قال أبو القاسم: حدثنا أبو محمد حرب بن إسماعيل قال: هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السُّنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركتُ من أدركتُ مِنْ علماءِ أهلِ العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذِه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد اللَّه بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم، فكان من قولهم: الإيمانُ قولٌ وعَمَلٌ ونِيَّةٌ وتمسكٌ بالسنَّةِ، والإيمانُ يزيدُ ويَنْقُصُ، والاستثناء في الإيمان سُنَّة ماضِيةٌ عن العلماءِ، وإذا سُئِلَ الرجل أمؤمن أنت؟ فإنه يقولُ: أنا مؤمنٌ إن شاء اللَّه، أو مؤمنٌ أرجو، أو يقول: آمنتُ باللهِ وملائكتِهِ وكتُبِهِ ورُسُلِهِ، ومَنْ زَعَمَ أن الإيمانَ قولٌ بلا عمل فَهُوَ مُرْجئ، ومَنْ زَعَمَ أنَّ الإيمانَ هو القولُ والأعمالَ شرائع، فهو مُرجئ، وإنْ زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فهو مُرجئ، وإن قال: إن الإيمانَ يزيد ولا ينقص فقد قال بقول المُرجئة، ومَنْ لَمْ [يَرَ] (١) الاستثناء في الإيمان فهو مُرجئ، ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل أو الملائكة فهو مُرجئ وأخبث من المُرجئ؟ فهو كاذب، ومن زعم أن الناس لا يتفاضلون في
_________________
(١) المثبت من رواية ابن جعفر الإصطخري، الواردة في "طبقات الحنابلة" ١/ ٥٤ - ٧٤ وهي كرواية حرب مع اختلاف يسير، كما صوبنا الأخطاء الواضحة في نسخة حرب.
[ ٣ / ٩ ]
الإيمان فقد كذب، ومن زعم أن المعرفة تنفع في القلب، وإن لم يتكلم بها فهو جَهْمي، ومن زعم أنه مؤمن عند اللَّه مستكمل الإيمان فهذا من أشنع قول المرجئة وأقبحه.
والقدر: خيرُه وشرُّه، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومره، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره من اللَّه ﵎، قضاءٌ قضاهُ على عباده، وقَدَرٌ قدّره عليهم لا يعدو أحد منهم مشيئة اللَّه، لا يجاوز قضاءه، بل هم كلهم صائرونَ إلى ما خلقهم له، وواقعون في ما قدّر عليهم لا محالة، وهو عدل منه عز ربنا وجل.
والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والشرك باللَّه، والذنوب جميعًا، والمعاصي كلها بقضاء وقدر من اللَّه من غير أن يكون لأحد من الخلق على اللَّه حجة، بل للَّه الحجة البالغة على خلقه و﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. وعلمُ اللَّه ماضٍ في خلقه بمشيئة منه، قد علم من إبليس ومن غيره ممن عصاه -من لدن أن عُصي ربنا ﵎ إلى أن تقوم الساعة- المعصيةَ وخلقهم لها، وعلم الطاعة من أهل طاعته وخلقهم لها، فكل يعمل لما خُلِقَ له، وصائر إلى ما قُضي عليه وعُلم منه، ولا يعدو أحد منهم قدر اللَّه ومشيئته، واللَّه الفعال لما يريد.
فمن زعم أن اللَّه ﵎ شاء لعباده الذين عصوه الخير والطاعة، وأن العباد شاءوا لأنفسهم الشر والمعصية، فعملوا على مشيئتهم، فقد زعم أن مشيئة العباد أغلب من مشيئة اللَّه ﵎ ذكره، فأي افتراء على اللَّه أكثر من هذا؟ !
ومن زعم أن أحدًا من الخلق صائر إلى غير ما خلق له، فقد نفى قدرة اللَّه عن خلقه، وهذا إفك على اللَّه وكذب عليه.
[ ٣ / ١٠ ]
ومن زعم أن الزنا ليس بقدر قيل له: أرأيت هذِه المرأة التي حملت من الزنا وجاءت بولد، هل شاء اللَّه أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى هذا في سابق علمه؟ فإن قال: لا. فقد زعم أن مع اللَّه خالقًا، وهذا قول يضارع الشرك بل هو الشرك، ومن زعم أن السرقة، وشرب الخمر، وأكل المال الحرام ليس بقضاء وقدر من اللَّه فقد زعم أن هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره، وهذا القول يضارع قول المجوسية والنصرانية، بل أكل رزقه وقضى اللَّه له أن يأكله من الوجه الذي أكله.
ومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر من اللَّه فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله، فأي كفر باللَّه أوضح من هذا؟ ! بل ذلك كله بقضاء من اللَّه وقدر، وكل ذلك بمشيئته في خلقه وتدبيره فيه، وما جرى في سابق علمه لهم، وهو الحق والعدل يفعلُ ما يريد ومن أقر بالعلم لزمه الإقرار بالقدر، والمشيئة على الصغر والقماءة (١)، واللَّه الضار النافع المضل الهادي فتبارك اللَّه أحسن الخالقين.
ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولكبيرة أتى بها، إلا أن يكون في ذلك حديث، فيروى الحديث كما جاء على ما روي ويصدق به ويقبل ويعلم أنه كما جاء، ولا نَنُصُّ الشهادة.
ولا نشهد على أحد أنه في الجنة لصلاح عمله أو لخير أتى به إلا أن يكون في ذلك حديث فيروى الحديث كما جاء على ما روي، يصدق به، ويقبل ويعلم أنه كما جاء ولا ننصُّ الشهادة.
والخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن
_________________
(١) القماءة: بفتح القاف وضمها: الشيء القليل والحقير. "لسان العرب" (قمأ).
[ ٣ / ١١ ]
ينازعهم فيها، ولا يخرج عليهم، ولا يقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة.
والجهاد ماض قائم مع الأئمة بروا أو فجروا، ولا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والجمعة والعيدان والحج مع السلطان وإن لم يكونوا بررة عدولًا ولا أتقياء، ودفع الخراج والصدقات والأعشار والفيء والغنيمة إلى الأمراء عدلوا فيها أم جاروا.
والانقياد لمن ولاه اللَّه أمرك لا تنزع يدك من طاعة، ولا تخرج عليه بسيفك حتى يجعل اللَّه لك فرجًا ومخرجًا، وأن لا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع لا تنكث بيعة، فمن فعل ذلك فهو مبتدع مخالف مفارق للجماعة.
وإن أمرك السلطان بأمر هو للَّه معصية، فليس لك أن تطيعه البتة، وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه.
والإمساك في الفتنة سنة ماضية واجب لزومها، فإن ابتليت فقدم نفسك ومالك دون دينك، ولا تعن على الفتنة بيد ولا لسان، ولكن اكفف يدك ولسانك وهواك واللَّه المعين.
والكف عن أهل القبلة لا نكفر أحدًا منهم بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، إلا أن يكون في ذلك حديث، فيروى الحديث كما جاء وكما روي، ويصدق به ويقبله ونعلم أنه كما روي نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك أو ابتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام، واتَّبع الأثر في ذلك ولا تُجاوزه.
ولا أحب الصلاة خلف أهل البدع، ولا الصلاة على من مات منهم. والأعور خارج لا شك في ذلك، ولا ارتياب وهو أكذب الكاذبين.
وعذاب القبر حق، يسأل العبد عن ربه، وعن نبيه، وعن دينه، ويرى
[ ٣ / ١٢ ]
مقعده من الجنة أو النار.
ومنكر ونكير حق، وهما فتانا القبور نسأل اللَّه الثبات.
وحوض محمد ﷺ حق، ترد عليه أمته، وله آنية يشربون بها منه.
والصراط حق يوضع في سواء جهنم فيمر الناس عليه، والجنة من وراء ذلك نسأل اللَّه السلامة والجواز.
والميزان حق يوزن به الحسنات والسيئات كما شاء اللَّه أن يوزن به.
والصور حق ينفخ فيه إسرافيل فيموت الخلق، ثم ينفخ فيه فيقومون لرب العالمين للحساب والقضاء، والثواب والعقاب والجنة والنار.
واللوح المحفوظ حق يستنسخ منه أعمال العباد، لما سبقت فيه من المقادير والقضاء.
والقلم حق كتب اللَّه به مقادير كل شيء، وأحصاه في الذكر فتبارك ربنا وتعالى.
والشفاعة يوم القيامة حق يشفعُ قوم في قوم، فلا يصيرون إلى النار، ويخرج قوم من النار -بعدما دخلوها- بشفاعة الشافعين، ويخرج قوم من النار برحمة اللَّه بعد ما يلبثهم فيها ما شاء اللَّه، وقوم يخلدون في النار أبدًا، وهم أهل الشرك والتكذيب والجحود والكفر باللَّه.
ويذبح الموت يوم القيامة بين الجنة والنار، وقد خُلِقَت الجنة وما فيها، وخُلِقَت النار وما فيها خلقهما اللَّه، ثم خلق الخلق لهما لا يفنيان ولا يفنى من فيهما أبدًا، فإن احتج مبتدع زنديق بقول اللَّه ﵎: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وبنحو هذا فقيل له: كل شيء مما كتب اللَّه عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خُلقتا للبقاء لا للفناء، ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا، والحور العين لا يمتن عند
[ ٣ / ١٣ ]
قيام الساعة، ولا عند النفخة، ولا أبدًا؛ لأن اللَّه ﵎ خلقهن للبقاء لا للفناء، ولم يكتب عليهن الموت، فمن قال بخلاف ذلك فهو مبتدع مخالف وقد ضل عن سواء السبيل.
