النصير: فعيل بمعنى فاعل أو مفعول؛ لأن كل واحد
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
(٢) تفسير ابن كثير، ١/ ٣٤٤.
(٣) سورة التحريم، الآية: ٤.
(٤) سورة التحريم، الآية: ٢.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه، برقم ٣٠٣٩، وفي كتاب المغازي، باب غزوة أحد، برقم ٤٠٤٣.
[ ١٤٢ ]
من المتناصرين ناصرٌ ومنصورٌ وقد نصره ينصره نصرًا إذا أعانه على عدوه وشدّ منه (١).
والنصير هو الموثوق منه بأن لا يسلم وليه ولا يخذله (٢). والله - ﷿ - النصير، ونصره ليس كنصر المخلوق: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٣)، وقد سمى نفسه ﵎ باسم النصير فقال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ (٥)، وقال - ﷿ -: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٦)، وقال سبحانه: ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٧).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ٦٤.
(٢) الأسماء والصفات للبيهقي، بتحقيق الشيخ عماد الدين أحمد، ١/ ١٢٧ - ١٢٨.
(٣) سورة الشورى، الآية: ١١.
(٤) سورة الفرقان، الآية: ٣١.
(٥) سورة النساء، الآية: ٤٥.
(٦) سورة الحج، الآية: ٧٨.
(٧) سورة الأنفال، الآية:٤٠.
[ ١٤٣ ]
والله - ﷿ - هو النصير الذي ينصر عباده المؤمنين ويعينهم كما قال - ﷿ -: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١). وقال - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (٣)، وقال جلَّ وعلا: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٥)، وقال - ﷿ -: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٠.
(٢) سورة محمد، الآية: ٧.
(٣) سورة غافر، الآية: ٥١.
(٤) سورة الروم، الآيتان: ٤ - ٥.
(٥) سورة الحج، الآية: ٤٠.
(٦) سورة الروم، الآية: ٤٧.
[ ١٤٤ ]
فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (١).
ونُصرةُ الله للعبد ظاهرة من هذه الآيات وغيرها، فهو ينصر من ينصره، ويعينه ويسدّده. أما نُصْرَة العبد لله فهي: أن ينصر عباد الله المؤمنين والقيام بحقوق الله - ﷿ -، ورعاية عهوده، واعتناق أحكامه، والابتعاد عما حرّم الله عليه، فهذا من نصرة العبد لربه، كما قال - ﷿ -: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ وقال: ﴿كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣)، ومن نصر الله بطاعته والابتعاد عن معصيته نصره الله نصرًا مؤزّرًا (٤).
والله - ﷿ -: ينصر عباده المؤمنين على أعدائهم، ويبين لهم ما يحذرون منهم، ويعينهم عليهم، فولايته تعالى فيها
_________________
(١) سورة الحج، الآية: ١٥.
(٢) سورة الصف، الآية:١٤.
(٣) سورة الحديد، الآية: ٢٥.
(٤) انظر مفردات الأصفهاني، ص٤٩٥.
[ ١٤٥ ]
حصول الخير، ونصره فيه زوال الشر (١).
وقد كان النبي - ﷺ - يقول إذا غزا: «اللهم أنت عضدي، وأنت نصيري، بك أجُول وبك أصول، وبك أقاتل» (٢).
والله - ﷿ - ينصر عباده المؤمنين في قديم الدهر وحديثه في الدنيا، ويُقِرُّ أعينهم ممن آذاهم، ففي صحيح البخاري يقول الله ﵎: «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب» (٣)؛ ولهذا أهلك الله قوم نوح، وعاد، وثمود، وأصحاب الرس، وقوم لوط، وأهل مدين، وأشباههم ممن كذَّب الرسل وخالف الحق، وأنجى الله تعالى من بينهم المؤمنين، فلم يهلك منهم أحدًا، وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحدًا.
وهكذا نصر الله نبيه محمدًا - ﷺ - وأصحابه على من خالفه
_________________
(١) تفسير السعدي، ٢/ ٧٦.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب ما يدعى عند اللقاء، برقم ٢٦٢٣، والترمذي في كتاب الدعوات، باب في الدعاء إذا غزا، برقم ٣٥٨٤، وقال: «هذا حديث حسن غريب». وانظر: صحيح الترمذي، ٣/ ١٨٣.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب التواضع، برقم ٦٥٠٢.
[ ١٤٦ ]
وكذبه، وعاداه، فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وانتشر دين الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها (١).
وقد وعد الله من ينصره بالنصر والتأييد، فمن نصر الله بالقيام بدينه والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، وقصد بذلك وجه الله، نصره الله وأعانه وقوّاه، والله وعده وهو الكريم، وهو أصدق قيلًا، وأحسن حديثًا، فقد وعد أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه،
ويُيَسِّرُ له أسباب النصر من الثبات وغيره (٢).وقد بيّن الله - ﷿ - علامة من ينصر الله فمن ادّعى أنّه ينصر الله وينصر دينه، ولم يتصف بهذا الوصف، فهو كاذب. قال - ﷿ -: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (٣)،فهذه
_________________
(١) تفسير ابن كثير، ٤/ ٨٤.
(٢) تفسير العلامة السعدي، ٦/ ٦٦.
(٣) سورة الحج، الآيتان: ٤٠ - ٤١.
[ ١٤٧ ]
علامة من ينصر الله وينصره الله (١).
وقد أمر الله عباده المؤمنين بنصره - ﷿ - فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ (٢)، ومن نصرِ دين الله تعلُّم كتاب الله وسنة رسوله، والحث على ذلك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٣).