(وأما قولكم وقد عقد البخاري في صحيحه بابًا الكفر دون كفر) فنقول: من أطلق الشارع كفره بالمعاصي التي لا تخرجه عن الملة كدعواه لغير أبيه، ومن أتى عرافًا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضًا أو في دبرها ونحو ذلك، فإنما هو تشديد لا يخرج به عن ملة الإسلام بل كفر نعمة، قاله طوائف من
[ ١٣١ ]
العلماء عن أئمة الفقه والحديث، وكره ابن رجب في شرح البخاري كغيره من الشراح عن أكثر الشيوخ من العلماء، وقد قال القاضي عياض وجماعة من العلماء في قوله: "من أتى عرافًا فقد كفر بما أنزل على محمد" أي جحد تصديقه بكذبهم فقد يكون معناه ان اعتقد تصديقهم بعد معرفتهم بتكذيب النبي ﷺ لهم فهو كافر كفرًا حقيقة، وما قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى لا مخالفة فيه إذا وجد شرطه إذ فيه تكذيب الرسول ﷺ فيما جاء به، وتكذيب الكتاب، وهذا النوع ليس نعني هنا، مع أنه داخل في عموم دعوانا على أهل الباطل من أنهم يصدقونهم فيما يقولون لهم ويعملون به بعد سماعهم نهي النبي عنهم وتكذيبه لهم، بل أكثرهم يعلمونه ويسمعونه عنادًا للدين وإتباعًا للشياطين والمعاندين وما ادعوا ولايتهم وهم مردة الشياطين، وإنما نعني ما هو كفر دون كفر لا يخرج عن الإسلام ككفران العشير وهو ما عنى البخاري رحمه الله تعالى، وقوله باب كفران العشير وكفر دون كفر فيه عن إبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ ثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "رأيت النار ورأيت أكثر أهلها النساء بكفرهن قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط"، فقد أعرض النبي ﷺ عن السائل القائل أيكفرن بالله فأجابه بما هو ليس من المخرج عن الملة بل من الذنوب التي يستقر معها حكم الإسلام فقال: " يكفرن العشير" كفران العشير كفران نعمة لا يخرج عن الملة، وقد نص عليه أئمة الحديث من العلماء في شرح البخاري وغيره، ولهم في هذه الأحاديث التي يطلق الكفر فيها مسالك، منهم من يحملها على من يفعل ذلك مستحلًا، ومنهم من حملها على التغليظ لا على الكفر الذي ينقل، منهم ابن عباس وعطاء، قال النخعي: هو كفر بالنعم، ونقل عن الإمام أحمد وقاله طاووس، وحكى ابن حامد عن الإمام أحمد جواز إطلاق الكفر والشرك على بعض الذنوب التي لا تخرج عن الملة، وروي عن أحمد أنه كان يتوقى الكلام في تفسيره هذه النصوص تورعًا ويمرها كما جاءت من غير تفسير لها كغيره من أئمة السلف كما تقدم مع اعتقادهم ان المعاصي لا تخرج عن الملة وقد قال البخاري: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول
[ ١٣٢ ]
النبي ﷺ: "انك امرؤ فيك جاهلية " وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فسماهم مؤمنين.
(وأما قولكم وقال العلامة ابن القيم في كتابه في الصلاة الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة كفر عملي وتحقيقه ان الكفر كفر عملي كفر جحود، فكفر الجحود ان يكفر بما علم ان الرسول جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه إذ حقيقة الإيمان التصديق وأما الكفر العملي فهو نوعان نوع يضاد الإيمان ويصير فاعله في حكم الكفر الاعتقادي كالسجود للصنم وسب الرسول وقتله والاستهزاء والاستهانة بالمصحف والذي يقوي عندي أن يكون هذا من الكفر الاعتقادي والعملي معًا، فإنه لا يسجد للصنم وهو مؤمن بالله ولا يهين المصحف أو يسب نبيًا أو يقتله وهو مصدق أنه نبي، ألا ترى إلى قريش في صلح الحديبية لم يرضوا أن يكتب "هذا ما صالح عليه رسول الله وقالوا: اكتب محمد بن عبد الله لو نعلم أنك رسول الله لما صددناك عن البيت" الحديث، ونوع لا يضاده كالحكم بغير ما أنزل الله فان الله سمى فاعله كافرًا ومثله تارك الصلاة سماه رسول الله كافرًا كما سمعته آنفًا ولكن هذا كفر عملي لا كفر اعتقاد) .
