ويقويك الله على مباشرتها، ويعينك على معالجتها. وأعظم شدة - تنزل بالمؤمن - شدة الموت وسكراته.
فهذا الحديث بشرى لكل مؤمن - قد تعرف إلى ربه في رخائه - أن يعينه في ذلك المقام الحرج، والشدة المزعجة، وضعف القوى، وتكاثف الشياطين الذين يريدون أن يحولوا بين العبد وبين ختم حياته بالخير. فإن الله يعينه بتأييده، وروحه ورحمته، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
٨- ومن ثمرات الإيمان ولوازمه - من الأعمال الصالحة - ما ذكره الله بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [سورة مريم: ٩٦] أي بسبب إيمانهم وأعمال الإيمان، يحبهم الله ويجعل لهم المحبة في قلوب المؤمنين. ومن أحبه الله وأحبه المؤمنون من عباده حصلت له السعادة والفلاح والفوائد الكثيرة من محبة المؤمنين من الثناء والدعاء له حيا وميتا، والاقتداء به، وحصول الإمامة في الدين.
وهذه أيضا من أجل ثمرات الإيمان، أن يجعل الله المؤمنين الذين كملوا إيمانهم بالعلم والعمل - لسان صدق - ويجعلهم أئمة يهتدون بأمره كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة السجدة: ٢٤]، فبالصبر واليقين - اللذين هما رأس الإيمان وكماله - نالوا الإمامة في الدين.
٩ - ومنها: قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة المجادلة: ١١] .
فأهل الإيمان والعلم يرفعهم الله في الدنيا والآخرة فهم أعلى الخلق درجة عند الله، وعند عباده في الدنيا والآخرة.
وإنما نالوا هذه الرفعة بإيمانهم الصحيح وعلمهم ويقينهم والعلم، واليقين من أصول الإيمان.
[ ٩٣ ]
١٠ - ومن ثمرات الإيمان: حصول البشارة بكرامة الله، والأمن التام من جميع الوجوه.
كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٣] فأطلقها؛ ليعم الخير العاجل والآجل، وقيدها في مثل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [سورة البقرة: ٢٥] فلهم البشارة المطلقة والمقيدة.
ولهم الأمن المطلق في مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٨٢] .
ولهم الأمن المقيد في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٨] . فنفى عنهم الخوف لما يستقبلونه، والحزن مما مضى عليهم. وبذلك يتم لهم الأمن.
فالمؤمن له الأمن التام في الدنيا والآخرة، أمن من سخط الله وعقابه، وأمن من جميع المكاره والشرور. وله البشارة الكاملة بكل خير، كما قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [سورة يونس: ٦٤] . ويوضح هذه البشارة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [سورة فصلت: ٣٠ - ٣٢] .
[ ٩٤ ]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحديد: ٢٨] .
فرتب على الإيمان حصول الثواب المضاعف، وكمال النور الذي يمشي به العبد في حياته، ويمشي به يوم القيامة ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [سورة الحديد: ١٢] فالمؤمن يمشي في الدنيا بنور علمه وإيمانه، وإذا طفئت الأنوار يوم القيامة، مشى بنوره على الصراط حتى يجوز به إلى دار الكرامة والنعيم.
وكذلك رتب المغفرة على الإيمان، ومن غفرت سيئاته سلم من العقاب، ونال أعظم الثواب.
١١- ومن ثمرات الإيمان: حصول الفلاح - الذي هو إدراك غاية الغايات، فإنه إدراك كل مطلوب، والسلامة من كل مرهوب - والهدى الذي هو أشرف الوسائل.
كما قال تعالى - بعد ذكره المؤمنين بما أنزل على محمد ﷺ وما أنزل على من قبله، والإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة اللتين هما من
[ ٩٥ ]
أعظم آثار الإيمان - قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥] .
فهذا هو الهدى التام، والفلاح الكامل.
فلا سبيل إلى الهدى والفلاح - اللذين لا صلاح ولا سعادة إلا بهما - إلا بالإيمان التام بكل كتاب أنزله الله، وبكل رسول أرسله الله. فالهدى أجل الوسائل، والفلاح أكمل الغايات.
١٢- ومن ثمرات الإيمان: الانتفاع بالمواعظ والتذكير والآيات.
قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذرايات: ٥٥]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الحجر: ٧٧] .
وهذا؛ لأن الإيمان يحمل صاحبه على التزام الحق واتباعه علما وعملا. وكذلك معه الآلة العظمة، والاستعداد لتلقي المواعظ النافعة والآيات الدالة على الحق، وليس عنده مانع يمنعه من قبول الحق، ولا من العمل به.
وأيضا فالإيمان يوجب سلامة الفطرة، وحسن القصد. ومن كان كذلك انتفع بالآيات.
ومن لم يكن كذلك، فلا يستغرب عدم قبوله للحق، واتباعه له. ولهذا يذكر الله - في سياق تمنع الكافرين من تصديق الرسول، وقبول الحق الذي جاء به - السبب الذي أوجب لهم ذلك، وهو الكفر الذي في قلوبهم. يعني؛ لأن الحق واضح وآياته بينة واضحة، والكفر أعظم مانع يمنع من اتباعه. أي فلا تستغربوا هذه الحالة، فإنها لم تزل دأب كل كافر.
١٣- ومنها: أن الإيمان يحمل صاحبه على الشكر في حالة السراء، والصبر في حالة الضراء، وكسب الخير في كل أوقاته.
كما ثبت في الصحيح، عن النبي ﷺ، أنه قال: «عجبا لأمر المؤمن! إن»
[ ٩٦ ]