(وأما قولكم وقوله ما شاء الله وشئت وتضليل قائله وتفريعه عليه تضليل من قال:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
فنقول حاشاه ثم حاشاه من الضلال، والعجب ثم العجب من جراءتك على السلف وتضليل الصالحين الذين قد شاع وذاع بل ملأ الأسماع علمهم وصلاحهم وزهدهم بل إن كان صاحب بردة المديح مشركًا فليس على وجه الأرض موحد، وقد علمت أن الواجب على كل مسلم حمل كلام هذا الرجل الصالح الورع الزاهد وأمثاله على محمل حسن، وحسن الظن بالمسلمين واجب أيضًا مع ظهور ان الحصر الذي
[ ٣٢٠ ]
في هذا البيت وأمثاله إضافي بالنسبة إلى المخلوق والمعنى ما لي من ألوذ به من المخلوقات لأجل الشفاعة سواك وليت شعري ما الذي حملك على تضليل هذا الرجل الذي قد توفاه الله قبل أن تخلق بأعوام عديدة أي عداوة حصلت بينك وبينه، أم على أي خصومة لأجلها تعاميت عن هذا الوجه الظاهر الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وحملت كلامه على محمل بعيد غير لائق بحال آحاد عوام الناس وهو الحمل على الحصر الحقيقي حتى حكمت تضليله بسبب هذه المقالة وما أشبهها من قول صاحب البردة. ولن يضيق رسول الله جاهك بي الأبيات كما نقلها عنه إذ لاشك أن مراده منها لن يضيق جاهك عن الشفاعة لي وهذا ظاهر جدًا فالويل كل الويل لمن يحكم بتضليل أساطين هذه الأمة بأمثال هذه التمويهات ويظهر الطعن في السلف الصالح لجلب قلوب العوام أو لحب رياسة أو عصبية أو لغرض من الأغراض الفاسدة) .
فنقول: أما قول القائل ما شاء الله وشئت أو ما شاء الله وشاء فلان فقد ورد النهي عنه فيما رواه النسائي وصححه عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا قال للنبي ﷺ ما شاء الله وشئت فقال النبي: "أجعلتني لله ندًا قل ما شاء الله وحده" وعن حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" رواه أبو داود بسند صحيح، وعن الطفيل أخي عائشة لأمها قال رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود قلت إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزير ابن الله قالوا وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد ثم مررت بنفر من النصارى فقلت إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله قالوا وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال هل أخبرت بها أحدًا قلت نعم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإن طفيلًا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده" رواه ابن ماجه بإسناد قوي وعن فتيلة بن معبد الجهني أن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت وتقولون والكعبة فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة وأن
[ ٣٢١ ]
يقولوا ما شاء الله ثم شئت" رواه النسائي وصححه وروى ابن أبي حاتم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷾: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، ومنه قول الرجل لصاحبه ما شاء وشئت ولولا الله وفلان، وقال أبو عبد الله الند هو الضد والله تعالى منزه عن الأضداد والأمثال المتخذين من دونه أو معه، ذكره أهل التفسير، واثبات الله سبحانه المشيئة للعباد في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال المفسرون في معناه لمن شاء منكم بدل من العالمين بإعادة الجار يقول ﷾ ما القرآن إلاَّ موعظة للخلق أجمعين، ثم أبدل فهم لمن شاء منكم أن يستقيم على الحق، والإيمان بدل بعض من كل ومعناه أن القرآن إنما يتعظ به من استقام على الحق ثم رد ﷾ المشيئة إلى نفسه فقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فأعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلاَّ بمشيئة الله وتوفيقه، وهذا إعلام منه تعالى بأن الإنسان لا يعمل خيرًا إلاَّ بتوفيق الله له ولا شرًا إلاَّ بخذلانه وقد ذكر عبد الله بن المبارك عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى قال لما نزلت لمن شاء منكم أن يستقيم قال أبو جهل الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وان شئنا لم نستقم، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وقال عبد الله بن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ أن الضمير في من شاء أي فمن شاء الله إيمانه آمن ومن شاء كفره كفر فالمشيئة حقيقة لله وحده ومشيئة العبد تحت مشيئة الله وقدرته وإرادته خيرها وشرها وحسنها وقبيحها ولا