فنقول: أنتم إنما فهمتم من كلام ابن القيم ان الكفر الصريح لا يصرن عمليًا بل هو خاص بالاعتقادي أو مع اقترانه بالعملي فأما مجرد العملي فلا يكون كفرًا موجبًا للردة حقيقة وفهمتم منه أيضًا ان مراده بالكفر العملي عمل الجوارح الخاص بها وهذا فهم باطل وتعليل عاطل من وجوه:
(أحدها): أن ابن القيم رحمه الله تعالى قد شنع في كلامه التشنيع الكلي على من شك في كفر تارك الصلاة كفرًا موجبًا للردة والخلود في النار والحالة هذه وعبارته ما نصه: "ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودُعي إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه وشد للقتل وعصبت عيناه وقيل له تصلي وإلا قتلناك فيقول اقتلوني ولا أصلي أبدًا، ومن لا يكفر تارك الصلاة يقول هذا مؤمن مسلم يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين وبعضهم يقول هو مؤمن
[ ١٣٣ ]
كامل الإيمان إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل أفلا يستحي من هذا قوله، من إنكاره تكفير من شهد بتكفير الكتاب والسنة واتفاق الصحابة.
(الثاني): أنه جعل في كتابه في الصلاة شعب الإيمان قسمين قولية وفعلية وكذلك شعب الكفر نوعين قولية وفعلية فكما ان من شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان كالصلاة، وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية فكما يكفر بكلمة الكفر اختيارًا وهي شعبة من شعب الكفر، كذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف والصلاة وقتل الأنبياء فإنه كفر عملي.
(الثالث): أنه جعل حقيقة الإيمان مركبة (من قول) وقسمه إلى قسمين: قول القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام (ومن عمل) وقسمه إلى قسمين أيضًا، عمل القلب وهو نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده، وعمل الجوارح، ورتب زوال الإيمان بكماله على زوال هذه الأربعة، فإن زال بعضها، فإن كان التصديق، لم ينفع باقي ما أتى به، وان كان غيره، فإن كان عمل القلب فقط أو مع الجوارح فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وانه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده للأوامر وان عملت الجوارح ظاهرًا ومع انتفاء عملها اللازم منه انتفاء عمل القلب وعبارته ما نصها: ومنها أصل آخر وهو ان حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب وهو اعتقاده وتصديقه، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله وإذا زال تصديق القلب لم تنفعه بقية الأشياء فإن تصديق القلب شرط في اعتبارها لكونها نافعة صحيحة، وإذا زال عمل القلب فقط مع وجود اعتقاد الصدق أو زال عمل الجوارح أيضًا فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع مجرد التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده للأوامر سواء عملت الجوارح ظاهرًا أو لم تعمل ووجد التصديق، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول بل ويقرون به سرًا وجهرًا ويقولون ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به وإذا
[ ١٣٤ ]
كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم عمل الجوارح، ولاسيما إذا كان ملزومًا لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره، فإنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد لأطاعته الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان فإنه ليس مجرد التصديق كما تقدم كلامنا فيه ودلائلنا عليه، وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس مجرد معرفة الحق وتثبيته، بل هو معرفة المستلزمة لإتباعه والعمل بموجبه، وان سمي الأول هدى فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن التصديق وان سمي تصديقًا فليس هو التصديق المستلزم للإيمان.
(الرابع قوله): وههنا أصل آخر وهو ان الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم ان الرسول جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكام دينه وما جاءت به رسله، وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل، فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده، فالأول: كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه والاستهزاء بما جاء به والحكم بغير ما أنزل الله حيث كان فيه رد لنص حكم الله عيانًا راضيًا بذلك وترك الصلاة عنادًا وبغيًا.
الثاني: من أتى بمعصية لا تخرجه عن الإيمان بالكلية كالزاني والسارق وشارب الخمر ومن لا يأمن جاره بوائقه، لكن السجود لصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه والاستهزاء بما جاء به عمل قلبي لظهوره مضاد للإيمان، وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي المحض قطعًا ولا يمكن ان ينفي عنه اسم الكفر بعد ان أطلقه الله ورسوله عليه بلا قرينة تقتضي انتفاءه عنه كما انتفت حقيقته عن مرتكب الكبيرة مع تسميته كافرًا فالحكم بغير ما أنزل الله كافر وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله ﷺ ولكن هو كفر عملي لا كفر اعتقادي ومن الممتنع أن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا وسمى رسوله تارك الصلاة كافرًا ولا يطلق
[ ١٣٥ ]
عليهما اسم الكفر حقيقة مع انتفاء نص على بقائهما مؤمنين فان مراد ابن القيم ﵀ بالكفر العملي هنا زوال شعبة فعلية موجب زوالها زوال الإيمان وثبوت شعبة فعلية من شعب الكفر موجب ثبوتها ثبوت الكفر، فالعملي هنا أعم من عمل القلب والجوارح في الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة وغيرهما وان بقي قول القلب وهو اعتقاده وتصديقه لانتفاء عمله وهو محبته وانقياده لفعل الأوامر، وفائدة قوله العملي المحض أي مع بقاء تصديق القلب من غير انقياد، وهو لا يستلزم الإيمان الموجب للإسلام.
