ونحن نقول من تأمل القرآن وآياته البينات، وسبب إنزاله وموضوعه، وسنة النبي ﷺ وهديه، وما أُرسل به، وسنة أصحابه، ومن تبعهم بإحسان، فهم يقينًا أن ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأمر به ودعا إليه هو عين ما تضمنه القرآن من توحيد الله الذي هو حقه على العبيد، وما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وأئمة الدين بعدهم، وانه بذلك قد علم الشريعة وحققها، وأمعن نظره في سنة النبي ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وقررها وأظهرها، فإن آيات الله دالة على وحدانيته تعالى في ألوهيته وتفرده في معاملته مما هو حق على عبيده، فإنزاله سبب لمعرفة حق الله تعالى وتقدس وإخلاص الدين كله له وحده، وهذا موضوع القرآن مع كونه مصرحًا بأن الأولين مقرون ومعترفون لله بالخلق والرزق والإماتة والإحياء والتدبير والضر والنفع وإنما قصدهم الجاه والقربة بواسطة ووسيلة من المخلوقين، أو صورهم توصلهم إلى غاية قصدهم ومطلوبهم ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ إلى أن قال: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ثم قال بعد تقريرهم وإقرارهم بأن ملكوت كل شيء بيد الملك الحي ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ووصف الإنسان بأنه إذا مسه الضر دعاه وإذا كشفه عنه أشرك معه سواه قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ وهذه أقبح حالة إذا مسه الشر دعا لحاجته فإذا أنعم عليه مولاه جاءته الاستحالة، وهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ولشفاعتهم لنا عند الله. فمن عرف لفظ هذه الآيات القرآنية
[ ٣٩ ]
ووفق لفهم معناها، وأنهم مقرون له تعالى بالربوبية علم أن هذا المقام لا نزاع فيه، وإنما اتخذوهم وسائط ووسائل بينهم وبين ربهم كما تكون الواسطة بين الملك ورعيته، وهذه الوسائط التي يدعونها في حال الرخاء فقط ويرجون شفاعتها وقت الشدة يسمونها الآلهة لتأله قلوبهم بها ورجاؤهم منها القرب والتقريب، كما قالوا أجعل الآلهة إلهًا واحدًا، على جهة أن ذلك لا يكون لأنهم ظنوا أن الإله الواحد وهو الله لا يسع الخلق إلا بآلهة معه يدخلون عليه بهم ويصلون إلى قضاء الحوائج بشفاعتهم لديه، ومنه قول بني إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ قال أهل التفسير إنهم لم يكونوا شاكين في الدين وإنما أرادوا شيئًا يعظم عندهم وفي نفوسهم ويتقربون بتعظيمه وشفاعته إلى الله تعالى وظنوا أن ذلك لا يضر في الدين لشدة جهلهم.
ومن عرف وحقق معنى الشهادتين اللذين هما رأس الإسلام وقوامه، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم شهد بهما لزمه العمل بمقتضاهما قولًا وفعلًا واعتقادًا وترك المنافي والمناقض لهما قولًا وفعلًا واعتقادًا، فإن معنى الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الألوهية له وحده في عبادته ومعاملته، فلا يجوز أن يتأله القلب غيره لا بحب ولا خوف ولا رجاء ولا إجلال ولا إكرام ولا رغبة ولا رهبة بل لا بد أن يكون الدين كله لله كما قال جل ذكره: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغيره كان في ذلك من الشرك بحسب ما كان لغيره، ثم إن كان أصغر مثل الرياء فله حكمه، وان كان أكبر مثل ما يأتي بيانه فله حكمه، وكمال الدين كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" فالمؤمنون يحبون لله والمشركون يحبون مع الله وهي الأنداد التي ذكرها في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ الآية.
والشهادة بأن محمدًا عبده ورسوله تتضمن تصديقه ﷺ في كل ما أخبر به وطاعته في كل ما أمر به، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، كما يجب على الخلق أن يثبتوا لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفوا عنه ما نفاه عن نفسه من مماثلة المخلوق، فيخلصون من التعطيل والتمثيل، ويكونوا في إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل
[ ٤٠ ]
وعليهم أن يفعلوا ما أمر الله به وينتهوا عما نهى عنه، ويحللوا ما حلله، ويحرموا ما حرمه، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله، ولهذا ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما لكونهم حرموا ما لم يحرم الله وشرعوا دينًا لم يأذن به الله كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ إلى آخر السورة وما ذكره في صدر سورة الأعراف وكذا قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ وقد قال تعالى لنبيه ﷺ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ فأخبر أنه داع إلى الله بإذنه، فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك ومن دعا إليه بغير اذنه فقد ابتدع، والشرك بدعة والمبتدع يؤول إلى الشرك، ومن خاض كما خاض فيه الأولون فلم يعرف اللازم من الملزوم فقد جردهما من المعنى. وإذا كان سبب النزول أحوال مشركي العرب فالعام لا يقصر على السبب. وكذلك الأحاديث الصحيحة كحديث معاذ بن جبل ﵁ قال: (كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: "يا معاذ أتدري ماحق الله على العباد" قلت: الله ورسوله أعلم قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا أتدري ما حقهم عليه؟ " قلت: الله ورسوله أعلم قال: "أن لا يعذبهم وفي لفظ أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" قلت: أفلا أبشر الناس قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" أخرجاه في الصحيحين فإنه قاض في الأخبار بلفظه عن حق الله على العباد من توحيده سبحانه وإخلاص الألوهية له تعالى كما قال جل شأنه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ فقد أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينًا، وأمرنا أن نتبع صراطه المستقيم ولا نتبع السبل فتفرق بنا عن سبيله، وجعل هذه الوصية خاتمة وصاياه العشر التي هي جوامع الشرائع التي تضاهي الكلمات العشر التي أنزل الله على موسى في التوراة وإن كانت الكلمات التي نزلت على نبينا ﷺ أكمل وأبلغ وأتم، ولهذا قال الربيع بن خيثم وعبد الله بن مسعود: "من سره أن يقرأ كتاب محمد الذي لم يفض خاتمه بعده فليقرأ آخر سورة الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
[ ٤١ ]
الآية) وأمرنا أن لا نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأخبر رسوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وذكر أنه جعله على شريعة من الأمر، أمره أن يتبعها ولا يتبع سبيل الذين لا يعلمون وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَاب﴾ إلى قوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ فأمره أن لا يتبع أهواءهم عوضًا عما جاءه من الحق، وإن كان ذلك المتبع شرعًا أو طريقًا لغيره من الأنبياء فإنه سبحانه قد جعل لكل منهم سنة وسبيلًا ولكنه ﷺ حذره ربه أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، وإذا كان هذا فيما جاءت به شريعة غيره، فكيف بما لم يعلم أنه جاءت به شريعة قط، بل لم ينزل الله به الكتب ويرسل الرسل إلا بتقبيحه والإنذار عنه، وخبث فاعله والحكم عليه بالذل والصغار والخلود في النار، حتى قرر ذلك وحرر في كتب الفقه التي تداولها الأيدي لعلماء كل مذهب فإنهم عقدوا فيه بابًا للردة بعبارات مختلفة اللفظ متفقة المعنى.
[ ٤٢ ]