يخرج شيء عن مشيئته وقدرته تعالى، فإن العبد وأعماله مخلوقة لله، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وأعمال العبد كسب له فالله خالق لا مكسب، والعبد مكتسب لا خالق، هذا مذهب أهل السنة والله تعالى يحاسب العبد بميل هواه واختياره المعصية وميله إليها وله الحجة البالغة لا يسأل عما يفعل، ولو شاء لهدى الناس أجمعين، ونهى الشارع ﷺ عن التشريك في مشيئة الخالق والمخلوق بالواو دليل على الحضرية إذ قد صرح الأصوليون بأن حد النهي استدعاء كف بالقول على سبيل الوجوب وهو الحتم وأنه دال على فساد المنهي عنه في العبادات سواء نهى عنها لعيها كعبادة الحائض، أو لأمر لازم لها كالصلاة
[ ٣٢٢ ]
أوقات النهي، وصوم يوم العيد، أو لأمرٍ مطلق على أصح الوجهين، كالوضوء بماء مغصوب، والبيع وقت نداء الجمعة، وفي المعاملات أيضًا، سواء رجع النهي إلى نفس العقد كبيع الحصاة، أو إلى أمر داخل فيه كالنهي عن بيع الملاقيح وهو ما في بطون الأمهات، أو الأمر بالشيء نهى عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده فإذا قال اسكن كان ناهيًا له عن التحرك، أو لا تتحرك كان آمرًا له بالسكون، فتعين أن يكون النهي عن التشريك أمرًا بالتوحيد ولك منصرف إلى الوجوب إذ هو متحتم على كل أحد، كالنهي في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ فكل هذا النهي وما في معناه متضمن الحتم على الخلق عن المنهي عنه سواء كان كفرًا أو معصية وقول القائل ما شاء الله وشئت معصية بعد النهي الوارد عن هذه الصيغة بالواو ولا يكفر مرتكبها إلاَّ أنه مشرك شركًا أصغر يجب الكف عنه والتوبة منه تغليبًا لجانب أصل الإيمان المستصحب على وجود المعصية الصادرة ممن حكم بإسلامه، وفاعل المعصية المتلبس بها ضال ما لم يتب منها وينحاد عنها فالعبادات التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين وقوامه كله لله تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ فقوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
أولى بنهي النبي ﷺ ذلك الرجل عن قوله ما شاء الله وشئت من وجوه:
(منها) أن الرسول ﷺ مبعوث بتحقيق هذا التوحيد وتحريره ونفي الشرك بكل وجه حتى في الألفاظ كقوله لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء محمد بل ما شاء الله وحده، كقوله للرجل القائل ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله ندًا بل ما شاء الله وحده".
(ومنها) أن الله سبحانه أثبت لعباده مشيئة كقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ وكإثباته الشفاعة لمن شاء
[ ٣٢٣ ]
من خلقه فيمن رضي عنه بعد إذنه فالعبد له مشيئة كسبية ولابد، ولكنها تحت مشيئة الله وإرادته لا توجد إلاَّ بها ولا تصدر إلاَّ عنها، إذ هو الخالق تعالى لأفعال العباد كلها وهو الباعث مقام المحمودية للنبي ﷺ مقامًا محمودًا الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، وهو المشفع فيمن رضي عنه من أمته، بخلاف الأمور والتصرفات الكونيات التي أسندها سبحانه إلى نفسه، كقوله: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وما يكون إلاَّ له لا يسند لغير لا حقيقة ولا مجازًا لا في الشفاعة ولا في غيرها مما لا يقدر على وجوده إلاَّ الله وهو متوقف على إذنه تعالى ورضاه فلا يقال فيه لأحد من الخلق مالي من ألوذ به سواك، إذ الأمر كله لله، والشفاعة كلها له لعدم وجودها من النبي وغيره إلاَّ من بعد إذن الله له ﷺ ورضا الله عن المشفوع له كغيره من سائر الشفعاء، وإسناد الشفاعة للأنبياء أو غيرهم إنما هو باعتبار وتحقق الإذن لهم فيها لمن ﵁ وارتضى عمله، والسائل لم يحقق في نفسه وجود الشرطين المعتبرين فلا يعلم أهو ممن يأذن الله فيه أم لا، وهل هو ممن ارتضى أم لا، فتعين عليه صرف همته وعزائم أمره في طلب ما هو السبب الموصل والمقتضي من الأعمال الباطنة والظاهرة للرضا عنه والإذن فيه، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة عنه: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله إلاَّ الله يبتغي بها وجه الله" وفي رواية خالصًا من قلبه، وقال ﷺ لربيعة ابن كعب الأسلمي خادمه وقد سأله مرافقته في الجنة: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" فكل ما كان الرجل أتم إخلاصًا لله عاملًا بطاعته كان أحق بالشفاعة، وكل ما كان مشغوفًا بالتعلق على أحد من المخلوقين يدعوه ويرجوه كان أبعد الناس عن الشفاعة.