(الخامس): تصريحه بأن ترك الصلاة عمدًا والحكم بغير ما أنزل الله حيث كان فيه رد لنص حكم الله عيانًا عمدًا كفر حقيقة مضاد للإيمان.
(السادس): تفصيله وتفرقته بين كفر تارك الصلاة والحاكم بغير ما أنزل الله بشرطه، وبين كفر السارق والزاني وشارب الخمر ومن لم يأمن جاره بوائقه، فجعل كفر هؤلاء من جهة أعمالهم الظاهرة في قوله، وقد نفى النبي ﷺ اسم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر وعمن لم يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل الظاهر منه منتف عنه كفر عمل القلب لبقاء محبته وانقياده حكمًا، فحكم الإسلام جار عليه كما تقدم، لكن ليس بمؤمن حقًا، وإلى ذلك أشار بقوله وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد إذ عمل القلب هنا باق لم يفقد زيادة على قوله الذي هو التصديق وكذا قوله ﷺ: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" فهذا كفر عملي ظاهر في الجوارح فقط، وعمل القلب على حاله كما تقدم في الذي قبله، وكذا يقال في قوله ﷺ: "من أتى كاهنًا فصدقه أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد " وقوله: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" وأمثاله هذا كما تقدم الكلام فيه موضحًا.
(السابع): جعله الإيمان العملي يضاده الكفر العملي فيما إذا اتصف شخص بذاك تارة وبهذا أخرى كالذين ثبت إيمانهم بما عملوا به من الميثاق المأخوذ عليهم في الكتاب ﴿لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ثم ثبت
[ ١٣٦ ]
كفرهم بما تركوه منه ومخالفتهم له، كمن يؤمن عاملًا ببعض ويعرض تارة عن بعض، فالإيمان الاعتقادي والحالة هذه يضاد الكفر الاعتقادي، وقد أعلن النبي ﷺ بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ففرق بين سبابه وقتاله، وجعل أحدهما فسقًا لا يكفر به، والآخر كفر، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي الظاهر لا الاعتقادي، وهو عمل القلب، فما دام محبًا منقادًا لفعل الأوامر لزم منه فعل المأمورات من صلاة وغيرها، ومتى فقد عمله فقدت المأمورات وان وجد قوله وهو مجرد التصديق بلا انقياد، وإذا حصلت هفوة للقلب بوجود الران عليه من نحو شدة فرط الشهوة فحصل شيء من المعاصي المتقدمة الظاهرة في الجوارح وعمل القلب باق على ما كان عليه أولًا فحكم الإسلام باق ولكن انتفى عنه كمال الإيمان بظاهر أعماله السيئة، ومتى أطلق عليه اسم الكفر بذلك فإنه لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية كما تقدمت دلائله من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وان زال عنه اسم الإيمان، وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فان المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين: فريقًا أخرجوا من الملة أهل الكبائر ونصوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقًا جعلوهم مؤمنين، وهؤلاء الذين جعلوهم مؤمنين لا يرون ترك الصلاة كفرًا بل عندهم الإيمان مجرد التصديق وهو قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع صالح سلف الأمة.
