المعنى: أنَّه لا يُدركُ أحدٌ كُنْهَ صفاته، ولهذا امتنع التكييفُ، فلا يجوزُ التفكُّرُ في كيفيةِ ذاته، أو كيفيةِ صفاته، فلا يقال: كيف ينزل؟ كيف يجيءُ؟ كيف يغضبُ؟ كيف يتكلمُ؟ فكلُّ هذا ممتنعٌ، لا يجوزُ التفكيرُ فيه، ولا السؤالُ عنه لأنه لا سبيل إلى معرفته، ولهذا أنكرَ الأئمة ذلك وقالوا: «والكيفُ مجهولٌ» (^٢)، فأنكروا على من يسألُ عن كيفيةِ الاستواءِ وغيره من الصفاتِ.
قوله: (ولا يُحيطُ بأمره المتفكِّرون): يعني بحقيقتِه وشأنِه، فشأنُه لا يُحيطُ به المُتفكِّرون، فلا يجوزُ التفكّر في ذاتِه، وقد جاءَ في الأثرِ: «تَفكَّروا
_________________
(١) ينظر تقرير هذه القاعدة في: مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٢)، ودرء التعارض (١/ ٢٩٨)، والجواب الصحيح (٥/ ٨)، وبدائع الفوائد (١/ ٢٨٤)، وشرح التدمرية (ص ٤١٧).
(٢) جاء هذا الأثر عن ربيعة ومالك. ينظر: الرد على الجهمية للدارمي (ص ٦٦، رقم ١٠٤)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٤١، رقم ٦٦٤)، (٣/ ٥٨٢ رقم ٩٢٨)، والإبانة الكبرى (٧/ ١٦٣ رقم ١٢١)، والحلية (٦/ ٣٢٥)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٣٠٤، رقم ٨٦٦ - ٨٦٧ - ٨٦٨)، والتمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٥١) وقد صحَّح هذا الأثر عن مالك: الذهبي في «العلو» (ص ١٣٨، رقم ٣٧٧)، وجوَّد إسناده ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، وقوَّاه الألباني في «مختصر العلو» (ص ١٤١). وقد رُوي عن أمِّ سلمة ﵂ موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يُعتمد عليه. ينظر: شرح حديث النزول (ص ١٣٣).
[ ٥٨ ]
في مخلوقات اللهِ، ولا تَفكَّروا في ذات اللهِ» (^١)، قال ابنُ عبد البر: «وقد
_________________
(١) روي عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا: أخرجه مرفوعًا: أبو الشيخ في «العظمة» (رقم ٣) من طريق أحمد بن مهدي، عن عاصم بن علي، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به. وإسناده ضعيف، عاصم بن علي وأبوه ضعيفان، والأب أضعف، وعطاء اختلط بِأَخَرَة … والصواب وقفه، كما رواه غير واحد عن عاصم بن علي، وتابعه خالد الطحان كما سيأتي. وأخرجه موقوفًا: أبو الشيخ في «العظمة» (رقم ٢)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (رقم ٦١٨)، و(٨٨٧)، وابن بطة في «الإبانة» (رقم ١٠٨)، والأصبهاني في «الترغيب والترهيب» (رقم ٦٦٨) من طرق، عن عاصم بن علي، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، موقوفًا. ورواه بعضهم عن عاصم بن علي، عن عطاء، بإسقاط أبيه، وأورده ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٢/ ١٢٣)، وعزاه لعبد الله بن الإمام أحمد في «كتاب السنة». وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في «كتاب العرش» (رقم ١٦) من طريق خالد بن عبد الله الطحان، عن عطاء، به. وهذه متابعة جيدة لعاصم وأبيه، ولكن سماع خالد الطحان من عطاء بِأَخَرَة بعد اختلاطه. وللمرفوع شواهد: عن ابن عمر: عند أبي الشيخ في «العظمة» (رقم ١)، واللالكائي في «السنة» (رقم ٩٢٧)، والبيهقي في «الشعب» (رقم ١١٩) من طريق الوازع بن نافع، عن سالم، عن أبيه، به. والوازع هذا متروك! وعن عبد الله بن سلام: عند أبي نعيم في «الحلية» (٦/ ٦٦)، وأبي الشيخ في «العظمة» (رقم ٢١) من طريق عبد الجليل بن عطية القيسي، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن سلام مرفوعًا بنحوه. وعبد الجليل بن عطية وشهر بن حوشب، كلاهما ضعيفان. وروي أيضًا: عن أبي ذر، وأبي هريرة، ويونس بن ميسرة مرسلًا، ولا يصح في الباب شيء. وحسَّن الذهبيُّ في «العرش» (٢/ ١٧١) الموقوف، وقال ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٣٨٣): «موقوف، وسنده جيد». أما الألباني فقد حسَّن المرفوع بمجموع طرقه، وكذا قال السخاوي: «وأسانيدها ضعيفة، لكن اجتماعها يكتسب قوة، والمعنى صحيح». ينظر: المقاصد الحسنة (رقم ٣٤٢)، والمداوي للغماري (٣/ ٢٧٩)، والصحيحة (١٧٨٨).
[ ٥٩ ]