وخلق اللَّه سبع سماوات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءٍ إلى سماءٍ مسيرة خمسمائة عام، والماء فوق السماء السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، واللَّه ﵎ على العرش، والكرسي موضع قدميه، وهو يعلم ما في السماوات السبع، وما في الأرضين السبع، وما بينهن، وما تحتهن، وما تحت الثرى، وما في قعر البحار، ومنبت كل شعرة، وكل شجرة، وكل زرع، وكل نبت، ومسقط كل ورقة، وعدد ذلك كله، وعدد الحصا، والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وقطر الأمطار، وأعمال العباد، وآثارهم، وكلامهم وأنفاسهم، وتمتمتهم، وما توسوس به صدورهم يعلم كل شيء لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو على العرش فوق السماء السابعة، ودونه حجب من نار ونور وظلمة وما هو أعلم بها، فإن احتج مبتدع أو مخالف أو زنديق بقول اللَّه ﵎ ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وبقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ونحو ذلك من متشابه القرآن فقل: إنما يعني بذلك العلم؛ لأن اللَّه ﵎ على العرش فوق السماء السابعة العليا يعلم ذلك كله، وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان، وللَّه عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حدٌّ اللَّه أعلم بحده، واللَّه على عرشه عز ذكره، وتعالى جده، ولا إله غيره.
واللَّه ﵎ سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل،
[ ٣ / ١٤ ]
جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك، ويسمع ويبصر وينظر، ويقبض ويبسط، ويفرح، ويحب ويكره ويبغض ويرضى، ويسخط ويغضب، ويرحم ويعفو ويغفر، ويعطي ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقلوب العباد بين [أصبعين من] أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ويوعيها ما أراد. وخلق آدم بيده على صورته، والسماوات والأرضون يوم القيامة في كفه وقبضته، ويضع قدمه في جهنم فتزوى، ويخرج قوم من النار بيده، وينظر أهل الجنة إلى وجهه يزورونه فيكرمهم، ويتجلى لهم فيعطيهم، ويُعرض عليه العباد يوم الفصل والدين فيتولى حسابهم بنفسه لا يولي ذلك غيره، عز ربنا وجل وهو على ما يشاء قدير.
والقرآن كلام اللَّه تكلم به ليس بمخلوق، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أن القرآن كلام اللَّه ووقف ولم يقل ليس بمخلوق فهو أكفر من الأول وأخبث قولًا، ومن زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام اللَّه فهو جهمي خبيث مبتدع.
ومن لم يكفر هؤلاء القوم ولا الجهمية كلهم فهو مثلهم، وكلم اللَّه موسى وناوله التوراة من يده إلى يده (١)، ولم يزل اللَّه متكلمًا عالمًا فتبارك اللَّه أحسن الخالقين.
والرؤيا من اللَّه وهي حق إذا رأى صاحبها شيئًا في منامه مما ليس
_________________
(١) قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ١٢/ ٥٣٣: وأما قوله: (ناولها بيده إلى يده) فهذا مأثور عن طائفة من التابعين، وهو هكذا عند أهل الكتاب، لكن لا أعلم غير هذا اللفظ مأثورًا عن النبي -ﷺ-، فالمتكلم به إن أراد ما يخالف ذلك فقد أخطأ، واللَّه أعلم.
[ ٣ / ١٥ ]
هو ضغث فقصها على عالم وصدق فيها، وأولها العالم على أصل تأويلها الصحيح، ولم يحرف فالرؤيا وتأويلها حينئذٍ حق، وقد كانت الرؤيا من النبيين وحيًا، فأي جاهل بأجهل ممن يطعن في الرؤيا، ويزعم أنها ليست بشيء، وقد روي عن النبي -ﷺ-: "أنَّ رُؤيا المؤمنِ كلامٌ يكلم الربُّ عبده" (١)، وقال: "الرُّؤيا من اللَّه" (٢) وباللَّه التوفيق.
ومن السنة الواضحة البينة الثابتة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- كلهم أجمعين، والكف عن ذكر مساوئهم والذي شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، أو أحدًا منهم أو طعن عليهم، أو عرض بعيبهم أو عاب أحدًا منهم بقليل أو كثير، أو دق أو جل مما يتطرق إلى الوقيعة في أحد منهم، فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف، لا قبل اللَّه صرفه ولا عدله، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة.
وخير الأمة بعد النبي -ﷺ- أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر، وخيرهم بعد عمر عثمان. وقال قوم من أهل العلم وأهل السنة: وخيرهم بعد عثمان علي. ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب محمد بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد إن يذكر شيئًا من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب، ولا ينقص ولا وقيعة، فمن فعل ذلك فالواجب على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو بل
_________________
(١) رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٤٨٦، ٤٨٧)، والطبراني في "الكبير" ٢٥/ ٣٣٨، وفي "مسند الشاميين" ٢/ ١١٨ - ١١٩ (١٠٢٥ - ١٠٢٦)، والضياء في "المختارة" ٨/ ٢٧٥ (٣٣٧) من طرق ضعيفة عن عبادة بن الصامت.
(٢) رواه أحمد ٥/ ٢٩٦، والبخاري (٣٢٩٢)، ومسلم (٢٢٦١) من حديث أبي قتادة.
[ ٣ / ١٦ ]
يعاقبه ثم يستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة ثم خلده الحبس حتى يموت أو يراجع فهذا السنة في أصحاب محمد -ﷺ-.
ويعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ويحبهم لحديث رسول اللَّه -ﷺ-: "حبُّ العربِ إيمانٌ وبُغضهم نفاق" (١) ولا يقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب، ولا يقرون لها بالفضل، فإن قولهم بدعة وخلاف.
ومَنْ حَرَّمَ المكاسبَ والتجارات وطلب المال من وجهه، فقد جهل وأخطأ وخالف، بل المكاسب من وجوهها حلال قد أحله اللَّه ورسوله، والعلماء من الأمة، فالرجل ينبغي له أن يسعى على نفسه وعياله، ويبتغي من فضل ربه، فإن ترك ذلك على أنه لا يرى الكسب فهو مخالف، وكلُّ أحدٍ أحق بماله الذي ورثه أو استفاده، أو أصابه أو اكتسبه لا كما يقول المتكلمون المخالفون.
والدين إنما هو كتاب اللَّه وآثار وسنن وروايات صحاح عن الثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة المشهورة، يرويها الثقة الأول المعروف عن الثاني الثقة المعروف، يصدق بعضهم بعضًا حتى ينتهي ذلك إلى النبي -ﷺ-، أو أصحاب النبي، أو التابعين، أو تابع التابعين، أو من بعدهم من الأئمة المعروفين المقتدى بهم، المتمسكين بالسنة،
_________________
(١) رواه الطبراني في "الأوسط " ٣/ ٧٦ (٢٥٣٧)، والحاكم ٤/ ٨٧ من طريق معقل بن مالك، عن الهيثم بن جماز، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا. وصحح الحاكم إسناده، وتعقبه الذهبي بأن الهيثم متروك، ومعقل ضعيف. وضعفه أيضًا العراقي في "محجة القرب" ص ٨٤، ٢٢٧، والهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٥٢. والألباني في "الضعيفة" (١١٩٠) وقال: ضعيف جدا.
[ ٣ / ١٧ ]
والمتعلقين بالأثر، الذين لا يُعرفون ببدعة، ولا يُطعَن عليهم بكذب، ولا يُرمَون بخلاف، وليسوا أصحاب قياس ولا رأي، لأن القياس في الدين باطل، والرأي كذلك وأبطل منه، وأصحاب الرأي والقياس في الدين مبتدعة جهلة ضُلّال، إلا أن يكون في ذلك أثر عمن سلف من الأئمة الثقات، فالأخذ بالأثر أولى.
ومن زعم أنه لا يرى التقليد، ولا يقلد دينه أحدًا فهذا قولُ فاسقٍ مبتدعٍ عدؤّ للَّه ولرسوله -ﷺ-، ولدينه، ولكتابه، ولسنة نبيه -ﷺ-، إنما يريد بذلك إبطال الأثر، وتعطيل العلم، وإطفاء السنة، والتفرد بالرأي والكلام والبدعة والخلاف، فعلى قائل هذا القول لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين، فهذا من أخبث قول المبتدعة، وأقربها إلى الضلالة والردى، بل هو ضلالة، زعم أنه لا يرى التقليد وقد قلد دينه أبا حنيفة وبشرًا المريسي، وأصحابه، فأي عدو لدين اللَّه أعدى ممن يريد أن يطفئ السنن، ويبطل الآثار والروايات، ويزعم أنه لا يرى التقليد وقد قلد دينه من قد سميت لك، وهم أئمة الضلال، ورءوس البدع، وقادة المخالفين فعلى قائل هذا القول غضب اللَّه.
فهذِه الأقاويل التي وصفت مذاهب أهل السنة والجماعة، والأثر، وأصحاب الروايات، وحملة العلم الذين أدركناهم وأخذنا عنهم الحديث، وتعلمنا منهم السنن، وكانوا أئمة معروفين ثقات أهل صدق وأمانة يقتدى بهم ويؤخذ عنهم، ولم يكونوا أصحاب بدع ولا خلاف، ولا تخليط وهو قول أئمتهم، وعلمائهم الذين كانوا قبلهم، فتمسكوا بذلك رحمكم اللَّه، وتعلموه وعلموه وباللَّه التوفيق.
ولأصحاب البدع نبز وألقاب، وأسماء لا تشبه أسماء الصالحين ولا
[ ٣ / ١٨ ]
الأئمة ولا العلماء من أمة محمد -ﷺ-.
فمن أسمائهم المرجئة: وهم الذين يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل، وأن الإيمان هو القول، والأعمال شرائع، وأن الإيمان مجرد، وأن الناس لا يتفاضلون في الإيمان، وأن إيمانهم وإيمان الملائكة والأنبياء واحد، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الإيمان ليس فيه استثناء، وأن من آمن بلسانه ولما يعمل فهو مؤمن حقًّا، وأنهم مؤمنون عند اللَّه بلا استثناء. هذا كله قول المرجئة وهو أخبث الأقاويل وأضله وأبعده من الهدى.
والقدرية: هم الذين يزعمون أن إليهم الاستطاعة والمشيئة والقدرة، وأنهم يملكون لأنفسهم الخير والشر والضر والنفع والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، وأن العباد يعملون بدءًا من أنفسهم من غير أن يكون سبق لهم ذلك في علم اللَّه، وقولهم يضارع قول المجوسية والنصرانية وهو أصل الزندقة.
والمعتزلة: وهم يقولون قول القدرية ويدينون بدينهم، ويكذبون بعذاب القبر، والشفاعة، والحوض، ولا يرون الصلاة خلف أحد من أهل القبلة، ولا الجمعة إلا من كان على مثل رأيهم وأهوائهم، ويزعمون أن أعمال العباد ليست في اللوح المحفوظ.