(ومنها) أن سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة قد اتفقوا على أن النبي ﷺ لا يسأل في قبره بعد موته لا استغفارًا ولا شفاعة ولا غيرهما، وقالوا إن الشفيع يطلب من الله ويسأله ولا تنفع الشفاعة إلاَّ بإذنه، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقد ثبت في الصحيح أن سيد الشفعاء ﷺ إذا طلبت منه الشفاعة بعد أن تطلب من آدم وأولي العزم نوح
[ ٣٢٤ ]
وإبراهيم وموسى عيسى فيردونها إلى محمد ﷺ العبد الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: " فاذهب إلى ربي فإذا رأيته خررت ساجدًا فاحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقول أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع فأقول رب أمتي أمتي فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة"، فالشفاعة كلها لله، وهو تعالى غني عن العالمين وهو وحده يدبرهم كلهم فما من شفيع إلاَّ من بعد إذنه، لأنه الذي يأذن للشفيع في الشفاعة، وهو الذي يقبل شفاعته كما يلهم الداعي الدعاء، ثم يجبب دعاءه، فالأمر كله له، وإذا كان العبد يرجو شفعاء من المخلوقين ففد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع له، وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة ولا يقبل شفاعته فيه، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ قال طائفة من السلف كان قوم يدعون العزير والمسيح والملائكة شفاعتهم، فأنزل الله هذه الآية وأخبر فيها أن هؤلاء المسؤولين يتقربون إلى الله ويبتغون مرضاته ويرجون رحمته ويخافون عذابه وأنهم لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا فلا يملكون الشفاعة من دونه ولا يشفعون إلاَّ بإذنه لمن رضي عنه، وأفضل الخلق محمد، ثم إبراهيم، صلى الله عليهما وعلى سائر الأنبياء وسلم، وقد منعوا من الاستغفار لمن لم يرض عنه ولا ارتضى عمله، وما ذاك إلاَّ أنه تعلق على غير الله وأعرض بقلبه عنه فلم يخلص قلبه ولسانه له بل إما جدّ واجتهد في دعاء غير الله ورجائه فيما لا يقدر عليه إلاّ َالله، وأما شابه وفرغ قلبه ولسانه فيما هو الموقع في الشرك نفسه مما هو الأصل في علة عبادة الأصنام الذين قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ إلى قوله قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ ﴾ الآية فحسبه سبحانه عن غيره في عدة مواضع من القرآن وعلق على وجود إذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له حسمًا لمادة الإشراك وقطعًا لما توهم في علته من رجاء الشفاعة والتقريب، فكيف عن المعلول ويعمل فيما جاء به الرسول ﷺ
[ ٣٢٥ ]
فيكون الدين كله لله، وقد ثبت في الصحيح: (أن أبا هريرة قال: يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة قال: "يا أبا هريرة لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلاَّ الله يبتغي بها وجه الله") .
ومعلوم أن إخلاص هذه الكلمة الطيبة ابتغاء وجه الله هو تجريدها من شوائب الشرك، فلا يأله القلب أحدًا غير الله، فمن علق قلبه على غير الله وتوكل عليه كان فيه من الشرك بحسب ذلك التعلق قل أو كثر دق أو جل، فإن دعاه ورجاه والتجأ إليه فيما وجوده لا يكون إلاَّ من الله فلا يقدر عليه حتى المسئول لا يناله إلاَّ منه، فهذا الداعي الراجي من أبعد الناس من الشفاعة لتألهه مع الله، فإن أخلص قائل الكلمة الطيبة عمله لله وعلق قلبه ولسانه على الله كان من أحق الناس بالشفاعة وإذا أملها ورجاها من الله وسأله أن يشفع فيه نبيه ووليه حقق الله أمله واستجاب سؤاله فقبله وشفع فيه حيث مات قائلًا لا إله إلاَّ الله خالصًا من قلبه مبتغيًا بذلك وجه الله، فإنه سبحانه يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله.
والفاسق لا يخرج بفسقه عن حكم الإسلام الموجب للتوارث والمناكحة والولاية الإسلامية فلا يخرج به عن حد الشفاعة لأن هذا مذهب الخوارج المنكرين للشفاعة مستدلين بقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ وأما سلف الأمة وأثبتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة فأثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي ﷺ من شفاعته لأهل الكبائر من أمته وغير ذلك من أنواع شفاعته وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة وقالوا إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، قالوا وثبوت الشفاعة بالوصف لا بالشخص إذا لم يقع عليه التعيين من النبي ﷺ كما وصف ﵊ الذين هم أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة وهم القائلون لا إله إلاَّ الله يبتغون بها وجه الله إلى أن لقوا الله، وكما وصف أهل الكبائر من أمته ولم يعين شخصًا من النوعين في هذين الحديثين، وإذا كان كذلك تعين على الشخص دعاء الله أن يجعله من أهل الوصف الذين هم أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ، فإن كان من أهل الكبائر فقد سأل الله أن يتوب عليه ويجعله من المخلصين وإذا كان من
[ ٣٢٦ ]
المخلصين فقد رغب إلى الله وسأله أن يزيده مما هو فيه من العمل الصالح والقول الراجح ويثبته عليه حتى يلقاه فينال السعادة الأبدية.
