الشفاء في اللغة هو البرء من المرض. يقال: شفاه الله يشفيه، واشتفى افتعل منه، فنقله من شفاء الأجسام إلى شفاء القلوب والنفوس (٤).
والله - ﷾ - هو الشافي، فعن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يعوِّذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللهم ربّ الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» (٥).
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي، ٥/ ٣٠٢.
(٢) سورة الصف، الآية: ١٤.
(٣) المرجع السابق، ٧/ ٣٧٤.
(٤) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٢/ ٤٨٨، وانظر: مختار الصحاح، ص١٤٤.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب رقية النبي - ﷺ -، برقم ٥٧٤٣، ومسلم في كتاب السلام، باب استحباب رقية المريض، برقم ٢١٩١.
[ ١٤٨ ]
وقال أنس - ﵁ - لثابت البناني حينما اشتكى إليه: ألا أرقيك برقية رسول الله - ﷺ -؟ قال: بلى. قال: «اللهم ربّ الناس، مُذْهِب البأس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يُغادِرُ سَقمًا» (١).
فالله - ﷿ - هو الشافي من الأمراض والعلل والشكوك، وشفاؤه شفاءان أو نوعان:
النوع الأول: الشفاء المعنوي الروحي، وهو الشفاء من علل القلوب.
النوع الثاني: الشفاء المادي، وهو الشفاء من علل الأبدان. وقد ذكر الله - ﷿ - هذين النوعين في كتابه، وبيّن ذلك رسوله - ﷺ - في سنته فقال - ﷺ -: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء» (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب رقية النبي - ﷺ -، برقم ٥٧٤٢.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٥٦٧٨.
[ ١٤٩ ]
النوع الأول: شفاء القلوب والأرواح.
قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
والموعظة: هي ما جاء في القرآن الكريم من الزواجر عن الفواحش، والإنذار عن الأعمال الموجبة لسخط الله - ﷿ - المقتضية لعقابه، والموعظة هي الأمر والنهي بأسلوب الترغيب والترهيب، وفي هذا القرآن الكريم شفاءٌ لما في الصدور من أمراض الشُّبَهِ، والشكوك، والشهوات، وإزالة ما فيها من رجسٍ ودنسٍ. فالقرآن الكريم فيه الترغيب والترهيب، والوعد، والوعيد، وهذا يوجب للعبد الرغبة والرهبة، وإذا وجدت فيه الرغبة في الخير، والرهبة عن الشرّ، ونمتا على تكرر ما يرد إليها من معاني القرآن، أوجب ذلك تقديم مراد الله على مراد النفس، وصار ما يُرْضِي الله أحبّ إلى العبد من شهوة نفسه.
وكذلك ما فيه من البراهين والأدلة التي صرّفها الله
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٥٧.
[ ١٥٠ ]
غاية التصريف، وبينها أحسن بيان مما يزيل الشُّبَهَ القادحة في الحق، ويصل به القلب إلى أعلى درجات اليقين. وإذا صلح القلب من مرضه تبعته الجوارح كلها، فإنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده.
وهذا القرآن هدى ورحمة للمؤمنين. وإنما هذه الهداية والرحمة للمؤمنين المصدقين كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾ (١)، وقال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٢)، فالهدى هو العلم بالحقّ، والعمل به، والرحمة ما يحصل من الخير والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن اهتدى بهذا القرآن العظيم.
فالهدى أجلُّ الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٨٢.
(٢) سورة فصلت، الآية: ٤٤.
[ ١٥١ ]
والرغائب، ولكن لا يهتدى به، ولا يكون رحمة إلا في حقّ المؤمنين، وإذا حصل الهدى، وحصلت الرحمة الناشئة عن الهدى حصلت السعادة، والربح، والنجاح، والفرح والسرور؛ ولذلك أمر الله بالفرح بذلك فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١).
والقرآن مشتملٌ على الشفاء والرحمة، وليس ذلك لكل أحد، وإنما ذلك كله للمؤمنين به، المصدقين بآياته، العاملين به.
أما الظالمون بعدم التصديق به، أو عدم العمل به، فلا تزيدهم آياته إلا خسارًا، إذ به تقوم عليهم الحجة.