والبكرية: وهم قدرية، وهم أصحاب الحبة والقيراط، والدانق يزعمون أن من أخذ حبة، أو قيراطًا، أو دانقًا حرامًا فهو كافر، وقولهم يضاهئ قول الخوارج.
والجهمية: أعداء اللَّه: وهم الذين يزعمون أن القرآن مخلوق وأن اللَّه لم يكلم موسى، وأن اللَّه لا يتكلم، ولا يرى، ولا يعرف للَّه مكان، وليس للَّه عرش، ولا كرسي، وكلام كثير أكره حكايته، وهم كفار زنادقة
[ ٣ / ١٩ ]
أعداء اللَّه فاحذروهم.
والواقفة: وهم الذين يزعمون أنا نقول: إن القرآن كلام اللَّه. ولا نقول: غير مخلوق. وهم شر الأصناف وأخبثها.
واللفظية: وهم الذين يزعمون أنا نقول: إن القرآن كلام اللَّه. ولكن ألفاظنا. بالقرآن وتلاوتنا وقراءتنا له مخلوقة، وهم جهمية فساف.
والرافضة: الذين يتبرءون من أصحاب النبي -ﷺ- ويسبونهم وينقصونهم، ويكفرون الأمة إلا نفرًا يسيرًا، وليست الرافضة من الإسلام في شيء.
والمنصورية: وهم رافضة أخبث الروافض، وهم الذين يقولون: من قتل أربعين رجلًا ممن خالفهم هَواهم دخل الجنة، وهم الذين يخنقون الناس ويستحلون أموالهم، وهم الذين يقولون: أخطأ جبريل بالرسالة، وهذا الكفر الواضح الذي لا يشوبه إيمان، فنعوذ باللَّه منه.
والسبائية: وهم رافضة كذابون، وهم قريب ممن ذكرت مخالفون للأئمة.
والرافضة أسوأ أثرًا في الإسلام من أهل الكفر ومن أهل الحرب، وصنف من الرافضة يقولون: عليٌّ في السحاب، ويقولون: عليٌّ يبعث قبل يوم القيامة. وهذا كله كذب وزور وبهتان.
والزيدية: وهم رافضة، وهم الذين يتبرؤون من عثمان وطلحة والزبير وعائشة، ويرون القتال مع كل من خرج من ولد علي برًّا كان أو فاجرًا حتى يَغلب أو يُغلب.
والخشبية: وهم الذين يقولون قول الزيدية.
والشيعة: وهم فيما زعموا ينتحلون حب آل محمد دون الناس، وكذبوا، بل هم خاصة المبغضون لآل محمد. دون الناس، إنما شيعة آل
[ ٣ / ٢٠ ]
محمد المتقون أهل السنة والأثر، من كانوا وحيث كانوا، الذين يحبون آل محمد وجميع أصحاب محمد، ولا يذكرون أحدًا منهم بسوء، ولا عيب، ولا منقصة، فمن ذكر أحدًا من أصحاب محمد -ﷺ- بسوء أو طعن عليه بعيب أو تبرأ من أحد منهم، أو سبهم، أو عرض بسبهم وشتمهم فهو رافضي مخالف خبيث ضال.
وأما الخوارج: فمرقوا من الدين، وفارقوا الملة، وشردوا على الإسلام، وشذوا عن الجماعة، وضلوا عن سبيل الهدى، وخرجوا على السلطان والأئمة، وسلوا السيف على الأمة، واستحلوا دماءهم وأموالهم، وكفروا من خالفهم إلا من قال بقولهم، وكان على مثل رأيهم، وثبت معهم في دار ضلالتهم، وهم يشتمون أصحابَ محمدٍ وأصهارَه وأختانَه، ويتبرؤون منهم، ويرمونهم بالكفر والعظائم ويرون خلافهم في شرائع الدين وسنن الإسلام، ولا يؤمنون بعذاب القبر، ولا الحوض، ولا الشفاعة، ولا يخرجوا أحدًا من أهل النار، وهم يقولون: من كذب كذبة، أو أتى صغيرة أو كبيرة من الذنوب فمات من غير توبة فهو كافر فهو في النار خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، وهم يقولون بقول البكرية في الحبة والقيراط، وهم قدرية جهمية مرجئة رافضة، ولا يرون جماعة إلا خلف إمامهم، وهم يرون تأخير الصلاة عن وقتها، ويرون الصوم قبل رؤية [الهلال]، والفطر قبل رؤيته، وهم يرون النكاح بغير ولي ولا سلطان، ويرون المتعة في دينهم، ويرون الدرهم بالدرهمين يدًا بيد حلالًا، وهم لا يرون الصلاة في الخفاف، ولا المسح عليها، وهم لا يرون للسلطان عليهم طاعة، ولا لقريش خلافة، وأشياء كبيرة يخالفون فيها الإسلام وأهله، فكفى بقوم ضلالة يكون هذا
[ ٣ / ٢١ ]
رأيهم ومذهبهم ودينهم وليسوا من الإسلام في شيء، وهم المارقة.
ومن أسماء الخوارج:
الحرورية، وهم أهل حروراء.
والأزارقة: وهم أصحاب نافع بن الأزرق، وقولهم أخبث الأقاويل وأبعدها من الإسلام والسُّنة.
والنجدية: وهم أصحاب نجدة بن عامر.
والإباضية: وهم أصحاب عبد اللَّه بن إباض.
والصفرية: وهم أصحاب داود بن النعمان حين قيل له: إنك صفر من العلم.
والبهيسية، والميمونية، والخازمية؛ كل هؤلاء خوارج فساق مخالفين للسنة خارجين من الملّة أهل بدعة وضلالة، وهم لصوص قطاع قد عرفناهم بذلك.
والشعوبية: وهم أصحاب بدعة يقولون: العرب والموالي عندنا واحد لا يرون للعرب حقًّا، ولا يعرفون لهم فضلًا، ولا يحبونهم، بل يبغضون العرب، ويضمرون لهم الغل والحسد والبغضة في قلوبهم. هذا قول قبيح ابتدعه رجل من أهل العراق، وتابعه نفر يسير فقُتِلَ عليه.
وأصحاب الرأي: وهم مبتدعة ضُلّال أعداء السُّنة والأثر، يرون الدين رأيًا وقياسًا واستحسانًا، وهم يخالفون الآثار، ويبطلون الحديث، ويردون على الرسول، ويتخذون أبا حنيفة ومن قال بقوله إمامًا يدينون بدينهم، ويقولون بقولهم، فأي ضلالة أبين ممن قال بهذا أو كان على مثل هذا، يتركُ قولَ الرسول وأصحابه ويتبعُ رأيَ أبي حنيفة وأصحابه، فكفى بهذا غيًّا وطغيانًا وردًّا.
[ ٣ / ٢٢ ]
والولاية بدعة والبراءة بدعة، وهم يقولون: نتولى فلانًا ونتبرأ من فلان. وهذا القول بدعة فاحذروه.
ومن قال بشيء من هذِه الأقاويل أو رآها، أو صوَّبَها، أو رضيها، أو أحبها فقد خالف السنة، وخرج من الجماعة، وترك الأثر، وقال بالخلاف، ودخل في البدعة، وزل عن الطريق، وما توفيقنا إلا باللَّه عليه توكلنا، وبه استعنا، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.
وقد أحدث أهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء شنيعة قبيحة فسموا بها أهل السنة يريدون بذلك عيبهم والطعن عليهم، والوقيعة فيهم، والازدراء بهم عند السفهاء والجهال، فأما المرجئة فإنهم يسمون أهل السنة شكاكًا، وكذبت المرجئة بل هم أولى بالشك وبالتكذيب. وأما القدرية فإنهم يسمون أهل السنة والإثبات مجبرة، وكذبت القدرية، بل هم أولى بالكذب والخلاف ألغوا قدرة اللَّه عن خلقه، وقالوا له ما ليس بأهل له ﵎.
وأما الجهمية: فإنهم يسمون أهل السنة مشبهة، وكذبت الجهمية أعداء اللَّه بل هم أولى بالتشبيه والتكذيب افتروا على اللَّه الكذب وقالوا على اللَّه الزور والإفك وكفروا في قولهم.
وأما الرافضة: فإنهم يسمون أهل السنة ناصبة، وكذبت الرافضة، بل هم أولى بهذا الاسم إذ ناصبوا أصحاب محمد -ﷺ- السب والشتم وقالوا فيهم غير الحق، ونسبوهم إلى غير العدل كذبًا وظلمًا، وجرأة على اللَّه واستخفافًا لحق الرسول، واللَّه أولى بالتغيير والانتقام منهم.
وأما الخوارج: فإنهم يسمون أهل السنة والجماعة مرجئة، وكذبت الخوارج، بل هم المرجئة يزعمون أنهم على إيمان دون الناس ومن خالفهم كفار.
وأما أصحاب الرأي والقياس: فإنهم يسمون أصحاب السنة نابتة وكذب
[ ٣ / ٢٣ ]
أصحاب الرأي أعداء اللَّه، بل هم النابتة تركوا أثر الرسول ﷺ وحديثه وقالوا بالرأي، وقاسوا الدين بالاستحسان، وحكموا بخلاف الكتاب والسنة، وهم أصحاب بدعة جهلة ضلال طلاب دنيا بالكذب والبهتان. فرحم اللَّه عبدًا قال بالحق، واتبع الأثر، وتمسك بالسنة، واقتدى بالصالحين، وجانب أهل البدع وترك مجالستهم ومحادثتهم أحتسابًا وطلبًا للقربة من اللَّه وإعزاز دينه، وما توفيقنا إلا باللَّه (١).
"مسائل حرب" ص ٣٥٥ - ٣٦٦
قال عبدوس: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل يقول: أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- والاقتداء بهم، وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال، والخصومات في الدين.
والسنة: عندنا آثار رسول اللَّه -ﷺ-، والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن. وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، ولا الأهواء إنما هي الاتباع وترك الهوى.
ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها:
_________________
(١) ورد في رواية ابن جعفر الإصطخري في "طبقات الحنابلة" ١/ ٥٤ - ٧٤ زيادة في آخرها: اللهم ادحض باطل المرجئة، وأوهن كيد القدرية، وأزل دولة الرافضة، وامحق شبه أصحاب الرأي، واكفنا مؤنة الخارجية، وعجل الانتقام من الجهمية. وقد ذكر الذهبي هذِه الرواية مختصرة في "السير" ١١/ ٣٠٢، ٣٠٣ عن الإصطخري، وقال إنها منكرة وموضوعة على الإمام. اهـ ولعل الذهبي لم يطلع على هذِه الرواية عند حرب في "مسائله"، وبخاصة أنه مدح "مسائل حرب" ١٣/ ٢٤٥ قائلًا. "مسائل حرب" من أنفس كتب الحنابلة.
[ ٣ / ٢٤ ]
الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها لا يقال: لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها.
ومَنْ لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كُفي ذلك وأحكم له فعليه الإيمان به والتسليم له مثل حديث الصادق المصدوق (١) وما كان مثله في القدر. ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نَبَتْ عن الأسماع واستوحش منها المستمع، فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها حرفًا واحدًا، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات.
لا يخاصم أحدا ولا يناظره، ولا يتعلم الجدلط فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه منهي عنه، ولا يكون صاحبه -إن أصاب بكلامه السنة- من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم، وبؤمن بالآثار.
والقرآن كلام اللَّه، وليس بمخلوق، ولا تضعف أن تقول: ليس بمخلوق، فإن كلام اللَّه منه وليس ببائن منه، وليس منه شيء مخلوق، وإياك ومناظرة من أحدث فيه ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه فقال: لا أدري، مخلوق أو ليس بمخلوق؟ وإنما هو كلام اللَّه وليس بمخلوق.
والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما رُوي عن النبي -ﷺ- من الأحاديث الصحاح.
وأن النبي -ﷺ- قد رأى ربه، وأنه مأثور عن رسول اللَّه -ﷺ- صحيح.
_________________
(١) هو ما رواه الإمام أحمد ١/ ٣٨٢، والبخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣) من حديث ابن مسعود قال: حدثنا رسول اللَّه -ﷺ- وهو الصادق المصدوق قال: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا. . " الحديث.
[ ٣ / ٢٥ ]
رواه قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس (١)، ورواه الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس (٢)، ورواه علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس (٣). والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي -ﷺ- والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره ولا نناظر فيه أحدًا.
والإيمان بالميزان كما جاء: "يوزن العبد يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة" (٤). وتوزن أعمال العباد كما جاء في الأثر.
والإيمان به والتصديق به، والإعراض عن من رد ذلك وترك مجادلته.
وأن اللَّه ﵎ يكلم العباد يوم القيامة ليس بينهم، وبينه ترجمان، والإيمان به والتصديق به.
والإيمان بالحوض، وأن لرسول اللَّه -ﷺ- حوضا يوم القيامة ترد عليه أمته، عرضه مثل طوله مسيرة شهر، آنيته كعدد نجوم السماء على ما
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ١/ ٢٨٥ من طريق قتادة به، قال رسول اللَّه -ﷺ-: "رأيت ربي ﵎". وروى ابن خزيمة في "التوحيد" ١/ ٤٧٩ (٢٧٢)، والحاكم ١/ ٦٥، من طريق قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أن اللَّه اصطفى محمدًا -ﷺ- بالرؤية. وصححه الحاكم على شرط البخاري.
(٢) رواه الترمذي (٣٢٧٩)، والنسائي في "الكبرى" ٦/ ٤٧٢ (١١٥٣٧)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٤٣٣)، وابن خزيمة في "التوحيد" (٢٧٣)، من طريق الحكم به وقال الترمذي: حسن غريب. وصححه الألباني في تخريج أحاديث "السنة".
(٣) رواه الطبراني ١٢/ ٢١٩ (١٢٩٤١) من طريق علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، بلفظ: رأى ربه بفؤاده. .
(٤) رواه البخاري (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اله جناح بعوضة".
[ ٣ / ٢٦ ]
صحت به الأخبار (١) من غير وجه.
والإيمان بعذاب القبر، وأن هذِه الأمة تفتن في قبورها وتسأل عن الإيمان والإسلام ومن ربه؟ ومن نبيه؟ ويأتيه منكر ونكير كيف شاء اللَّه وكيف أراد. والإيمان به والتصديق به.
والإيمان بشفاعة النبي -ﷺ-، وبقوم يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحمًا، فيؤمر بهم إلى نهر على باب الجنة كما جاء في الأثر (٢) كيف شاء اللَّه، وكما شاء، إنما هو الإيمان به والتصديق به، والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه (كافر) والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ابن مريم ينزل فيقتله بباب لد.
والإيمان قول وعمل يزيد وينقص كما جاء في الخبر: "أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا" (٣).
ومن ترك الصلاة فقد كفر، وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة من تركها فهو كافر، وقد أحل اللَّه قتله.
وخير هذِه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان. نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- لم يختلفوا في ذلك، ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمس علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٧٩) ومسلم (٢٢٩٢) من حديث عبد اللَّه بن عمرو.
(٢) رواه الإمام أحمد ٣/ ١٦، والبخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤).
(٣) رواه الإمام أحمد ٢/ ٢٥٠، وأبو داود (٤٦٨٢)، والترمذي (١١٦٢) من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في "الصحيحة" (٢٨٤).
[ ٣ / ٢٧ ]
كلهم يصلح للخلافة وكلهم إمام.
ونذهب إلى حديث ابن عمر: كُنّا نَعُدُّ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَيٌّ وَأَصْحابُهُ مُتَوافِرُونَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمانُ ثُمَّ نَسْكُتُ (١).
ثم من بعد أصحاب الشورى أهل بدر من المهاجرين، ثم أهل بدر من الأنصار من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- على قدر الهجرة والسابقة أولًا فأولًا.
ثم أفضل الناس بعد هؤلاء: أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، القرن الذي بعث فيهم، كل من صحبه سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه، وسمع منه ونظر إليه نظرة، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه، ولو لقوا اللَّه بجميع الأعمال، كان هؤلاء الذين صحبوا النبي -ﷺ- ورأوه وسمعوا منه ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعة أفضل بصحبته من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير.
والسمع والطاعة للأئمة، وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة فاجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين.
والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك، وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماض ليس لأحدٍ أنْ يطعن عليهم ولا ينازعهم.
ودفع الصدقات إليهم جائزة ونافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه برًّا كان أو فاجرًا. وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولَّى جائزة تامة ركعتين، من
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٢/ ١٤، ورواه بنحوه البخاري (٣٦٥٥)، (٣٦٩٨).
[ ٣ / ٢٨ ]
أعادهما فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة ليس له من فضل الجمعة شيء، إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا: برهم وفاجرهم، فالسنة أن تصلي معهم ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع وتدين بأنها تامة، ولا يكن في صدرك من ذلك شك.
ومن خرج على إمام المسلمين، وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول اللَّه -ﷺ- فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية.
ولا يحل قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق.
وقتال اللصوص والخوارج جائز إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله فله أن يقاتل عن نفسه وماله، ويدفع عنها بكل ما يقدر عليه. وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم، ولا يتبع آثارهم ليس لأحد إلا للإمام أو ولاة المسلمين إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك، وينوي بجهده أن لا يقتل أحدًا، فإن أتى عليه في دفعه عن نفسه في المعركة فأبعد اللَّه المقتول، وإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجوت له الشهادة، كما جاء في الأحاديث.
وجميع الآثار في هذا: إنما أمر بقتاله ولم يؤمر بقتله ولا اتباعه ولا يُجهز عليه إن صُرع أو كان جريحًا، وإن أخذه أسيرًا فليس له أن يقتله، ولا يقيم عليه الحد ولكن يرفع أمره إلى من ولاه اللَّه فيحكم فيه.
ولا يشهد على أحد من أهل القبلة بعمل يعلمه بجنة ولا نار يرجو للصالح ويخاف عليه، ويخاف على المسيء المذنب ويرجو له رحمة اللَّه.
[ ٣ / ٢٩ ]
ومن لقي اللَّه بذنب يجب له به النار تائبًا غير مصر عليه، فإن اللَّه ﷿ يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا، فهو كفارته كما جاء الخبر عن رسول اللَّه -ﷺ- (١). ومن لقيه مصرًّا غير تائب من الذنوب التي استوجب بها العقوبة، فأمره إلى اللَّه ﷿ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ومن لقيه كافرًا عذبه ولم يغفر له.
والرجم حق على من زنا وقد أحصن إذا اعترف أو قامت عليه بينة، وقد رجم رسول اللَّه -ﷺ-، وقد رجمت الأئمة الراشدون.
ومن انتقص أحدا من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أو أبغضه لحدث كان منه، أو ذكر مساوئه كان مبتدعًا حتى يترحم عليهم جميعًا، ويكون قلبه لهم سليمًا.
والنفاق: هو الكفر، أن يكفر باللَّه ويعبد غيره، ويظهر الإسلام في العلانية مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول اللَّه -ﷺ-.
وهذِه الأحاديث التي جاءت "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنافِقٌ" (٢) هذا على التغليظ، نرويها كما جاءت ولا نفسرها.
وقوله: "لا ترجعوا بعدي كفارًا ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض" (٣).
ومثل: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" (٤).
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ٣١٤، والبخاري (٦٧٨٤)، ومسلم (١٧٠٩) من حديث عبادة.
(٢) رواه أحمد ٢/ ٥٣٦ من حديث أبي هريرة، وهو في "صحيح الجامع" (٣٠٤٣).
(٣) رواه الإمام أحمد ١/ ٢٣٠، والبخاري (١٧٣٩) من حديث ابن عباس. ورواه الإمام أحمد ٥/ ٣٧، ٤٤، والبخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩) من حديث أبي بكرة.
(٤) رواه أحمد ٥/ ٤٣، والبخاري (٣١)، (٦٨٧٥)، ومسلم (٢٨٨٨) عن أبي بكرة.
[ ٣ / ٣٠ ]
ومثل: "سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتالُهُ كُفْرٌ" (١).
ومثل: "من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما" (٢).