(ومنها) أن هذه المقالة مشاكلة قول المشركين وعقيدتهم حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يشفعون لهم عنده ويقربونهم لديه كقوله: ﴿تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى﴾ وكما دعو العزير والمسيح والملائكة يقربونهم إلى الله ويحببونهم إليه ويشفعون لهم لديه فرد عليهم وعابهم لذلك ولامهم عليه، وأخبر أن الولاية كلها له فليس لخلقه من دونه ولي ولا نصير ولا شفيع إلاَّ من بعد إذنه، وأنه لا يأذن لهم بها إلاَّ لمن رضى عنه كقوله جل شأنه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ وقوله عن الملائكة: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقوله عن الرسل: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ .
(ومنها) أن الله ﷾ نفى الملك في ذلك اليوم عن غيره فلا يملك أحد عن أحد شيئًا ولا يغني عنه شيئًا ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ بل أخبر أن الأمر كله له فقال ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وقال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وفي القراءة الأخرى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقال ﷾: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ . والآيات في هذا الباب كثيرة جدًا، وفي حديث أبي ذر الذي رواه مسلم:: قال الله يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلاَّ نفسه".
(ومنها) أن الله ﷾ أمر نبيه ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين، وأنه
[ ٣٢٧ ]
لا يخلص أحدًا منهم إلاَّ إيمانه بربه ﷿، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين، ومن عصاه من الخلق كائنًا من كان فليتبرأ منه فقال ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وهذه النذارة الخاصة لا تنافي العامة بل هي فرد من أجزائها كما قال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ وقال: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وفي صحيح مسلم: " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلاَّ دخل النار" وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن ابن عباس قال: لما أنزل الله ﷿ وأنذر عشيرتك الأقربين أتى النبي ﷺ لصفا فصعد عليه ثم نادى يا صباحاه فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء ورجل يبعث رسوله فقال رسول الله ﷺ: "يا بني عبد المطلب يا بني فهر أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني" قالوا نعم قال: "فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد" قال أبو لهب تبًا لك سائر اليوم ما دعوتنا إلاَّ لهذا. وفي رواية عنه ألهذا دعوتنا جميعًا. وفي رواية أخرى ألهذا جمعتنا، فأنزل الله تبت يدا أبي لهب. وروى البخاري عن عائشة قالت لما أنزل الله وأنذر عشيرتك الأقربين، قام رسول الله ﷺ فقال: "يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا عباس بن عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم" وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال لما أنزل الله هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين دعا رسول الله ﷺ فعم وخص، فقال: "يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذى نفسك من النار، فإني والله ما أملك لكم من الله شيئًا" وخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت رسول الله، اشتريا أنفسكما
[ ٣٢٨ ]
من الله لا أغني عنكما من الله شيئًا سلاني من مالي ما شئتما" وتفرد به البخاري عن معاوية عن زائدة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه وقوله ﷺ يا صفية عمة رسول الله يا فاطمة بنت رسول الله اشتريا أنفسكما من الله لا أغني عنكما من الله شيئًا. أمر منه ﵊ لهما حقيقة في فعل الطاعة، وعمل الإيمان نهى لهما عن الاتكال عليه مع وجودهما لأنهما وقت قوله مؤمنتين به عاملتين بما أمرهما وتذكارًا لغيرهما أيضًا، فلا يغني عن الله أحد، كما لا يجير عليه أحد. وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ذكر جماعة من المفسرين أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي والحسن وعطاء عن ابن عباس، قال هو الشفاعة في أمته وقال محمد بن علي يا أهل العراق تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وإنا أهل البيت نقول أن أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وهي والله الشفاعة ليعطينها في أهل لا اله إلاَّ الله حتى يقول يا رب رضيت وزدني على أمتي في أمتي فكل هذا نؤمن به ونسلمه ولكن لا يخرج عما قاله أهل السنة والجماعة من أن ثبوت الشفاعة في أهل لا اله إلاَّ الله وهم الموصوفون بهذه الكلمة الطيبة فيرضيه ربه فيهم لأجلها لا بالشخص فلا تعين لأحد بعينه إذا لم يرد فيه نص فتعين على كل أحد صرف همته ورجاؤه في تلك الكلمة الطيبة التي هي السبب في وجود الشفاعة مع الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ لا في مجرد ذات النبي ﷺ أو شفاعته أهمل ما جاء به أو عمله لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ وقوله ﷺ لصفية وفاطمة لا أغني عنكما من الله شيئًا مع إيمانهما وعملهما ﵄ يشير إلى عدم الاتكال عليه وعلى شفاعته كما قدمناه آنفًا. فهو أمر لهما بإخلاص العمل لله والدوام والاستمرار عليه وليكون توجههما واتكالهما على الله وغيرهما بالأولى.