والشفاء الذي تضمنه القرآن شفاء القلوب وشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها.
فالله - ﷿ - يهدي المؤمنين: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ يهديهم لطريق الرشد، والصراط المستقيم،
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٥٨.
[ ١٥٢ ]
ويعلمهم من العلوم النافعة ما به تحصل الهداية التامة.
ويشفيهم الله ﵎ بهذا القرآن من الأسقام البدنية، والأسقام القلبية؛ لأن هذا القرآن يزجر عن مساوئ الأخلاق وأقبح الأعمال، ويحث على التوبة النصوح التي تغسل الذنوب، وتشفي القلوب.
وأما الذين لا يؤمنون بالقرآن ففي آذانهم صَمَمٌ عن استماعه، وإعراض، وهو عليهم عمىً، فلا يبصرون به رشدًا ولا يهتدون به، ولا يزيدهم إلا ضلالًا.
وهم يُدعون إلى الإيمان فلا يستجيبون، وهم بمنزلة الذي يُنادى وهو في مكان بعيد لا يسمع داعيًا، ولا يجيب مناديًا، والمقصود: أن الذين لا يؤمنون بالقرآن، لا ينتفعون بهداه، ولا يبصرون بنوره، ولا يستفيدون منه خيرًا؛ لأنهم سدّوا على أنفسهم أبواب الهدى بإعراضهم وكفرهم (١).
_________________
(١) انظر: تفسير العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ٣/ ٣٦٣، و٤/ ٣٠٩، و٦/ ٥٨٤، وتفسير ابن كثير، ٢/ ٤٢٢، و٣/ ٦٠، و٤/ ١٠٤، وتفسير الجزائري أبو بكر، ٢/ ٢٨٦.
[ ١٥٣ ]
ويجد الإنسان مصداق هذا القول في كل زمان، وفي كل بيئة، فناس يفعل هذا القرآن في نفوسهم فيُنْشِئها إنشاءً، ويحييها إحياءً، ويصنع بها ومنها العظائم في ذاتها، وفيما حولها، وناس يثقل هذا القرآن على آذانهم وعلى قلوبهم، ولا يزيدهم إلا صممًا وعمىً، وقلوبهم مطموسة لا تستفيد من هذا القرآن.
وما تَغَيَّرَ القرآنُ، ولكن تغيرت القلوب (١).
والله - ﷿ - يشفي صدور المؤمنين بنصرهم على أعدائهم وأعدائه، قال سبحانه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).
فإن في قلوب المؤمنين الحنق والغيظ عليهم، فيكون قتالهم وقتلهم شفاء لما في قلوب المؤمنين من الغمِّ، والهمِّ؛
_________________
(١) في ظلال القرآن، ٥/ ٣١٢٨.
(٢) سورة التوبة، الآيتان: ١٤ - ١٥.
[ ١٥٤ ]
إذ يرون هؤلاء الأعداء محاربين لله ولرسوله، ساعين في إطفاء نور الله، فيزيل الله ما في قلوبهم من ذلك، وهذا يدل على محبة الله للمؤمنين، واعتنائه بأحوالهم (١).
النوع الثاني شفاء الله للأجساد والأبدان:
والقرآن كما أنه شفاء للأرواح والقلوب فهو شفاء لعلل الأبدان كما تقدم؛ فإن فيه شفاء الأرواح والأبدان. فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنّ ناسًا من أصحاب النبي - ﷺ - أتوا على حي من أحياء العرب، فلم يُقْرُوهم، فبينما هم كذلك إذ لُدِغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راقٍ؟ فقالوا إنكم لم تُقْرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء فجعل يقرأُ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوا بالشاء فقالوا: لا نأخذ حتى نسأل النبي - ﷺ - فسألوه، فضحك وقال: «وما أدراك أنها رقية، خذوها واضربوا لي بسهم» (٢).
_________________
(١) تفسير العلامة السعدي ﵀، ٣/ ٢٠٦.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الرقى بفاتحة الكتاب، برقم ٥٧٣٦، ومسلم في السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار، برقم ٢٢٠١.