ومثل: "كفْرٌ باللَّهِ تبَرُّؤٌ مِنْ نَسَبٍ وَإِنْ دَقَّ" (٣).
ونحوه من الأحاديث مما قد صح وحفظ فإنا نسلم له وإن لم يعلم تفسيرها ولا يتكلم فيه ولا يجادل فيه ولا تفسر هذِه الأحاديث إلا بمثل ما جاءت ولا نردها إلا بأحق منها. والجنة والنار مخلوقتان قد خلقتا كما جاء عن رسول اللَّه -ﷺ-: "دخلتُ الجنة فرأيت قصرًا" (٤) و"رأيتُ الكوثر" (٥). و"اطلعتُ في الجنة فرأيتُ لأهلها كذا واطلعتُ في النار فرأيتُ كذا ورأيتُ كذا" (٦) فمن زعم أنهما لم تخلقا فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول اللَّه -ﷺ- ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار.
ومن مات من أهل القبلة موحدًا يصلى عليه ويستغفر له ولا تترك
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ١/ ٣٨٥، والبخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤) من حديث ابن مسعود.
(٢) رواه الإمام أحمد ٢/ ١٨، والبخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠) من حديث ابن عمر.
(٣) رواه الدارمي في "سننه" ٤/ ١٨٩١ (٢٩٠٥)، والبزار في "مسنده" ١/ ١٣٩ (٧٠)، والطبراني في "الأوسط" ٣/ ١٦٧ (٢٨١٨) من حديث أبي بكر الصديق. وفيه السري ابن إسماعيل قال البزار: ليس بالقوي، وقد حدث عنه الزهري وجماعة كثيرة، واحتملوا حديثه اهـ. وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (٤٤٨٥).
(٤) رواه الإمام أحمد ٣/ ١٠٧، والترمذي (٣٦٨٨) من حديث أنس، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٥) رؤية النبي -ﷺ- للكوثر: رواها أحمد ٣/ ١٠٣، والبخاري (٦٥٨١) عن أنس.
(٦) روى الإمام أحمد ٤/ ٤٤٣، والبخاري (٣٢٤١)، ومسلم (٢٧٣٨) مختصرًا من حديث عمران بن حصين مرفوعًا: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء".
[ ٣ / ٣١ ]
الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيرًا كان أو كبيرًا وأمره إلى اللَّه ﷿ (١).
"شرح أصول الاعتقاد" لللالكائي ١/ ١٧٦ - ١٨٥ (٣١٧)
قال الحسن بن إسماعيل الرَّبعي: قال لي أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة الصابر تحت المحنة: أجمع تسعون رجلًا من التابعين، وأئمة المسلمين، وأئمة السلف، وفقهاء الأمصار على أن السُّنة التي توفي عليها رسول اللَّه -ﷺ-، أولها: الرضا بقضاء اللَّه، والتسليم لأمره والصبر على حكمه، والأخذ بما أمر اللَّه به، والانتهاء عما نهى عنه، والإيمان بالقدر خيره وشره، وترك المراء والجدال في الدين، والمسح على الخفين، والجهاد مع كل خليفة، بر وفاجر، والصلاة على من مات من أهل القبلة، والإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. والقرآن كلام اللَّه، منزل على قلب نبيه محمد -ﷺ- غير مخلوق، من حيثما تُلي، والصبر تحت لواء السلطان على ما كان فيه من عدل أو جور، وأن لا نخرج على الأمراء بالسيف وإن جاروا، وأن لا نُكفر أحدًا من أهل التوحيد، وإن عملوا الكبائر، والكف عما شجر بين أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-. وأفضل الناس بعد رسول اللَّه -ﷺ-: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ابن عم رسول اللَّه -ﷺ-، والترحم على جميع أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- وأزواجه وأصهاره، رضوان اللَّه عليهم أجمعين، فهذِه السنة الزموها تسلموا، أخذها هدى وتركها ضلالة (٢).
"طبقات الحنابلة" ١/ ٣٤٩
_________________
(١) رواها ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" ٢/ ١٦٦ - ١٧٤، وابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد" ص ٢٢٢ - ٢٢٧.
(٢) رواها ابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد" ص ٢٢٨.
[ ٣ / ٣٢ ]
قال محمد بن حبيب الأندرابي: سمعت أَحْمد بن حَنْبَل يَقُولُ: صِفَةُ المُؤْمِنِ مِنْ أَهْلِ السّنَّة والجَماعَةِ: مَنْ يَشْهَدُ أَنْ لا إله إلَّا اللَّه وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُوْلُهُ، وأَقَرَّ بِجَمِيْع ما أَتَتْ بِهِ الأنْبِياءُ والرُّسلُ، وعَقَدَ عَلَيْه على ما أَظْهَرَ، ولَمْ يَشُكَّ في إِيْمانِهِ، وَلَم يُكَفّرْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيْد بِذَنْبٍ، وأَرْجَأَ ما غابَ عَنْهُ مِنَ الأمُورِ إلى اللَّه ﷿، وفَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ ﷿، ولم يَقْطَعْ بالذُّنُوبِ بالعِصْمَةَ مِنْ عِنْد اللَّه، وعَلِمَ أَنَّ كلَّ شَيءٍ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والخَيْرُ والشَّرُّ جَمِيْعًا، ورَجا لمُحْسِنِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، وتَخَوَّفَ على مُسِيْئِهمْ، ولَمْ يُنْزِلْ أَحَدًا من أُمَّةِ محمَّدٍ -ﷺ- جَنَّةً ولا نارًا، بإِحْسانٍ اكتَسَبَهُ ولا بِذَنْبٍ اكتَسَبَهُ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ ﷿ الذِي يُنْزِلُ خَلْقَهُ حَيْثُ يَشاءُ، وعَرَفَ حَقَّ السَّلَفِ الذِيْن اختارَهَم اللَّه لِصُحْبَةِ نَبِيّهُ -ﷺ-، وقَدَّم أَبا بَكْرِ وعُمَر وعُثْمانَ، وعَرَفَ حَقَّ عَلِيِّ بن أَبِي طالبٍ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، وعَبْدِ الرَّحْمَن بن عَوْفٍ، وسَعْدِ بن أَبِي وَقّاصٍ، وسَعِيْدِ بنِ زيدِ بن عَمرو بن نُفَيْلٍ على سائِرِ الصَّحابة، فإِنَّ هؤلاء التّسْعَة الذِيْنَ كانُوا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- على جَبلِ حِراء، فَقالَ النَّبِيّ -ﷺ-: "اسْكُنْ حِراءُ، فَما عَلَيْكَ إِلّا نَبِيٌّ أَوْ صِدّيق أَوْ شَهِيدٌ" (١).
والنَّبيُّ -ﷺ- عاشِرُهُمْ، وتَرَحَّمَ عَلى جَمِيْع أَصْحابِ مُحمَّدٍ صغيرِهِم وكَبِيِرِهِم، وحَدّثَ بفَضائِلِهِم، وأَمْسِكَ عَمّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وصَلاةُ العِيْدَيْنِ والخَوْفِ والجُمْعَةِ والجَماعاتِ مَعَ كل أَمِيْر بَرٍّ أَوْ فاجِرٍ، والمَسْحُ على الخُفَّيْنِ في السَّفَرِ والحَضَرِ، والقَصْرُ في السَّفَرِ، والقُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ وتَنْزِيْلُهُ، وَلَيْسَ بمَخْلُوقٍ. والإيْمانُ قَوْلٌ وعَمَلٌ، يَزِيْدُ ويَنْقُصُ.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ١/ ١٨٧ - ١٨٨، وأبو داود (٤٦٤٨)، والترمذي (٣٧٥٧) وقال: حسن صحيح. من حديث سعيد بن زيد.
[ ٣ / ٣٣ ]
والجِهادُ ماضٍ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا -ﷺ- إلى آخرِ عُصْبَةٍ يُقاتِلُون الدَّجّال، لا يَضُرُّهُمْ جَوْرُ جائِر، والشِّراءُ والبَيْعُ حَلال إلى يَوْمِ القِيامَةِ، على حُكْم الكِتابِ والسُّنَّة، والتَّكْبِيْرُ على الجَنائِز أَرْبَعًا، والدُّعاءُ لأئمَّةِ المُسْلِمين بالصَّلاحِ، ولا تَخْرُجْ عَلَيْهِم بسَيْفِكَ، ولا تُقاتِلْ في فِتْنَةٍ، والْزَمْ بَيْتَكَ، والإيْمانُ بعَذابِ القَبْر، والإيْمانُ بمُنْكَرٍ ونَكِيْر، والإيْمانُ بالحَوْضِ والشَّفاعة، والإيْمانُ أَنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَرَوْنَ رَبَّهُم ﵎، والإيْمانُ أَنَّ المُوحِّدِيْن يَخْرُجُون من النّارِ بعد ما امْتَحَشُوا، كَما جاءَت الأحاديث في هذِه الأشْياء عن النَّبِيِّ -ﷺ- نُؤْمِنُ بِتَصْدِيْقها، ولا نَضْرِبُ لَها الأمْثال، هذا ما اجْتَمَعَ عَلَيْهِ العُلَماءُ في جَمِيْعِ الآفاقِ (١).
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٥
قال محمد بن عوف الحمصي: أَمْلَى عليَّ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: جاءَ الحديث عن رسول اللَّه -ﷺ- أَنَّه قال: "مَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِذَنْبٍ يجبُ لَهُ بِهِ النّارُ، تائِبٌ مِنْهُ غيرُ مُصِرٍّ عَلَيْهِ، فإِنَّ اللَّهَ يَتُوْبُ علَيْه، ومَنْ لَقِيَهُ، وقد أُقِيْمَ عَليه حَدُّ ذِلكَ الذَّنْبِ في الدُّنْيا فهو كَفّارَتُهُ" كَما جاءَ الحَدِيْثُ عنْ رَسُوْل اللَّه -ﷺ- (٢)، ومَن لَقِيَهُ مُصِرًّا غيْرَ تائِبٍ مِنَ الذُّنُوْبِ التي قَدْ اسْتَوْجَبَ بِها العُقُوْبَةَ، فأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ، إِنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإِنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ، إِذا تُوُفِّيَ عَلَى الإسْلامِ والسُّنَّةِ، ومَنْ تَنَقَّصَ أَحَدًا من أَصْحابِ رَسُوْل اللَّه -ﷺ- أَو أبغضَه لحَدَثٍ كَان مِنْهُ، أَوْ ذَكَرَ مَساوِيه، كانَ مُبْتَدِعًا، خارجًا عن الجَماعَةِ حَتَّى يَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيْعًا، ويَكُوْن قَلْبُهُ لَهُمْ بأَجْمَعِهِمْ سَلِيْمًا.