(ومنها) أن هذه المقالة قد اتخذها أولو التزيي من العباد والزهاد، وأولي العلم المتزيين به أورادًا يتلونها في الصباح والمساء، بل جعلوها تضاهي كلام الله وذكره في البركة يتلونها وينشدونها عقبهما تبركًا بها، وبعد ختم كلام الله والصلاة على نبيه كذلك، ويزعمون أن الختمة المقروءة من القرآن إذا لم تتل هذه المقالة عقبهما ولا توجد
[ ٣٢٩ ]
في ضمنها فتلك الختمة ناقصة الثواب. وليس لها رونق يزداد ويتزايد ولا أنس فيها يخضر ويشاهد، والويل كل الويل عندهم لمن عاب عليهم ذلك أو أنكر صنيعهم فيما هنالك، فهم قد اتخذوها دينًا وقربة حتى في المسجد الحرام تجاه الكعبة طهره الله وصانه، وجعل المتقين أولياءه وسكانه، بل في كل آن ومكان، والله يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وفي حديث عائشة الذي في الصحيح من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.
(وقوله) صاحب المقدمة العجب ثم العجب من جراءتك على السلف دعوى بغير علم وتعجب بلا فهم وتزكية على الله وحكم لمن قولهم غير مناسب في الشريعة والله بهم أعلم، وثناء على ما اعتقدوه وتقرير لما قالوه في القصيدة من الأوراد ونشدوه لحصول البركة ورفع كل شدة ودليل ما قلناه فيه أمور:
(منها) مخالفة الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ وأما السنة فأخرج مسلم في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: " إن كان أحدًا مادحًا أخاه لا محالة فليقل أحسب فلانًا إن كان يرى أنه كذا وكذا ولا أزكي على الله أحدًا" فقد أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نزكي على الله أحدًا، وأمرنا أن نقول في التزكية أحسبه كذا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدًا، ومما (قالت أم العلاء ﵂ لعثمان بن مظعون أخي رسول الله ﷺ من الرضاعة وقد انتقل إلى رحمة الله شهادتي عليك لقد أكرمك الله قال لها رسول الله ﷺ: " وما يدريك أن الله أكرمه؟ قالت بأبي أنت وأمي والله لا أدرى، فقال رسول الله ﷺ أما عثمان فقد أتاه اليقين وإني لأرجو له الخير، ووالله ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بي") أخرجه البخاري، وهو قد طعن علينا في عقيدتنا وعاب أمرنا ونهينا وزكاه على الله قاطعًا علينا في صريح كلامه بما تخيله في باله وقام في ذهنه مما يهواه مرامه فلذلك زكى على الله هذا الرجل الذي الله أعلم به وبأمره منا ومنه وعلمه وزهده فإن وجدا ظاهرًا فإسناد على حقيقتهما وباطنهما إلى الله أنسب وأصوب إذ ما من أحد يظهر لنا
[ ٣٣٠ ]
منه حسن عمله إلاَّ الله والله أعلم به، وقد انعقد إجماع أهل السنة على عدم الجزم لأحد بعينه بجنة أو نار إلاَّ من نص عليه النبي ﷺ، ولكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، حتى الكلم في سبيل الله المفضي إلى الشهادة التي أثنى الله عليها في كتابه أسند النبي ﷺ علمه إلى الله كما في المتفق عليه من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلاَّ جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك" اعلامًا منه ﷺ بأن علم حقائق أعمال العباد وصلاحهم بصلاح نياتهم وأعمالهم، وعلم ذلك عند الله ﷾ ومع المعاملة بالظاهر فلا جزم ويتوقى كل كلام معلول مخالف.
(ومنها) تعليقه توحيد أهل الملة الحنيفية الذي قال الله فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وقال عنهم نبيهم ﷺ: " لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله " على وجود توحيد هذا الرجل الواحد الذي الله أعلم به وبحقيقة أمره وإثباته شركهم بشركه.
