(وقولكم على حدوث العالم ووجود الباري وأنه لا خالق سواه) .
فنحن نقول كل ما سوى الله وصفاته حادث. والله سبحانه هو الذي أوجده وخلقه وابتدأه من العدم، لم يخلق ذلك عبثًا ولا لعبًا، بل بالحق والحكمة التي لو لم يكن منها إلا ليعرف بسائر صفات الكمال فيعبد وحده لا يشرك به، ويكون الدين كله بأنواعه له مختص بجلاله كما أن الأمر كله له تعالى فلا خالق لجسم ولا جوهر ولا عرض ولا شيء إلا هو تعالى، وجميع أفعال العباد كسب لهم، وهي مخلوقة لله خيرها وشرها حسنها وقبيحها، فالله خالق لا مكتسب. والعبد مكتسب لا خالق، وخلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والرياح والسحاب وغير ذلك من الأجسام العظيمة دال على وحدانية الصانع فهو المتفرد بالألوهية، كما أنه متفرد بالربوبية فهو الخالق لجميع العوالم كلها، وبه قامت الحوادث كلها، إذ هو القادر على أن يمسك العالم كله في قبضته، كما جاءت به الآثار الإلهية، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس ما يوافق مضمون هذه الآية، وان الله تعالى يقبض العالم العلوي والسفلي ويمسكه ويهزه ويقول أنا الملك أين ملوك الأرض. وفي بعض الآثار: "ويدحوها
[ ٦٧ ]
كما يدحو أحدكم الكرة" وقال ابن عباس: (ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) وهو تعالى لا خالق سواه. وهذا مما أجمع عليه أهل الملل كلها فلم ينكر أحد أنه خالق لجميع المخلوقات، إلا أنه قد جرى للمعتزلة كلام في خلق الإنسان أفعاله نفسه وخلافهم غير معتد به بعد قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ فان العبد غير موجد ولا خالق لأفعاله. لأنه تعالى طعن في ألوهية الأجسام بسبب أنها لا تخلق شيئًا. فهذا يقتضي أن كل ما كان خالقًا كان إلهًا، فلو كان العبد خالقًا لأفعال نفسه لكان إلهًا، ولما كان ذلك باطلًا علمنا أن العبد غير خالق لأفعال نفسه.
ومن الدليل على علم ذلك عند كل أحد، تقرير الله الخلق وإقرارهم بأن الله هو الخالق وحده. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ولذلك قرعهم سبحانه بالاستفهام الإنكاري في قوله ﷿: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لكن لما كان بعضهم منكرًا للمعاد الجسماني أمر الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ثم انه جرى كلام هل الخلق غير المخلوق أو هو هو، والجمهور يقولون الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، إذ الخلق مصدر، والمخلوق هو المفعول، والمصدر مغاير للمفعول لا نفسه. وهذا قول جماهير الصوفية وأهل الحديث بل كلهم، ولأصحاب مالك والشافعي وأحمد في ذلك قولان والذي عليه أئمتهم ان الخلق غير المخلوق وهو أيضًا قول أكثر أهل الكلام وهو الذي حكاه البغوي عن أهل السنة.
(وأما قولكم وأنه قديم متصف بالعلم والقدره وسائر صفات الكمال والجلال منزه عن سمات النقص) .
فنقول إنه تعالى قديم أزلي، فإن كل أزلي قديم ولا عكس، فهو الأوّل ولا بداية، والآخر ولا نهاية، لم يزل ولا يزال سبحانه متصفًا بصفاته العليا وأسمائه الحسنى، فهو إله واحد لا شريك له في عبادته فلا يتجزأ في ذاته. أحد لا من عدم، فرد صمد لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ولا معين له في خلقه، ولا مثل
[ ٦٨ ]
له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، حي موجود لم يزل ولا يزال. ومتصف سبحانه بالعلم. فهو تعالى عالم بعلم واحد قديم باق ذاتي محيط بكل معلوم كلي أو جزئي على ما هو عليه فلا يتجدد علمه تعالى بتجدد المعلومات ولا يتعدد بتعددها. ليس بضروري ولا كسبي، ولا نظري، ولا استدلالي، ومتصف بالقدرة، فهو على كل شيء قدير، وقدرته واحدة وجودية قديمة باقية ذاتية متعلقة بكل ممكن، فلم يوجد شيء إلا بها لأن الفعل صفة والله قادر عليه لا يمنعه منه مانع. وقد خلق المخلوقات فوجدت بالفعل الذي هو الخلق بقدرة الله تعالى. والقدرة على خلق المخلوق هي القدرة على الفعل. قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ وقوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية ونحو ذلك مما فيه وصف الله بالقدرة على الأفعال المتناولة للمفعولات، وفيه بيان أن الخلق ليس هو المخلوق، لأن نفس خلقه السموات والأرض غير السموات والأرض، ومتصف سبحانه بسائر صفات الكمال والجلال فهو تعالى مريد إرادة واحدة ذاتية قديمة باقية متعلقة بكل ممكن. وهو تعالى حي بحياة واحدة وجودية قديمة ذاتية. وهو تعالى سميع وبصير بسمع وبصر قديمين ذاتيين وجوديين متعلقين بكل مسموع ومبصر. وهو تعالى قائل ومتكلم بكلام قديم ذاتي وجودي غير مخلوق ولا محدث ولا حادث بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف يسمعه منه أهل الجنة في الجنة إذا دخلوها. والمراد بقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ من جهة النزول لأنهم لم يسمعوه قبل إنزاله قط ولا يشبه كلام المخلوقين، أو المراد بالذكر المحدث تذكير النبي ﷺ، فإنه لم يذاكرهم قبل أن ينبأ، ونسبته إلى الله تعالى لأن المذاكرة من النبي ﷺ لهم كانت بأمره تعالى، ومنزه تعالى عن سمات أي علامات النقص، فهو تعالى لا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه. فمن اعتقد أو قال أن الله بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه تعالى بائن من خلقه مستو على عرشه من غير تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، فالله تعالى كان ولا مكان، ثم خلق المكان، وهو تعالى كما كان قبل خلق المكان، ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس، ولا مدخل في ذاته وصفاته وأفعاله للقياس، لم يتخذ صاحبة ولا والدًا، فهو الغني عن كل شيء، ولا يستغني عنه شيء، ولا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، فمن شبهه
[ ٦٩ ]
بمخلوقه فقد كفر. وأما قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ فقال ابن عباس ما من شيء تناجي به صاحبيك إلا هو رابعهم بالعلم، يعنى أن نجواهم معلومة عنده كما تكون معلومة عند الرابع الذي هو معهم.
[ ٧٠ ]