(وأما قولكم الإمام يجب نصبه على المكلفين) .
فنقول هذا الحد وهم إذ نصبه فرض كفاية، وحده شرعًا ما إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، فهو مباين للواجب لغة، مرادف له شرعًا، إلا أن الواجب وضعه على الأعيان والكفاية على العموم. وقالت الحنفية الكفاية آكد من الواجب لأن حده ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني، وهو رواية عن أحمد، وحد الواجب من حيث ما عوقب تاركه أو توعد بالعقاب على تركه. فنصب الإمام فرض كفاية يخاطب بذلك طائفتان من الناس أحداهما أهل الاجتهاد حتى يختاروا الأصلح. الثانية من توجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب احدهم لها ويعتبر في أهل الاختيار ثلاثة
[ ٨٢ ]
شروط. أحدها العدالة. الثانية العلم المتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة. الثالث أن يكونوا من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو الأصلح للإمامة. ويشترط فيه الحرية والذكورة والعدالة والعلم بالأحكام الشرعية والكفاية في أمر المسلمين وسياستهم وإقامة الحدود لا تلحقه رأفة في ذلك، ويجبر شخص متعين لها وهو كيل المسلمين فيما لهم وما عليهم ويثبت نصبه بإجماع أهل الحل والعقد، وبنص إمام بها لمن بعده لأن أبا بكر ﵁ عهد إلى عمر بن الخطاب ﵁ ولم يحتج في ذلك إلى أحد، ويثبت باجتهاد كفعل عمر وجعله الأمر شورى بين ستة من الصحابة ويثبت بقهر كما لو تنازع الإمامة عدد يصلح كل منهم لها فقهر أحدهم من سواه فإنه تثبت له الإمامة وتلزم الرعية طاعته لما في الخروج على من ثبتت إمامته بالقهر من شق عصى المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم، والخارج قد دخل في عموم قول النبي ﷺ: " من خرج على أمتي وهم جمع فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان". وقريش إن وجدوا وتوفرت فيهم الشروط المذكورة أحق لقوله ﷺ: " الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها" أخرجه الحاكم من حديث على بن أبي طالب وله شواهد أخر عنه ﷺ، والمراد بالفجار الفسقة المسلمون، وإنما نصب الإمام لأن بالناس إليه حاجة الحماية لبيضة المسلمين والذب عنهم وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففي نصب الإمام مصالح الدنيا والآخرة وسعادة المسلمين في الدنيا ونظم مصالحهم في معايشهم وما يستعينون به على إظهار دينهم وطاعة ربهم، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: "إن الناس لا يصلحهم إلا إمام برًا كان أو فاجرًا يعبد المؤمن ربه.
وقال الحسن في الأمراء: ثم إنهم يلون من أمورنا خمسًا. الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم وان جاروا وظلموا والله إن الله ليصلح بهم أكثر مما يفسدون. وتحرم مشاقة الإمام والخروج عن طاعته فيما ليس بمعصية، فأخرج الخلال في كتاب الإمارة من حديث أبي أمامة قال: أمر النبي ﷺ أصحابه حين صلوا العشاء أن احشدوا فإن لي إليكم حاجة فلما فرغوا من صلاة الصبح قال: " فهل حشدتم كما أمرتكم" قالوا: نعم قال: "اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا هل عقلتم هذه ثلاث مرات" قلنا: نعم. قال: "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة
[ ٨٣ ]
هل عقلتم هذه؟ ثلاث مرات" قلنا: نعم. قال: "اسمعوا وأطيعوا هل عقلتم هذه؟ ثلاث مرات" قلنا: نعم. قال: فكنا نرى أن رسول الله ﷺ يتكلم كلامًا طويلًا ثم نظرنا في كلامه فإذا هو قد جمع لنا الأمر كله. فبالسمع والطاعة وصى النبي ﷺ في خطته في حجة الوداع فأخرج، الإمام أحمد والترمذي من رواية أم الحصين الأحمسية ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع فسمعته يقول: "يا أيها الناس اتقوا الله وان أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله" وأخرج الإمام أحمد والترمذي أيضًا من حديث أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول: "اتقوا الله صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا أمراءكم تدخلوا جنة ربكم" وفي رواية أخرى: " يا أيها الناس أنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم" وذكر الحديث بمعناه وفي المسند للإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " من لقي الله لا يشرك به شيئًا وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبًا وسمع وأطاع فله الجنة أو دخل الجنة" وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" متفق عليه.
[ ٨٤ ]