(ومنها) نفيه التوحيد عن جميع من على وجه الأرض وتكفيرهم وإثبات شركهم بوجود شرك رجل واحد ليس عند الأمة نص فيه، في قوله بل إن كان صاحب بردة المديح مشركًا فليس على وجه الأرض موحد فبكلامه عرف قدره وعلم أنه قد تعدى طوره.
(ومنها) تعليقه مستحيلًا وجوده وهو نفي التوحيد عن جميع الأمة وإثبات شركهم على ممكن وهو وجود شرك رجل واحد ليس عند الأمة من حقيقة أمره نص إذ الرجل الواحد الذي ليس فيه نص قد وقد، وأما الأمة فلانًا بالنص القطعي.
(ومنها) إثباته الإيهام في تلك المقالة وأنها تحتاج إلى محمل حسن يليق بها وبقائلها، والمقرر عند الأمة المحفوظ عنها أن الكلام الموهم إذا لم بكن من كلام الله ورسوله المشابه لا تجوز قرابته ولا النظر إليه بحلاف كلام الله ورسوله فيجب الإيمان
[ ٣٣١ ]
به وتلقيه وإن لم يفهم معناه، وهؤلاء يتخذون هذا الكلام الموهم أصلًا في عقيدتهم ويتلونه أورادًا في الصباح والمساء وبعد ختم القرآن في كل آن ومكان.
(ومنها) مبادرة فهمه الذي قام في ذهنه إلى أنا إنما فهمنا من المقالة في نفيه فيها ذات الخالق نفسه تعالى وتقدس ولذلك قال إن الحصر الذي في هذا البيت وأمثاله إضافة بالنسبة إلى المخلوق، والمعنى ما لي من ألوذ به من المخلوقات لأجل الشفاعة سواك، ولم يعلم ويحقق أن هذا المفهوم معطل لا يقول به أحد، بل ذات الله تعالى وتقدس ووجوده. ثابت عند الخاص والعام حتى عباد الأصنام مقرون بخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومدبر أمورهم كما قرر هم في سورة يونس والمؤمنين والزخرف وأمثالها من السور التي أخبر الله فيها أنهم يعرفون خالقهم ورازقهم فأقروا واعترفوا أنه الله مدبر كل شيء ومليكه ولكن أشركوا معه في عبادته وعطلوا معاملته الشاملة لإخلاص ألوهيته وتكذيب رسله فيما جاؤوا به من عنده ومنهم من يكذبهم ظاهرًا وباطنًا، ومنهم من يكذبهم ظاهرًا وهو تعلم صدقهم باطنًا كما قال جل شأنه: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ وكما اختلفت أقوالهم في الرسل كذلك اختلفت أقوالهم وآراؤهم في الكتاب بين مكذب وقائل إنه شعر إنه سحر، وكل ذلك لا يدل على أنهم مكذبون بذات الله بل أقروا به تعالى وعرفوه ولكنهم لم يوحدوه، والقصد بالقرآن والرسل توحيد الله بعبادته، وإفراده تعالى بمعاملته المختصة بجلاله من الأعمال الظاهرة والباطنة، ونبذ ما خالفهما من الأقوال والأفعال والاعتقادات، فبذلك يحصل الإيمان بهما واتباعهما ولا أعظم مخالفة من اعتقاد ما هما بخلافه، ولم ينزل القرآن ويرسل الرسل إلاَّ بنفيه وليكون الدين كله لله والأمر كله له، والجاعل الدين أو بعضه لغير الله قولًا أو فعلًا أو اعتقادًا لم يؤمن بالقرآن معنى وان آمن به لفظًا ولم يؤمن بالرسول حقًا، وإن آمن به ظاهرًا، وليس اختلافنا مع أعدائنا إلاَّ بذلك لأنا نقول الدين كله لله والأمر كله له، فليس للخالق من دونه ولي ولا نصير، قال ﷾: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ وقال: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ الآية وقال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي
[ ٣٣٢ ]
أَوْلِيَاءَ ﴾ الآية وهم يقولون بل لهم ولي ونصير ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وبقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾ وتقدم معنى ذلك في بحثه فنحن حول هذه المسألة من أول أمرنا إلى آخر عصرنا ندندن فلا نشير إلاَّ إليها، ولا نجاهد إلاَّ عليها، مع أنهم بدؤنا أولًا ليرجعونا إلى ما كنا عليه من عبادة الطين والأحياء من الشياطين ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وقد قدمنا الكلام على قوله: (يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به. سواك) وان هذه المقالة مردودة من أوجه تقدم ذكرها آنفًا.