_________________
(١) رواها ابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد" ص ٢١٤ - ٢١٦.
(٢) تقدم تخريجه من حديث عبادة بن الصامت.
[ ٣ / ٣٤ ]
والنِّفاقُ: هو الكُفْرُ باللَّهِ أَنْ يَكْفُرَ باللَّهِ ويَعْبُدَ غَيْرَهُ ويُظْهِرَ الإسْلامَ في العَلانِيَةِ مثلُ المُنافِقين الذْيْنَ كانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللَّه -ﷺ-، فمَنْ أَظْهَرَ مِنْهُمُ الكُفْرَ قُتِلَ ولَيْسَ بِمِثْلِ هذِه الأحاديث التِي جاءَتْ: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنافِقٌ" هذا علَى التَّغْلِيْظِ، وتُرْوى كَما جاءَتْ، لا يَجُوْزُ لأَحَدٍ أَنْ يُفَسّرَها، وقَوْلُهُ: "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُم رِقابَ بَعْضٍ" ومثل قوله: "إِذا التَقَى المُسْلِمان بِسَيْفَيْهِما فالْقاتِلُ والْمَقْتُولُ فِي النّارِ" ومثل قوله: "سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوق وَقِتالُهُ كُفْرٌ" ومثل قوله: "مَنْ قالَ لِأَخِيهِ يا كَافِرُ فَقَدْ باءَ بِها أَحَدُهُما" ومثل قوله: "كُفْرٌ باللَّه: مَنْ تبَرَّأ مِنْ نَسَبٍ، وإِنْ دَقَّ" ونَحْو هذِه الأحادِيْث، مِمّا قَدْ صَحَّ وحُفِظَ، فَإِنا نُسَلِّم لَها، وإِنْ لَمْ نَعْلَمْ تَفْسِيْرَها، وَلا نَتَكَلَّمُ فِيْها، ولا نُجادِلُ فيها، ولا نُفسِّرُها، ولَكِنّا نَرْويها كَما جاءَتْ، نُؤْمِنُ بِها، ونَعْلَمُ أَنَّها حَق، كَما قالَ رَسُوْلُ اللَّه -ﷺ-، ونُسَلّمُ بِها ولا نَرُدُّها.
ولا نَتْرُكُ الصَّلاةَ عَلَى أَحَدٍ من أَهْلِ القِبْلَة بِذَنْبٍ أَذْنَبَهُ صَغِيْرًا أَوْ كبيرًا، إلَّا أَنْ يَكُوْنَ من أَهْلِ البدَعِ الذيْنَ أَخْرَجَهُمْ النبي -ﷺ- من الإسْلامِ؛ القَدَرِيَّهُ، والمُرْجِئَةُ، والرَّافِضَةُ، والجَهْمِيَّةُ، فَقالَ: "لا تُصَلُّوا مَعَهُمْ ولا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ" (١)، وكَما جاءَ الحَدِيْثُ عَنْ رسُوْلِ اللَّه -ﷺ- من الأحادِيْثِ
_________________
(١) رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٣٢٨) من حديث جابر مرفوعًا: "إن مجوس هذِه الأمة المكذبون بأقدار اللَّه تعالى .. وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم". وحسنه الألباني. وروى الخطيب في "تاريخ بغداد" ١٣/ ٤٧٣ من حديث أنس مرفوعًا: "إن اللَّه تعالى اختارني واختار أصحابي وأنه سيجيء في آخر الزمان قوم ينتقصونهم". . ألا ولا تصلوا معهم، ألا ولا تصلوا عليهم". وذكره ابن حبان في "المجروحين" ١/ ١٨٧ وقال: وهذا خبر باطل لا أصل له.
[ ٣ / ٣٥ ]
الصحِيْحَةِ: أَنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قدْ رَأى رَبَّهُ (١)، فَإِنَّه مأثورٌ عن رَسُوْلِ اللَّه -ﷺ-. رَواهُ قَتادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ. ورَواهُ الحَكَمُ بنُ أَبان العَدَنِيُّ، عن عِكْرمَةَ، عنِ ابن عَبّاسٍ. وَرَواهُ عَليُّ بنُ زيدٍ، عن يُوْسُفَ بنِ مِهْران، عَنْ ابن عَبّاسٍ؛ الإيْمانُ بِذلِكَ، والتَّصْدِيْقُ بِهِ، وأَنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَرَوْنَ اللَّهَ عَيانًا، وأَنَّ العبادَ يُوزَنُوْنَ بأَعْمالِهِمْ، فمِنْهُمْ مَنْ لا يَزِنُ جَناحَ بَعُوْضَةٍ، وأَنَّ اللَّهَ ﵎ يُكَلِّمُ العِبادَ، لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ تُرْجُمان. وأَنَّ لِرَسُوْلِ اللَّه -ﷺ- حَوْضًا آنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُوْمِ السَّماءِ. والإيمانُ بِعَذابِ القَبْر وبِفتْنَةِ القَبْر، يُسَأَلُ العَبْدُ عن الإيْمانِ والإِسْلامِ، ومَنْ رَبُّه؟ وما دِيْنُهُ؟ ومَنْ نَبِيُّهُ؟ وبِمُنْكَرٍ ونَكِيْرٍ.
والإيْمانُ بِشَفاعَةِ النبي -ﷺ-، لقَوْمٍ يَخْرُجُوْنَ مِنَ النّارِ. والإيْمانُ بشَفاعَةِ الشّافِعِيْنَ، وأَنَّ الجَنَّةَ والنّارَ مَخْلُوقَتانِ، قَدْ خُلِقَتا، كَما جَاء الخَبَرُ عَنْ رَسُوْلِ اللَّه ﷺ: "دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيها قَصْرًا"، و" رَأَيْتُ الكَوْثَرَ"، و"اطَّلَعْتُ في النّارِ فَرَأَيْتُ أَكثر أَهْلِها كذا وكذا"، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُما لَمْ يُخْلَقا فهو مُكَذِّبٌ بِرَسُوْلِ اللَّه ﷺ وبالقُرْآن، كافِرٌ بالجَنَّة وبالنارِ، يُسْتَتابُ، فَإِنْ تابَ وإلَّا قُتِلَ. وأَنَّه إذا لَمْ يَبْقَ لأحَدٍ شَفاعَة قالَ اللَّهُ تَعالَى: أَنا أَرْحَمُ الرّاحِمِيْنَ. فَيُدْخِلُ كَفَّه في جَهَنَّمَ، فيُخْرِجُ مِنْها ما لا يُحْصِيْهِ غَيْرُهُ ولوْ شاءَ أَخْرَجَهُمْ كُلَّهُمْ. وحَدِيْثُ عَبْدِ الرَّحْمَن بن عائش الحَضْرَمِيِّ: "فَوَضَعَ كفَّهُ بينَ كَتِفَيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَها بَيْنَ ثَدْيَيَّ" (٢).
_________________
(١) تقدم ص ٢٦. والأحاديث التالية تقدمت أيضًا.
(٢) رواه الإمام أحمد ٤/ ٦٦، والترمذي (٣٢٣٥) من طريق عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب النبي -ﷺ-، وعند الترمذي: عن عبد الرحمن بن عائش، عن مالك بن =
[ ٣ / ٣٦ ]
وجَهَنَّمُ لا تَزالُ تَقُوْلُ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيْدٍ﴾ حَتَّى يَأتِيها الرَّبّ ﵎، "فَيَضَعُ قَدَمَهُ فِيْها، فَتُزْوى، فَتَقُوْلُ: قَطِ قَطِ، حَسْبِي حَسْبِي" هَكَذا جاءَ الخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- (١).
ولا نُنْزِلُ أحَدًا من أهْلِ القِبْلَة جَنَّةً ولا نارًا إلَّا مَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُوْلُ اللَّه -ﷺ- بالجَنَّة: أَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وعبدُ الرَّحْمَن ابنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بن أَبي وَقّاص، وسَعِيْدُ بنُ زيدٍ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْل.
وأَنَّ آدَم -ﷺ- خلِقَ على صُوْرَةِ الرَّحْمَن، كَما جاءَ الخَبرُ عَنْ رَسُوْلِ اللَّه -ﷺ-، رَواه ابن عُمَرَ عَنْ رَسُوْلِ اللَّه -ﷺ- (٢).
وكَما صَحَّ الخَبرُ عَنْ رَسُوْلِ اللَّه -ﷺ- أنَّهَ قالَ: "ما مِنْ قَلْبٍ إِلّا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصابِعِ الرَّحْمَنِ" (٣)، و"كلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ" (٤) الإيْمانُ بذلِكَ، فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِذلِكِ، ويَعْلَمْ أَنَّ ذلِكَ حَقٌّ، كَما قال رسول اللَّه -ﷺ- فهو مُكَذّب بِرَسُوْلِ اللَّه -ﷺ-، يُسْتَتابُ فِإِنْ تابَ، وإلَّا قُتِلَ؛ لأنَّ الخَبَرَ قَدْ
_________________
(١) = يخامر، عن معاذ بن جبل. وقال: هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح اهـ. ورواه الإمام أحمد ١/ ٣٦٨، والترمذي (٣٢٣٣) من حديث ابن عباس وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٥٩)، وانظر: "السلسلة الصحيحة" (٣١٦٩).
(٢) رواه الإمام أحمد ٣/ ٢٣٤، والبخاري (٦٦٦١)، ومسلم (٢٨٤٨) من حديث أنس.
(٣) رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٥١٧)، والطبراني ١٢/ ٤٣٠ (١٣٥٨٠) من حديث ابن عمر، وضعفه الألباني في "الضعيفة" (١١٧٦). ورواه ابن أبي عاصم (٥١٨) من حديث ابن عمر بلفظ: "على صورته". ورواه أحمد ٢/ ٢٤٤، ومسلم (٢٦١٢) من حديث أبي هريرة بلفظ: "إن اللَّه خلق آدم على صورته".
