أبي هريرة نحوه فمعناه عند أهل السنة إن ثبت أن لا يبقى فيها أحد من أهل التوحيد والإيمان. فأما مواضع الكفار فمملوءة منهم ومعنى قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ واحدها حقب وهو ثمانون سنة. قال المفسرون الحقب
[ ٧٣ ]
الواحد بضع وثمانون سنة. السنة ثلاثمائة وستون يومًا. مقدار اليوم ألف سنة من أيام الدنيا وقال الحسن: لم يجعل الله لأهل النار مدة بل قال أحقابا فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر ثم آخر هكذا أبدًا، وقد بشر الله أهل الجنة بدوام لبثهم فيها قال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾
[ ٧٤ ]