قوله: (مع ما سهَّلَ سبيلَ ما أَشكل من ذلك من تفسير الرَّاسخين، وبيانِ المتفقِّهين):
أي: مع ذِكر ما يسهل ذلك، من شروح الراسخين في العلم وبيانِ المتفقّهين. والراسخون في العلم: هم المتمكِّنون فيه، ومُراده بالمتفقِّهة: العالمون بالفقه، ولا يريد بالمتفقِّه المعنى الشائع وهو المشتغلُ بالفقه وإن لم يكن فقيهًا؛ لأنَّه عطف المتفقهة على الراسخين في العلم، والذين لديهم القدرةُ على بيان ما أشكلَ من المسائل هم المعتنون بالفقه، المجتهدون فيه.
قوله: (لِمَا رَغِبْتَ فيه مِنْ تعليم ذلك للوِلدان، كما تُعلِّمُهم حُروفَ القرآنِ): وقوله هذا كما تقدَّم؛ ليجمعَ لهم بين تعليم حروفِ القرآنِ وألفاظِه؛ ليُتقنوا النُّطقَ به، ويُضيف إلى ذلك تعلُّمَ أصولِ الاعتقادِ ومسائلَ في أبواب الفقه، وهكذا ينبغي أن لا يُقتصر في تعليم الشباب في حِلق التحفيظِ على حروف القرآن، بل ينبغي أن يُعَلَّمُوا أيضًا من الفقه، ومسائل العقيدةِ، فيقرَّرُ لهم بعض المختصرات في العقيدة والفقه؛ لتعليمهم أحكامَ دينهم، فإنَّ هذا أيضًا هو من مقاصد تعلُّمِ القرآن، فليس المقصودُ الوحيدُ من تعليم الأولاد القرآن تعلُّمَ ألفاظِه كما هو الحاصلُ من كثيرٍ من المسلمين؛ يقفون عند تعليم ألفاظ القرآن، ويَعنونَ ببعض التجويد فقط، وينشغلونَ بدراسة التجويدِ والقراءات عن العناية بالأحكام المأخوذة من القرآن والسنَّة.
[ ٣٤ ]
وقد كان الصحابةُ والتابعون يتعلمونَ القرآنَ ولا يتجاوزون عشرَ آياتٍ حتى يتعلَّموا معانيهنَّ والعملَ بِهنَّ (^١)، فينبغي أنْ يُلتفتَ إلى هذا المنهج وهو تعليمُ المعاني والأحكام.
_________________
(١) قال أبو عبدُ الرَّحمن السُّلَمي: «حدثنا الذين كانوا يُقرِئونَنَا القرآنَ؛ كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرِهما أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النبي ﷺ عشرَ آياتٍ لم يجاوِزُوها حتى يتعلَّموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلَّمْنَا القرآن والعلم والعمل جميعًا». أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٩٢٩)، وأحمد (٢٣٤٨٢)، والطبري في «تفسيره» (١/ ٧٤)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٤٥١) من طرق، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي. وأخرجه الطحاوي (١٤٥٠)، والحاكم (٢٠٤٧) من طريق عبد الله بن صالح، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود، به. وعبد الله بن صالح وشريك النخعي سيئا الحفظ، وعطاء فيه لين واختلاط. ينظر تراجمهم بالتوالي في: ميزان الاعتدال (٢/ ٤٤٠ رقم ٤٣٨٣)، و(٢/ ٢٧٠ رقم ٣٦٩٧)، و(٣/ ٧٠ رقم ٥٦٤١). وأصح منه: ما أخرجه الطبري (١/ ٧٤) من طريق الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، به. وله شاهد عن ابن عمر قال: «لقد عشنا بُرهةً من دهرنا وإن أحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ فيتعلَّمُ حلالَها وحرامَها، وما ينبغي أن يُوقف عنده فيها، كما تعلمون أنتم القرآن» ثم قال: «لقد رأيت رجالًا يؤتى أحدهم القرآن؛ فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما أمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، ينثره نثر الدقل!» أخرجه الحاكم (١٠١) من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن القاسم بن عوف الشيباني، به. وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة ولم يخرجاه» وليس كما قال، فالقاسم بن عوف الشيباني: لم يرو له البخاري شيئًا، ولم يرو له مسلم إلا حديثًا واحدًا ليس له عنده غيره؛ كما قال المزي في «تهذيب الكمال» (٢٣/ ٤٠١ رقم ٤٨٠٥)، وقد تكلَّم فيه بعض أهل العلم، لكنه يعتبر به.
[ ٣٥ ]