(٤) رواه الإمام أحمد ٢/ ١٦٨، ومسلم (٢٦٥٤) من حديث عبد اللَّه بن عمرو.
(٥) رواه الإمام أحمد ٢/ ١٦٠، ومسلم (١٨٢٧) من حديث عبد اللَّه بن عمرو.
[ ٣ / ٣٧ ]
صَحَّ عَنْ رَسُوْلَ اللَّه -ﷺ-: "أَنَّ اللَّهَ لَمّا خَلَقَ آدمَ ضَرَبَ بِيَدِهِ شقَّ آدمَ الأيْمَنَ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الأخْرى -وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ- عَلَى شقِّ آدمَ الأيْسَرِ، فَقالَ: في الأُوْلَى: من أَهْلِ الجَنَّةِ، وفي الأخْرى: مِنْ أَهْلِ النّارِ" (١).
والإيْمانُ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ. والإيْمانُ قَوْلٌ وعَمَلٌ، يَزِيْدُ وَينْقُصُ، يَنْقُصُ بقلَّةِ العَمَلِ، وَيزِيْدُ بِكَثْرَةِ العَمَلِ. والقُرآنُ كَلامُ اللَّهِ غيرُ مَخْلُوْقٍ، منْ حَيْثُما سُمِعَ وتُلِيَ، مِنْهُ بَدأ، وإِلَيْهِ يَعُوْدُ.
وخَيْرُ النّاسِ بَعْدَ رَسُوْلِ اللَّه -ﷺ-: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمانُ، ثُم عَلِيٌّ، فَقُلْتُ له: يا أَبا عَبْد اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يَقُوْلُوْنَ: إِنَّكَ وَقَفْتَ على عُثْمانَ؟ فَقالَ: كَذَبُوا واللَّهِ عَلَيَّ. إِنَّما حَدَّثْتُهُمْ بِحَدِيْثِ ابن عُمَر: كُنا نُفاضِلُ بينَ أَصْحابِ رَسُوْلِ اللَّه -ﷺ-، نَقُوْلُ: أَبُو بكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمانُ، فَيَبْلُغُ النَّبيَّ ﷺ فَلا يُنْكِرُهُ (٢). ولم يَقُلِ النَّبِيُّ -ﷺ-: لا تُخايرُوا بَعْدَ هؤلاء بينَ أَحَدٍ لَيْسَ لأحَدٍ في ذلِكَ حُجَّةٌ، فَمَنْ وَقَفَ علَى عُثْمانَ وَلَمْ يُربِّعْ بِعَلِيٍّ فَهُوَ عَلَى غيْر السُّنَّةِ يا أَبا جَعْفَر.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٣٣٩ - ٣٤٣
قال عَلِيٌّ عَنِ ابن بَطَّةَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ المُقْرِئُ المَراغِيُّ -بالمَراغَةِ- حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدِ السَّرَنْدِيبيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُوْسَى الحافِظُ -المَعْرُوْفُ بابن المُعدِّلِ- حَدَّثَنا أَحْمَدُ بنُ
_________________
(١) رواه بنحوه الإمام أحمد ٦/ ٤٤١، والبزار في "مسنده" ١٠/ ٧٨ (٤١٤٣) من حديث أبي الدرداء، وليس فيه ذكر اليد ولا قوله: "وكلتا يديه يمين"، وزاد الهيثمي في "المجمع" ٧/ ١٨٥ عزوه للطبراني، وقال: ورجاله رجال الصحيح.
(٢) رواه الإمام أحمد ٢/ ١٤، والبخاري (٣٦٥٥) دون قوله: (فيبلغ ذلك النبي -ﷺ- فلا ينكره)، ورواه بتمامه الحارث في "مسنده" كما في "بغية الباحث" (٩٦٤)، والطبراني في "الأوسط" ٨/ ٣٠٣ (٨٧٠٢).
[ ٣ / ٣٨ ]
محمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ الزَّرَنْدِيُّ قالَ: لَمّا أَشْكَلَ عَلَى مُسَدَّدِ بنِ مُسَرْهَد بن مُسَرْبَلٍ أَمْرُ الفِتْنَةِ، وَما وَقَعَ النّاسُ فيه من الاختلافِ في القَدَرِ، والرَّفْضِ، والاعتِزال، وخَلْقِ القُرآنِ، والإرْجاءِ، كَتَبَ إلى أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِسُنَّة رَسُوْلِ اللَّه -ﷺ-: فَلَمّا وَرَدَ كِتابُهُ على أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ: بَكَى وقالَ: إِنّا للَّه وإِنّا إِلَيْهِ راجِعُوْنَ، يَزْعُمُ هذا البَصْرِيُّ، أَنَّه أَنْفَقَ على العِلْمِ مالًا عَظِيْمًا، وهو لا يَهْتَدِي إلى سُنَّةِ رسُوْلِ اللَّه -ﷺ-. فَكَتَبَ إِلَيْه: بِسْم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيْمِ، الحمْدُ للَّهِ الذي جَعَلَ في كلِّ زَمانٍ بَقايا من أَهْلِ العِلْمِ يَدْعُونَ من ضلَّ إلى الهُدى، ويَنْهَوْنَهُ عن الرَّدى، يُحْيُوْنَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالَى المَوْتَى، وبِسُنَّة رَسُوْلِ اللَّه -ﷺ- أَهْلَ الجَهالَةِ والرَّدى، فَكَمْ من قَتيْلٍ لإبْلِيْسَ قَدْ أَحْيَوْهُ! وكَمْ مِنْ ضالٍّ تائِهٍ قَدْ هَدَوْهُ! فَما أَحْسَنَ آثارَهُمْ عَلَى النّاسِ، يَنْفُوْنَ عن دينِ اللَّه تَحْرِيْفَ الغالِيْنَ، وانتِحالَ المُبْطِلِيْنَ، وتَأْوِيْلَ الضَّالِّين الذين عَقَدُوا أَلْوِيَةَ البِدَعِ، وأَطْلَقُوا عَنانِ الفِتْنَةِ، يَقُوْلُوْنَ على اللَّهِ، وفي اللَّه -تَعالَى اللَّه عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيْرًا- وفي كِتابِه بِغَيْرِ عَلْمٍ، فَنَعُوذُ باللَّه من كلّ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، وصلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
أَمّا بَعْدُ: وَفَّقنا اللَّهُ وإِيّاكُمْ لِما فِيْهِ طاعَتُهُ، وجَنَّبَنا وإيّاكُمْ ما فِيْهِ سَخَطُهُ، واسْتَعْمَلَنا وإيّاكُمْ عَمَلَ العارِفِيْنَ بِهِ، الخائِفِيْنَ مِنْهُ، إِنَّه المَسْئُولُ ذلِكَ. أُوصِيْكُمْ ونَفْسِي بِتَقْوى اللَّه العَظِيْمِ، ولُزُوْمِ السُّنَّةِ. فَقَدْ عَلِمْتُمْ ما حَلَّ بِمَنْ خالَفَها، وَما جاءَ فيمن اتَّبَعَها، بَلَعَنا عنْ النَّبيّ -ﷺ- أَنَّه قالَ: "إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ العَبْدَ الجَنَّةَ بالسُّنَّةِ يَتَمَسَّكُ بِها" (١) فآمُرُكُم أَنْ لا تُؤْثِرُوا عَلَى القُرْآنِ شيْئًا؟ فَإِنَّه كَلامُ اللَّهِ، وما تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ فَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَما
_________________
(١) ذكره الشاطبي في "الاعتصام" ١/ ١٢٤ وعزاه لابن وهب.
[ ٣ / ٣٩ ]
أَخْبَرَ بِهِ عن القُرُوْنِ الماضِيَةِ فَغَيْرُ مَخْلُوْقٍ، وما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وما في المَصاحِفِ وتِلاوَة النّاسِ وكَيْفَما قُرِئَ وكَيْفَما يُوْصَفُ، فَهُو كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَمَنْ قالَ: مَخْلُوقٌ، فهو كافرٌ باللَّه العَظِيْمِ، ومَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ فهو كافِرٌ. ثُمَّ من بَعْدِ كِتابِ اللَّهِ سُنَّةُ النَّبيِّ -ﷺ- والحَدِيْث عَنْهُ، وعَن المَهْدِيِّينَ أَصْحابِ النَّبيِّ -ﷺ-، والتَّصديقُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، واتباعُ سُنَّةِ النَّجاةِ، وهي التي نَقَلَها أَهْلُ العلم كابرًا عن كابرٍ.
واحْذَرُوا رأَي جَهْمٍ؛ فَإِنَّهُ صاحِبُ رَأْيٍ، وكَلام وخُصُوْمات، فَقَدْ أَجْمَع مَنْ أَدْرَكْنا من أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ الجَهْمِيَّة افتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ؛ فَقالَتْ طائِفة مِنْهُمْ: القُرآنُ كَلامُ اللَّهِ مَخْلُوْق. وقالَتْ طائِفَة: القُرْآنُ كَلامُ اللهِ. وسَكَتَتْ، وهي الواقِفَةُ المَلْعُوْنَةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أَلْفاظُنا بالقُرآنِ مَخْلُوْقَةٌ. فكلُّ هؤلاء جَهْمِيَّة كُفّار، يُسْتَتابُوْنَ، فَإِنْ تابُوا وإِلا قُتِلُوا. وأَجْمَعَ منْ أَدْرَكْنا مِنْ أَهْل العِلْمِ: أَنَّ مَنْ هذِه مَقالَتُهُ إِنْ لَمْ يَتُبْ لَمْ يُناكَحْ، ولا يَجُوْزُ قَضاؤُه، ولا تُؤْكَّلُ ذَبِيْحَتُهُ.
