(وأما قولكم وكذلك النفاق نفاقان، نفاق اعتقاد، ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد هو الذي ذكر الله أن أهله في الدرك الأسفل من النار وهو كثير في القرآن، ونفاق العمل كما في الحديث الصحيح آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وفي بعضها أربع بزيادة وإذا خاصم فجر فهذا نفاق عملي مجتمع مع أصل الإيمان) .
فنقول: هذا الحديث الذي خرج في الصحيح ليس فيه بحمد الله إشكال ولكن اختلف في معناه والذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار عند أهل السنة والجماعة كما حكاه شراح الحديث ان هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال متخلق بأخلاقهم، فان النفاق إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حقه من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام ويظهره وهو يبطن الكفر ولم يرد النبي ﷺ بهذا انه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار فقوله ﷺ في الحديث الآخر الذي رواه مسلم كان منافقًا خالصًا معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال، قال بعض العلماء وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه فأما من يندر ذلك منه فليس هو داخلًا فيه، فهذا هو المختار في معنى الحديث، وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي معناه عن العلماء مطلقًا فقال إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وقال جماعة من العلماء المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ قد حدثوا بإيمانهم فكذبوا وائتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في أمر الدين ونصره فاخلفوا وفجروا في خصوماتهم ومن كانت حاله كذلك
[ ١٧٥ ]
فهو منافق حقًا، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقد رجع إليه الحسن البصري ﵀ بعد أن كان على خلافه، وهو مروى عن ابن عباس وابن عمر ﵃ ورووه أيضًا عن النبي ﷺ بمعناه قال القاضي عياض واليه مال كثير من أئمتنا، وحكى الخطابي قولًا آخر معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه بها أن تفضي به إلى حقيقة النفاق، وحكى الخطابي أيضًا عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق وكان النبي ﷺ لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان منافق وإنما يشير إشارة كقوله ﷺ ما بال أقوام يفعلون كذا وقوله ﷺ في الرواية الأولى التي رواها مسلم في صحيحه أربع من كن فيه كان منافقًا وفي الرواية الثانية آية المنافق ثلاث لا منافاة بينهما فان الشيء الواحد قد يكون له علامات كل واحدة منها يحصل بها صفته ثم قد تكون تلك العلامة شيئًا واحدًا وقد تكون أشياء، ومعنى قوله وإذا عاهد غدر داخل في معنى وإذا ائتمن خان لأن العهد أمانة ومعنى قوله وإذا خاصم فجر أي مال عن الحق وقال الباطل والكذب، قال أهل اللغة وأصل الفجر الميل عن القصد، ومعنى آية المنافق أي علامته ودلالته فمنه يعلم أن كفر عمل الجوارح ونفاق عملها ليس مما نحن فيه إنما القصد الكلي والفائدة العظمى لمن عقلها عمل القلب وهو اعتقاده وقبوله لما جاء عن الله وأرسل به محمدًا عبده ورسوله من ان الدين كله لله. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه﴾ وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم ﵃ أن المراد بالفتنة هنا الشرك ونحن لم نؤم إلا إليه ولم نجاهد إلا عليه.
[ ١٧٦ ]