(ومنها) قوله ليت شعري ما الذي حملك على تضليل هذا الرجل الذي توفاه الله قبل أن تخلق بأعوام عديده، أي عداوة حصلت بينك وبينه، أم على أي خصومة لأجلها تعاميت عن هذا الوجه الظاهر الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وحملت كلامه على محمل بعيد غير لائق بحال آحاد عوام الناس وهو الحمل على الحصر الحقيقي، يعني به نفي ذات الله، حتى حكمت بتضليله بسبب هذه المقالة إلى قوله فالويل كل الويل لمن يحكم بتضليل أساطين هذه الأمة بأمثال هذه التمويهات ويظهر الطعن في السلف الصالح لجلب قلوب العوام أو لحب رياسة أو عصبية أو لغرض من الأغراض الفاسدة.
فهو قد قال فينا وافترى علينا تضليل هذا الرجل الذي قولنا فيه والله أعلم به منا ومن غيرنا إلاَّ أن كلامه ذلك غير مناسب من مثله، بل الواجب عليه وعلى جميع الخلق الانقطاع إلى الله وتفويض الأمر إليه، والتوكل عليه، والاستقامة على ما هو السبب في حصول شفاعته ﷺ من الأعمال المرضية لرب العالمين، والمقربة إليه في كل حين، الشاملة خصال الإيمان، وأركان الإسلام، فيكون كالذين حكى الله عنهم في القرآن أنهم توسلوا إليه فيما يرضيه مما أمرهم به، ونهاهم عن ضده في كتابه، وعلى ألسنة رسله، ولكن أبى الله أن يصلح بالحفظ إلاَّ كتابه، أو يمنع بالعصمة إلاَّ رسوله، والذي يعترى العقول إما فتحًا وإما شطحًا، والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا عبده ورسوله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وإخلاص معاملته لله وحده لا شريك له، وطاعة رسوله، ويدور على ذلك ويتبعه أين وجده، ويعادي فيه ويوالي فيه، ونحن لم نعاد هذا الرجل ولم نحكم عليه
[ ٣٣٣ ]
بالضلال بل قولنا فيه الله أعلم وأولى به، ولكن مقالته لا تقال بل يكف عنا لورود النهي عنها وعن أمثالها، ولأن الأمر كله لله والخلق لا يغنون عن الحق شيئًا بل من ﵀ فهو المرحوم، ومن أبعده فهو المبعد، فلا أحد كائنًا من كان يدخل الجنة إلاَّ بفضل الله ورحمته حتى الأنبياء، فغيرهم بالأولى، وكل من حكم بإسلامه شرعًا فهو المسلم والله أعلم بعاقبة أمره، فلا نشهد لمعين بالنار وأن ارتكب المعاصي في الدنيا، لا مكان أنه تاب أو كانت حسناته محت سيئاته، أو كفر الله عنه بمصائب، أو غير ذلك مما هو فضل الله وعفوه، وان ارتكب كفرًا عاملناه بما ظهر لنا منه، وأمره إلى الله، ولا لمعين بجنة وان اكتسب أعمالًا صالحة في الدنيا، إذ لا يعلم ما في نفس الأمر إلاَّ الله، فلا يقطع لمعين بشيء من دونه بلا نص من الشارع ﷺ، وللعلماء في الشهادة بالجنة ثلاثة أقول:
منهم من لا يشهد بالجنة لأحد إلاَّ للأنبياء وهذا قول محمد بن الحنفية والأوزاعي.
والثاني أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه نص وهذا قول أكثر أهل الحديث.
والثالث نشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون كما في البخاري من حديث أنس بن مالك قال مر بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال النبي ﷺ: "وجبت" ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرًا فقال: "وجبت" فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت يا رسول الله قال هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيثم عليه شرًا فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض"، وقال ﷺ: " توشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار" قالوا بم يا رسول الله قال: "بالثناء الحسن والثناء السيء" فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار، وكان أبو ثور يقول أشهد أن أحمد بن حنبل في الجنة، ويحتج بهذا، والمؤمن بالله ورسوله باطنًا وظاهرًا الذي قصد إتباع الحق وما جاء به الرسول إذا أخطأ ولم يعرف الحق كان أولى أن يعذره الله في الآخرة من المتعمد العالم بالذنب فإن هذا عاص مستحق للعذاب بلا ريب، وأما ذاك فليس متعمدًا للذنب بل هو مخطىء والله قد تجاوز لهذه الأمة الخطأ والنسيان، والعقوبة الحاصلة في الدنيا تكون لدفع ضرره عن المسلمين، وإن كان في الآخرة خيرًا ممن لم يعاقب كما يعاقب
[ ٣٣٤ ]