[ ١٥٥ ]
وعن عائشة ﵂ «أن النبي - ﷺ - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده، رجاء بركتها» (١). والمعوذات هي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.
قال ابن القيم ﵀: «ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة، فما الظنُّ بكلام رب العالمين الذي فضله على كل كلام كفضل الله على خلقه الذي هو الشفاء التام والعصمة النافعة، والنور الهادي والرحمة العامة، الذي لو أُنزِلَ على جبل لتصدع من عظمته وجلالته، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، ومن هنا لبيان الجنس لا للتبعيض، هذا هو أصحُّ القولين» (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الرقى بالقرآن والمعوذات، برقم ٥٧٣٥، ومسلم في كتاب السلام، باب رقية المريض بالمعوذات والنفث، برقم ٢١٩٢.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٨٢.
(٣) زاد المعاد لابن القيم، ٤/ ١٧٧.
[ ١٥٦ ]
وعلى هذا فالقرآن فيه شفاءٌ لأرواح المؤمنين، وشفاء لأجسادهم.
والله - ﷿ - هو الشافي من أمراض الأجساد، وعلل الأبدان، قال - ﷿ -: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ*ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾: ما بين أبيض، وأصفر، وأحمر، وغير ذلك من الألوان الحسنة على اختلاف مراعيها ومأكلها منها، وقوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، أي في العسل شفاء للناس من أدواء تعرض لهم.
قال بعض من تكلم على الطب النبوي لو قال: فيه
_________________
(١) سورة النحل، الآيتان: ٦٨ - ٦٩.
[ ١٥٧ ]
الشفاء لكان دواء لكل داء، ولكن قال فيه شفاء للناس، أي يصلح لكل أحدٍ من أدواءٍ باردة؛ فإنه حارٌ، والشيء يُداوى بضده والدليل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ هو العسل، ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إن أخي استطلق بطنه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «اسقه عسلًا» فسقاه، ثم جاءه فقال: إني سقيتُهُ فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال له ثلاث مرات، ثم جاءه الرابعة فقال: «اسقه عسلًا»،فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «صدق الله وكذب بطن أخيك» فسقاه فَبَرأَ (١).
قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلًا وهو حار تحللت فأسرعت في الاندفاع فزاده إسهالًا فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الدواء بالعسل، برقم ٥٦٨٤، ومسلم في كتاب السلام، باب التداوي بسقي العسل، برقم ٢٢١٧.
[ ١٥٨ ]
مصلحة لأخيه، ثم سقاه، فازداد، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه، وصلح مزاجه، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته ﵊ (١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: «الشفاء في ثلاث: شربةِ عسلٍ، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي» (٢) رفع الحديث.
والله - ﷿ - هو الذي هدى النحلة الصغيرة هذه الهداية العجيبة، ويسّر لها المراعي ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم الله لها وهدايته لها، ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة، فهذا دليل على كمال عناية الله تعالى وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي
_________________
(١) تفسير ابن كثير، ٢/ ٥٧٦.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاث، برقم ٥٦٨٠، موقوفًا. ورقم ٥٦٨١ مرفوعًا.
[ ١٥٩ ]
ينبغي أن لا يُحُب ولا يُدعى سواه (١).
وأخبر الله - ﷿ - عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم ﵊ بقوله ﵎: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٢).
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾: أسند إبراهيم ﵊ المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه، وخلقه، ولكنه أضافه إلى نفسه أدبًا.
ومعنى ذلك: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يُقدِّر ﵎ من الأسباب الموصلة إلى الشفاء (٣).
وقد كان النبي - ﷺ - يرشد الأمة إلى طلب الشفاء من الله
_________________
(١) تفسير العلامة السعدي، ٤/ ٢١٨.
(٢) سورة الشعراء، الآيات: ٧٨ - ٨٠.
(٣) تفسير ابن كثير بتصرف، ٣/ ٣٣٩.
[ ١٦٠ ]
الشافي الذي لا شفاء إلا شفاءه، ومن ذلك ما رواه مسلم وغيره عن عثمان بن العاص أنه اشتكى إلى رسول الله - ﷺ - وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله - ﷺ -: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذِر» (١).
