إذا سبقَ إليها الشرُّ أفسدَ هذه الفطرة؛ كما قال ﷺ: «ما من مولودٍ إلا يُولد على الفطرة فَأبواهُ يُهَوِّدانهِ أَوْ يُنصِّرانه أَوْ يُمَجِّسانه».
ومن المعلوم أنَّ الإنسان الذي يولدُ بين أبوين مسلمين؛ تَقَبُّلُه للخير - إذا تفتَّحَ عقلُه - معروفٌ وظاهرٌ، لكن مَنْ يولدُ بين كافرين إذا بلغ وقد تغيَّرتْ فطرتُه، فيحتاجُ في نقلِه من يهوديَّته ونصرانيَّته إلى جهدٍ جهيدٍ، فأرجى القلوب للخير وقبوله ووعيه ما لم يسبقِ الشرُّ إليه.
قوله: (وأَولى ما عُنِيَ به الناصحون ورغِبَ في أَجره الراغبون: إِيصالُ الخيرِ إلى قلوب أولادِ المؤمنين؛ ليرسخَ فيها):
أي: أولى ما عُنِيَ به الناصحون ورغِبَ في أجره الراغبون إيصالُ الخيرِ إلى أولاد المسلمين؛ ليرسخَ فيها ويتمكَّنَ ويسبقَ الشرَّ؛ لتسلمَ فِطَرهم وتستقيمَ وتستنيرَ بالخير، والعلم عقولهم.
وهذا لا شكَّ أنه خير ما يُقَدَّمُ للصغار الناشئين، وهو تقديمُ العلمِ والأدب والتربية الصالحة.
وهذا الخيرُ - كما تقدَّم - شاملٌ للأمور العلميَّةِ الاعتقاديَّة، والأمورِ العمليةِ من الأقوال السديدةِ، والأعمالِ الرشيدةِ، فالخيرُ الدينيُّ شاملٌ للمسائل العلميَّة والاعتقادات الصحيحة، وللأعمال الصالحة القلبيَّة، وأعمال الجوارح، وأقوال اللسان.
قوله: (وتنبيهُهم على معالمِ الديانةِ، وحدودِ الشريعةِ؛ ليُراضوا عليها، وما عليهم أن تعتقدَه من الدِّين قلوبُهم، وتعملَ به جوارحُهم؛ فإنَّه رُويَ
[ ٤٠ ]
أنَّ تعليمَ الصِّغارِ لكتاب اللهِ يُطفئُ غضبَ اللهِ (^١)، وأنَّ تعليمَ الشيء في الصِّغَر كالنَّقش في الحَجر (^٢):
_________________
(١) رواه الربيع بن حبيب في «مسنده» (٢٣) من طريق أبي عُبيدة، عن جابر بن زيد، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ. والربيع بن حبيب الإباضي، مجهول ليست له ترجمة، وكذلك شيخه أبو عبيدة مسلم بن كريمة، وكتابه «المسند» هذا مشحون بالأحاديث المنكرة والباطلة، ثم هو منقطع بين أبي عبيدة وجابر بن زيد؛ لعدم الدليل على تتلمذ أبي عبيدة على جابر بن زيد. ينظر: الضعيفة (١٣/ ٦٥٩، رقم ٦٣٠٢)، ومسند الربيع بن حبيب الإباضي دراسة نقدية، لسعد آل حميد. وروي بلفظ آخر: «إن الله ﷿ لا يغضب، فإذا غضب سبَّحت الملائكة لغضبه، فإذا اطلع إلى الأرض فنظر إلى الولدان يقرؤون القرآن تملأ رضا». أورده ابن عدي في «الكامل» (٥/ ٣٥٣ رقم ١٠١٨) في ترجمة عبد الله بن أيوب بن أبي علاج وقال: منكر. وابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ١٨٢ رقم ٢٦٦) وقال: لا يصح وألفاظه منكرة. والذهبي في «الميزان» (٢/ ٣٩٤) في ترجمة المذكور (٤٢١٧) وقال: متَّهم بالوضع كذَّاب مع أنه من كبار الصالحين، ثم ذكر الحديثَ فقال عقبه: هذا كذب بيّن. ووافقه الحافظ ابن حجر في «اللسان» (٤/ ٤٣٨، ترجمة ٤١٦٧).
(٢) روي بلفظ: «مثل الذي يتعلم العلم في صغره كالنقش في الحجر، ومثل الذي يتعلم العلم في كبره كالذي يكتب على الماء». وعزاه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٢٥) للطبراني في «الكبير» عن أبي الدرداء، به. وقال الهيثمي: «فيه مروان بن سالم الشامي ضعفه البخاري ومسلم وأبو حاتم». ومروان بن سالم الجزي هذا متهم؛ كما يشير إلى ذلك قول البخاري فيه: «منكر الحديث». التاريخ الكبير (رقم ١٦٠٢)، ورماه أبو عروبة الحراني والساجي بالوضع. وينظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (رقم ١٢٥٥)، والمجروحين لابن حبان (٣/ ١٣)، والميزان (٤/ ٩٠، رقم ٨٤٢٥)، وتهذيب التهذيب (رقم ١٧١). وقال الألباني في الضعيفة (٦١٨): «موضوع». ورواه ابن الجوزي من طريق هناد بن إبراهيم النسفي بسنده عن بقية بن الوليد، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من تعلم العلم وهو شاب كان بمنزلة وسم في حجر، ومن تعلمه بعد كبر =
[ ٤١ ]