المسلم المتعدي للحدود ولا يعاقب أهل الذمة من النصارى واليهود، والمسلم خير منهم في الآخرة، والمسلم المذنب الذي ذنبه خاص أخف شرًا عند الله ممن ذنبه اكتسبه الناس منه، وأفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، ثم بعدهم التابعون، فلا ينتصر لشخص انتصارًا عامًا مطلقًا إلاَّ رسول الله ﷺ، ولا لطائفة انتصارًا مطلقًا عامًا إلاَّ للصحابة فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه حيث داروا، وكذا التابعون لهم بإحسان فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بحلاف عالم من العلماء أو قائل قولًا فقد يصيب وقد يخطىء، بل جل أصحاب مجتهد من المجتهدين قد يكون الصواب معهم وقد يكون مع غيرهم ممن قد خالفهم، وكل قول لم يرد به الكتاب والسنة ولا قاله صدر سلف هذه الأمة استنباطًا منهما أو من أحدهما بل قالوا خلافه فهو خطأ لا يعمل به ولا يقر عليه قائله، فكيف وصاحب المقدمة قد افترى وأصمته حمية الجاهلية فيما منه جرى بقوله أم على أي خصومة لأجلها تعاميت عن هذا الوجه الظاهر الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو قد أثبت بيننا خصومة رجمًا بالغيب مع أنها لا تكون إلاَّ بين موجودين في الدنيا لا بين معدومين أو أحدهما إلاَّ من ورد فيه النص بعينه بعداوته لله ورسوله كأبو جهل وأبي لهب وأمثالهما ممن عينته السنة فعداوته متحتمة على العالم به وإن لم يعاصره، أو من تواترت عنه الأخبار بين المسلمين بأنه محاد لله ورسوله متعد حدوده فإنه يكره هو وعمله لظاهر إساءته، والله متولي أمره، والحامل له على هذا الافتراء إثباته تلك المقالة واستحسانه إياها التي قد خالفت الكتاب والسنة وإجماع صالح سلف الأمة، وجعل تأويله لها مماثلًا كلام الله الذي قال تعالى فيه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فجعل ذلك التأويل لتلك المقالة وما شاكلها مما بعدها مماثلًا للتنزيل مشابهًا له في صحته وإعجازه والإيمان به وتلقيه وعدم رده والاعتراض عليه، وأهل التصحيح يردون على أهل الصحيح ويناظرونهم وكل يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ كلام الله ورسوله، وما لم يوافقهما فهو باطل مردود لا يعمل به وشفاعة الرسول ﷺ ثابتة في الكتاب والسنة وإجماع صالح سلف الأمة، ولكن بالوصف لا بالشخص ومن مات لا يشرك بالله شيئًا فهو من ذوي الوصف، وكذا شفاعة غيره ﷺ، فعلى الإنسان الاجتهاد فيما هو الموجب لها لينالها بفضل الله ورحمته ورضاه عنه وإذنه للشافع، وعليه أيضًا إخلاص عمله لله وقصده طاعة الله فيما أمر به
[ ٣٣٥ ]
والانتهاء عما نهى عنه، وهو يحب صلاح المأمور به وإقامة الحجة عليه قاصدًا أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فلا يغضب على من خالفه مجتهدًا معذورًا لا يغضب الله عليه، ولا يرضى عمن كان جاهلًا سيىء القصد ليس له علم ولا حسن قصد، بل بحمدً من حمده الله ورسوله، ويذم من ذمه الله ورسوله، وتصير موالاته ومعاداته على دين الله ورسوله، لا على هوى النفس، وأصل الدين الذي لا فتنة فيه أن يكون الحب لله والبغض لله، والموالاة لله والمعاداة لله، والعبادة لله والاستعانة بالله، والاتكال على الله، والخوف من الله والرجاء لله، والإعطاء لله والمنع لله، وهذا إنما يكون بمتابعة رسول الله الذي أمره أمر الله ونهيه نهي الله ومعاداته معاداة الله وطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، وصاحب الهوى يعميه هواه ويصمه، فلا يستحضر في قوله وعقيدته ما لله ورسوله في ذلك، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه هواه، ويغضب لما يغضب له هواه، فلم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا بل قوله وعقيدته وحميته مجرد هوى، وهذا حال المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا جانبوا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ فكانوا ممن قال الله فيهم: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وإذا كان المسلم الذي يقاتل الكفار قد يقاتلهم شجاعة وحمية ورياء وذلك ليس في سبيل الله فكيف بأهل البدع الذين يخاصمون ويقاتلون عليها فإنهم يفعلون ذلك شجاعة وحمية وميل نفس وهوى، وربما يعاقبون لما اتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله لا بمجرد الخطأ الذي اجتهدوا فيه، ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لأن أتكلم في علم يقال لي فيه أخطأت أحب إلي من أن أتكلم في علم يقال لي فيه كفرت والله أعلم.
[ ٣٣٦ ]