والإيْمانُ: قَوْلٌ وعَمَلٌ، يزيدُ ويَنْقُصُ، زِيادَتُهُ إِذا أَحْسَنْتَ ونُقْصانُهْ إِذا أَسأتَ، ويَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَ الإيْمانِ إلى الإسْلامِ، وَلا يُخْرِجُهُ مِنَ الإسْلامِ شَيءٌ إلَّا الشِّرْكُ باللَّه العَظِيْمِ، أَو يَرُدُّ فَرِيْضَةً مِنْ فَرائضِ اللَّه جاحِدًا بِها، فإِنْ تَرَكَها كَسَلًا أو تَهاونًا كان في مَشِيْئَةِ اللَّه، إنْ شاءَ عَذَّبَهُ، وإِنْ شاءَ عَفا عَنه.
وأَمَّا المُعْتَزِلَةُ المَلْعُوْنَةُ: فَقَدْ أَجْمَعَ مَنْ أَدْرَكْنا من أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُمْ يُكَفِّرُونَ بالذَّنْبِ، ومَنْ كانَ مِنْهُم كَذلِكَ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ آدمَ كانَ كَافِرًا، وأَنَّ إخوةَ يُوْسُفَ حِيْنَ كَذَّبُوا أَباهُم يَعْقُوبَ ﵇ كانُوا كفّارًا، وأَجْمَعَتْ المُعْتَزِلةُ أَنَّ مَنْ سَرَقَ حَبَّةً فهو كافر، تَبِيْنُ مِنْهُ امرَأَتُهُ، ويَسْتَأْنِفُ الحجَّ إِنْ كانَ حَجَّ، فهؤلاء الذيْنَ
[ ٣ / ٤٠ ]
يَقُوْلُونَ بهذِه المَقالَة كفّارٌ، لا يُناكَحُوْنَ وَلا تُقْبَلُ شَهادَتُهُمْ.
وأَمَّا الرَّافضَةُ: فَقَدْ أَجْمَعَ مَنْ أَدْركْنا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُمْ قالُوا: إِنَّ عَلِيَّ ابنَ أَبِي طالبٍ -﵁- أَفْضَلُ من أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، وأَنَّ إِسْلامَ عَلِيٍّ كانَ أَقْدَمَ مِنْ إِسْلامِ أَبِي بَكْر فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عَلِيَّ بنَ أَبي طالبٍ أَفْضَلُ من أَبِي بَكْرٍ قد رَدَّ الكِتابَ والسُّنَّة، لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] فَقَدَّمَ اللَّه أَبا بَكْرٍ، بعدَ النَّبِيِّ -ﷺ-.
وقالَ النَّبيُّ -ﷺ-: "لَوْ كنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيْلًا لاتَّخَذْتُ أَبا بَكْرٍ خَلِيْلًا، ولكنَّ اللَّهَ قد اتَّخَذَ صاحِبكُمْ خَلِيْلًا، ولا نَبِيَّ بَعْدِي" (١) فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ إِسْلامَ عَلِيٍّ أَقْدَمُ مِنْ إِسْلامِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَدْ كَذَبَ؛ لأنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّه بنُ عُثْمان عَتَيْقُ بنِ أَبِي قُحافَةَ، وهو يَوْمَئِذٍ ابن خَمْسٍ وثَلاثين سَنَةً، وعليُّ ابن سَبْع سِنيْنَ، لم تَجْرِ عليه الأَحْكامُ والفَرائضُ والحُدُوْدُ.
ونُؤْمِنُ بالقَضاءِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، وحُلْوِهِ ومُرِّهِ، وأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الجَنَّةَ قَبْلَ الخَلْقِ، وخَلَقَ لَها أَهْلا، ونَعِيْمُها دائمٌ، ومَنْ زَعَمَ أَنَّه يَبِيْدُ من الجَنَّةِ شَيءٌ فهو كافِر، وخَلَقَ النّارَ قَبْلَ خَلْقِ الخَلْقِ، وخَلَقَ لَها أَهْلًا، وعَذابُها دائمٌ، وأَنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ لا مَحالَةَ، وأَنَّ اللَّه يُخْرِجُ أَقْوامًا من النّارِ بِشَفاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وأَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوْسَى ﵇، واتَّخذَ إِبْراهِيْمَ خَلِيْلًا.
الصِّراطُ حَقٌّ، والمِيْزانُ حَقٌّ، والأنْبِياءُ حَقٌّ، وعَيْسَى ابن مَرْيَمَ رَسُوْلُ اللَّهِ وكَلِمتُهُ. والإيْمانُ بالحَوْضِ والشَّفاعَةِ، والإيْمانُ بمُنْكَرٍ ونكِيْرٍ، وعَذابِ القَبْر، والإيْمان بمَلَكِ المَوْتِ ﵇، أَنَّه يَقْبِضُ الأرْواح، ثُمَّ تُرَدُّ في
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ١٨، والبخاري (٤٦٦)، ومسلم (٢٣٨٢) من حديث أبي سعيد.
[ ٣ / ٤١ ]
الأجْسادِ في القُبُورِ، فيُسْأَلُونَ عَنِ الإيْمانِ والتَّوحِيْدِ، والإيْمانُ بالنَّفْخِ في الصُّورِ، والصُّوْرُ قَرْن يَنْفُخُ فيه إِسْرافِيْلُ، وأَنَّ القَبْرَ الذِيْ بالمَدِيْنَةِ قَبْرُ مُحَمَّد -ﷺ- مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وعُمَر، وقُلُوْبُ العَبِادِ بينَ إِصْبعَيْنِ من أَصابعِ الرَّحَمن، والدَّجّالُ خارجٌ في هذِه الأُمَّةِ لا مَحالَةَ، وَينْزلُ عِيْسَى ابن مَرْيَمَ فَيَقْتُلَهُ ببابِ لُدٍّ.
وما أَنْكَرتِ العُلَماءُ من الشُّبْهَةِ فهو مُنْكَرٌ، واحْذَرُوا البدَعَ كُلَّها.
ولا عَيْنٌ تَطْرِفُ بعْدَ النَّبيِّ -ﷺ- خَيْرًا من أَبِي بَكْرٍ الصِّدِيْقِ -﵁-، وَلا بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ عَيْنٌ تَطْرِفُ خَيْرًا من عُمَرَ. ولا بَعْدَ عُمَرَ عَيْنٌ تَطْرِفُ خَيْرًا منْ عُثْمانَ، ولا بَعْدَ عُثْمانَ بنِ عَفّانَ عَيْنٌ تَطْرِفُ خَيْرًا من عَلِيّ بن أَبِي طالبٍ -﵃- أَجْمَعِيْن.
قالَ أَحْمَدُ: -هُم واللَّهِ الخُلَفاءُ الرّاشِدُوْنَ المَهْدِيُّونَ- وأَنْ نَشْهَدَ للعَشَرَةِ بالجَنَّةِ، وهم أَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعليٌّ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْد، وسَعِيْدٌ، وعَبْدُ الرَّحْمَن بنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، وأَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرّاحِ، ومَنْ شَهِدَ النَّبيُّ -ﷺ- لَهُ بالجَنَّةِ شَهِدْنا لَهُ بالجَنَّةِ.
ورَفْعُ اليَدَيْنِ في الصَّلاةِ زِيادَة في الحَسَناتِ.
والجَهْرُ بـ آمين عِنْدَ قَوْل الإمامِ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] والصَّلاةُ على مَنْ ماتَ مِنْ أَهْلِ هذِه القبْلةِ وحِسابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ﷿.
والخُرُوجُ مَعَ كلِّ إِمامٍ في غَزْوهِ وحَجهِ، والصَّلاةُ خَلْفَهُمْ صَلاةَ الجُمُعَةِ والعِيْدَيْنِ.
والكَفُّ عن مَساوِئ أَصحابِ رَسُوْل اللَّه -ﷺ-، تَحَدَّثُوا بِفَضائِلِهِمْ وأَمْسِكُوا عَمّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ.
ولا تُشاوِر أحَدًا من أَهْلِ البِدَع فيِ دِيْنِكَ، ولا تُرافِقهُ في سَفَرِكَ.
[ ٣ / ٤٢ ]
ولا نِكاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، وخاطِبٍ، وشاهِديْ عَدْلٍ، والمُتْعَةُ حَرامٌ إِلَى يَوْم القِيامَةِ، ومَنْ طَلَّقَ ثَلاثًا في لَفْظٍ واحِدٍ فَقدْ جَهِلَ، وحَرُمَتْ عَلَيْه زَوْجَتُه، ولا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
والتَّكْبِيْرُ عَلَى الجَنائِزِ أَرْبَعٌ، فَإِنْ كَبَّر خَمْسًا فَكَبِّرْ مَعَهُ.
قالَ ابن مَسْعُوْدٍ: كَبِّرْ ما كَبَّر إِمامُكَ (١). قال أَحْمَدُ: خالَفِني الشّافِعِيُّ وقال: إِنْ زادَ عَلَى أَرْبَع تَكْبِيْراتٍ أَعادَ الصَّلاةَ، واحْتَجَّ عليَّ بأنَّ النَّبي -ﷺ- صلَّى على النَّجاشيّ، فكبَّر عليه أربع تكبيرات.
والمسح على الخُفَّيْنِ لِلمُسافِرِ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ولَيالِيْهِنَّ، وللمُقِيْمِ يَوْمًا ولَيْلَةً.
وإذا دَخَلْتَ المَسْجِدَ فَلا تَجْلِسْ حَتَّى تَرْكَعَ رَكْعَتيَنِ تَحيَّةَ المَسْجِدِ. والوَتْرُ رَكْعَةٌ، والإقامَةُ فُرادى.
أَحِبُّوا أَهْلَ السُّنَّةِ عَلَى ما كانَ مِنْهُمْ، أَماتنا اللَّهُ وإيّاكُمْ على السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ورَزقَنا اللَّهُ وإِيّاكُمْ أتِّباعَ العِلْمِ، ووَفَّقَنا وإِيّاكُم لِما يُحبهَ وَيرْضاهُ (٢).
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٤٢٦ - ٤٣٢
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٦ (١١٤٥٠)، والبيهقي ٤/ ٣٧، الطبراني ٩/ ٣٢١ (٩٦٠٦). وأورده الهيثمي ٣/ ٣٢ وعزاه لأحمد، وقال: ورجاله رجال الصحيح.
(٢) رواها ابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد" ص ٢١٦ - ٢٢٢.
[ ٣ / ٤٣ ]