(الثامن): انه قد قال والمقصود ان سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر، وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، فلا يسمى تارك الصلاة مسلمًا ولا مؤمنًا، إلى أن قال هل هي شرط لصحة الإيمان، هذا سر المسألة، والأدلة التي ذكرناها تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة فهي مفتاح ديوانه ورأس مال ربحه، ومحال بقاء الربح بلا رأس مال، فإذا خسرها خسر أعماله كلها وان أتى بها صورة، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا في قوله: "وإن ضيعها فهو لما سواها أضيع" وفي قوله: " أول ما ينظر في أعماله الصلاة فإن جازت له نظر في سائر أعماله، وان لم تجز له لم ينظر إلى شيء من أعماله" فصريح كلام ابن القيم المتقدم موافق لكلام الله وسنة رسوله ان
[ ١٣٧ ]
تارك الصلاة عمدًا كافر مستوجب لخلوده في النار، وقد زعم صاحب المقدمة ان الكفر الحقيقي خاص بالاعتقاد وهو عدم تصديق القلب أو مع عمل الجوارح أيضًا كالسجود للصنم وإهانة المصحف وقتل النبي فأما فقدان عمل القلب فقط فلا يكون كفرًا حقيقيًا واستدل على ذلك بقوله: ولا يهين المصحف أو يسب نبيًا أو يقتله وهو مصدق أنه نبي، وبقول قريش لو نعلم انك رسول الله لما صددناك عن البيت وزعمه ذلك وهم باطل وفهم عاطل من وجوه:
(أحدها): انه قد فهم ان العمل إنما منشأه ومورده الجوارح خاصة، فأما القلب فليس فيه إلا الاعتقاد وهو التصديق خاصة وهذا مناف لمعرفة حقيقة الإيمان الذي تترتب على معرفته دعوى العلم والقول به، فان حقيقته مركبة من عمل القلب وهو محبته وانقياده وإخلاصه لفعل الأوامر وإتباع الرسل في كل ما جاؤا به من عند الله، وعمل الجوارح فيما يوجد من قبلها عند طاعة القلب وانقياده قال ﷾: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ومن قوله وهو تصديقه في كل ما جاءت به الرسل وقول اللسان وهو المتكلم بكلمة الإسلام والإقرار بما يجب الإيمان به، ففي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فإن أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ولفظه لمسلم.
(الثاني): انه فهم ان الإيمان يكفي فيه مجرد التصديق القلبي وان لم يوجد عمله ولا عمل الجوارح وهذا بعينه قول المرجئة ومعتقدهم، فإنهم يقولون الإيمان قول بلا عمل، وقد رد البخاري وغيره من الأئمة الأعلام على هؤلاء القوم اللئام وبينوا غلطهم وسوء اعتقادهم للكتاب والسنة ومذاهب الأئمة كمالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين وأهل العراق والحجاز
[ ١٣٨ ]
والشام وغيرهم قال البخاري في رده عليهم باب أمور الإيمان وباب الصلاة من الإيمان وباب الزكاة من الإيمان وباب الجهاد من الإيمان، فأهل السنة مجمعون على أنه متى زال عمل القلب فقط أو هو مع عمل الجوارح زال الإيمان بكليته وان وجد مجرد التصديق فلا ينفع مجردًا عن عمل القلب والجوارح معًا أو أحدهما، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول ﷺ سرًا وجهرًا.
(الثالث): قوله والذي يقوى عندي أن يكون هذا من الكفر الاعتقادي والعملي معًا فإنه عني بالاعتقاد عدم التصديق من الذين سبوا الرسول واستهزؤوا به وهذا يرده صريح قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ قال المفسرون معنى ذلك أنهم لا يكذبونك يا محمد ولكنهم يجحدون آيات الله، فالجحدان والتكذيب راجع للآيات نفسها لا للرسول، فان القوم لم يكونوا يكذبونه في السر بل أكثرهم يصدقه علانية فان الحرب ابن عامر من قريش قال: يا محمد والله ما كذبت قط ولكن ان اتبعناك نتخطف من أرضنا فنحن لا نؤمن بك لهذا السبب وقال الأخنس بن شريق لأبي جهل: يا أبا الحكم اخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا أحد غيرنا فقال له: والله ان محمدًا لصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، فهم لا يكذبونه بقلوبهم بل ولا بألسنتهم فيما بينهم ولكن لا يعترفون به ظاهرًا عنده، فهم وان قالوا ظاهرًا لولا أنزل عليه ملك، يعرفونه في قلوبهم كما يعرفون أبناءهم لكن منهم من يتعنت فيقوله بلسانه يجب أن يكون رسول الله من جنس الملائكة، وذكر الله ذلك عنهم في سورة الأنعام شبهة لهم وأجاب تعالى عنهم، ومنهم من يقول ان محمدًا يخبرنا بالحشر والنشر بعد الموت وذلك محال، وكانوا يستدلون بامتناع الحشر والنشر على الطعن في رسالته ظاهرًا فذكر الله ذلك وأجاب عنهم بأجوبة كثيرة هي موجودة في القرآن فشافهتهم له بالسفاهة والاستهزاء أو القتل كما قتلوا الأنبياء من قبل وقلوبهم معترفة ولكن جحدوا بآيات ربهم كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ .
[ ١٣٩ ]