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال سبع مرات: أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يشفيك، إلاّ عافاه الله من ذلك المرض» (٢).
فهذا من تعليم النبي - ﷺ - لأمته أن يعتمدوا على ربهم مع الأخذ بالأسباب المشروعة؛ فإن الله - ﷿ - هو الشافي،
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء، برقم ٢٢٠٢.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب الدعاء للمريض عند العيادة، برقم ٣١٠٦، والترمذي في كتاب الطب، باب ٣٢، برقم ٢٠٨٣، وأحمد، ١/ ٢٣٩، وقال أبو عيسى: «هذا حديث حسن غريب». وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٦٣٨٨.
[ ١٦١ ]
لا شفاء إلا شفاءه، وقد كان النبي - ﷺ - يدعو ربه بالشفاء؛ لأنه هو الذي يملك الشفاء، والشفاء بيده ﵎، قال - ﷺ - لسعدٍ: «اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا» (١).
وقد كان النبي - ﷺ - يرقي بعض أصحابه، ويطلب الشفاء من الله الشافي: «بسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يُشفى سقيمنا بإذن ربنا» (٢).
وقد أوضح - ﷺ - أن الله هو الذي ينزل الدواء وهو الشافي، فقال - ﷺ -: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاءً» (٣).
وعن جابر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لكل داء دواءٌ، فإذا أصيب دواءُ الداءِ بَرأَ بإذن الله - ﷿ -» (٤)، وقال - ﷺ -: «إن
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المرضى، باب وضع اليد على المريض، برقم ٥٦٥٩، ومسلم في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم ١٦٢٨/ ٨.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب رقية النبي - ﷺ -، برقم ٥٧٤٥، ومسلم في كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة، برقم ٢١٩٤.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٥٦٧٨.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، برقم ٢٢٠٤.
[ ١٦٢ ]
الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواءً، فتداووا، ولا تداووا بحرام» (١).
وجاءت الأعراب فقالت: يا رسول الله ألا نتداوى؟ فقال - ﷺ -: «نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً أو دواءً، إلا داءً واحدًا» فقالوا يا رسول الله ما هو؟ قال: «الهرم» (٢).
وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما أنزل الله من داء إلا قد أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله» (٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في الأدوية المكروهة، برقم ٣٨٧٤. قال المنذري: «في إسناده إسماعيل بن عياش فيه مقال». وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم ١٥٦٩، ويغني عنه ما تقدم من الأحاديث، وما سيأتي.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى، برقم ٣٨٥٥،والترمذي في كتاب الطب، باب ما جاء في الدواء والحث عليه، برقم ٢٠٣٨،وابن ماجه في كتاب الطب، باب ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٣٤٣٦، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٩٣٠.
(٣) أخرجه أحمد،١/ ٣٧٧، وبتريب الشيخ شاكر، ٥/ ٢٠١، برقم ٣٥٧٨، وصححه. والحميدي في المسند، ١/ ٥٠، برقم ٩٠، وأبو يعلى في المسند، ٩/ ١١٣، برقم ٥١٨٣، وابن ماجه في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٣٤٣٨، ٣٤٣٩ مختصرًا. والحاكم، ٤/ ١٩٦ - ١٩٧، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وصحح الألباني رواية ابن ماجه في صحيح الجامع، برقم ٥٥٥٨، ٥٥٥٩.
[ ١٦٣ ]
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، ويجوز أن يكون قوله: «لكل داء دواء» على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن للطبيب أن يُبْرِئَها، ويكون الله - ﷿ - قد جعل لها أدوية تُبْرِئُها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلا؛ ً لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله » (١).
فالله - ﷿ - هو الشافي الذي يشفي من يشاء ويطوي علم الشفاء عن الأطباء إذا لم يرد الشفاء.
فنسأل الله الذي لا إله إلا هو بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يشفي قلوبنا وأبداننا من كل سوء، ويحفظنا بالإسلام، وجميع المسلمين؛ إنه ولّي ذلك والقادر عليه،
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد، ٤/ ١٤.
[ ١٦٤ ]
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وصلى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
[ ١٦٥ ]