قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا
_________________
(١) الحق الواضح المبين، ص٨٧ - ٨٨، وانظر: شرح النونية للهراس، ٢/ ١٠٩، وتوضيح المقاصد، ٢/ ٢٣٦.
(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، فقد تكلم كلامًا نفيسًا في هذا، ٦/ ٣٨٢ - ٣٩٦.
[ ٨٤ ]
شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء﴾ (١)، وقال النبي - ﷺ -: «اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن » (٢) الحديث.
وقال - ﷺ -: «إن الله - ﷿ - لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفَعُهُ، يُرفَعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابُهُ النورُ لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُهُ من خلقه» (٣).
قال العلاّمة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: من أسمائه ﷻ ومن أوصافه «النور» الذي هو وصفه العظيم، فإنه ذو الجلال والإكرام، وذو البهاء والسبحات الذي لو كشف الحجاب عن وجهه الكريم
_________________
(١) سورة النور، آية: ٣٥.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه بالليل، برقم ٦٣١٧، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٦٩.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله - ﷺ -: إن الله لا ينام، برقم ١٧٩.
[ ٨٥ ]
لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهو الذي استنارت به العوالم كلها، فبنور وجهه أشرقت الظلمات، واستنار به العرش والكرسي والسبع الطباق وجميع الأكوان.
والنور نوعان:
١ - حسيٌّ كهذه العوالم التي لم يحصل لها نور إلا من نوره.
٢ - ونور معنوي يحصل في القلوب والأرواح بما جاء به محمد - ﷺ - من كتاب الله وسنة نبيّه. فعلم الكتاب والسُّنَّة والعمل بهما ينير القلوب والأسماع والأبصار، ويكون نورًا للعبد في الدنيا والآخرة: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ (١)، لما ذكر أنه نور السموات والأرض، وسمّى الله كتابه نورًا، ورسوله نورًا، ووحيه نورًا
ثم إن ابن القيم ﵀ حذّر من اغترار من اغترّ من أهل التصوف، الذين لم يُفَرِّقوا بين نور الصفات وبين
_________________
(١) سورة النور، آية: ٣٥.
[ ٨٦ ]
أنوار الإيمان والمعارف؛ فإنّهم لمّا تألّهوا وتعبّدوا من غير فرقان وعلم كامل، ولاحت أنوار التعبد في قلوبهم؛ لأنّ العبادات لها أنوار في القلوب، فظنّوا هذا النور هو نور الذات المقدسة، فحصل منهم من الشطح والكلام القبيح ما هو أثر هذا الجهل والاغترار والضلال.
وأما أهل العلم والإيمان والفرقان فإنهم يُفَرِّقون بين نور الذات والصفات، وبين النور المخلوق الحسي منه والمعنوي، فيعترفون أن نور أوصاف الباري ملازم لذاته لا يفارقها، ولا يحلّ بمخلوق، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. وأما النور المخلوق فهو الذي تتصف به المخلوقات بحسب الأسباب والمعاني القائمة بها.
والمؤمن إذا كَمُلَ إيمانه أنار الله قلبه، فانكشفت له حقائق الأشياء، وحصل له فرقان يُفَرِّق به بين الحق والباطل، وصار هذا النور هو مادة حياة العبد وقوته على الخير علمًا وعملًا، وانكشفت عنه الشبهات القادحة في العلم واليقين، والشهوات الناشئة عن الغفلة والظلمة،
[ ٨٧ ]
وكان قلبه نورًا، وكلامه نورًا، وعمله نورًا، والنور محيط به من جهاته.
والكافر، أو المنافق، أو المعارض، أو المعرض الغافل كل هؤلاء يتخبّطون في الظلمات، كل له من الظلمة بحسب ما معه من موادها وأسبابها، والله الموفق وحده (١).