والإجماع لغة يطلق على معنيين:
أحدهما: العزم كقوله ﴿فأجمعوا أمركم﴾ أي إعزموا ومنه لا صيام لمن لا يجمع الصيام من الليل.
وثانيهما: الاتفاق وحقيقة أجمع صار ذا جمع كألبن وأثمر.
وفي الاصطلاح: اتفاق خاص وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ في عصر على أمر، فلا يعتبر موافقة المقلد ومخالفته والمراد بقولنا في عصر في زمان ما قل أو كثر وقولنا على أمر يتناول الديني والدنيوي، ثم أنه قد اختلف في أنه هل يشترط في الإجماع وانعقاده حجة انقراض عصر المجمعين، فمن اشترط ذلك لا يكفي عنده الاتفاق في
[ ٦٠ ]
عصر بل يجب استمرار ما بقي من المجمعين واحد، فيزيد في الحد إلى انقراض العصر ليخرج اتفاقهم إذا رجع بعضهم فإنه ليس بالإجماع المقصود وهو ما يكون حجة شرعًا، وأيضًا قد اختلف الأصوليون في أنه هل يجوز حصول الإجماع بعد خلاف مستقر من حي أو ميت أم لا؟ فإن جاز فهل ينعقد أم لا؟ قال يجوز أو قال يجوز وينعقد فلا يحتاج إلى إخراجه عن الحد، ومن يرى أنه لا يجوز ولا ينعقد فلا بد أن يخرجه عن الحد بأن يزيد فيه ولم يستقر خلاف مجتهد. وقال الغزالي هو اتفاق أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور الدينية مستدلًا بقوله ﷺ: " لا تجتمع أمتي على ضلالة" وبقوله: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة" وبقوله: "يد الله على الجماعة من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية" واستدل الإمام الشافعي على حجية الإجماع بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بضمه إلى مشاقة الرسول التي هي كفر فيحرم إذ لا يضم مباح إلى حرام في الوعيد، وإذا حرم إتباع غير سبيلهم فيجب إتباع سبيلهم إذ لا مخرج عن طاعة الرسول واتباع سبيل المؤمنين، وهذا أصل كلي خال من معارض ظني إذ متابعة الرسول شاملة لنصرته في حياته أو شريعته بعده، ولما به صاروا مؤمنين وهو التوحيد والإيمان به لا مخصوصة بما لا يخرج عن شريعته.
[ ٦١ ]