قال عبد اللَّه: قلت لأبي: ما تقول في أصحاب الحديث، يأتون الشيخ لعله يكون مرجئًا، أو شيعيًّا، أو فيه شيء من خلاف السنة، أينبغي أن أسكت فلا أحذر عنه، أم أحذر عنه؟ قال: إن كان يدعو إلى بدعة، وهو إمام فيها ويدعو إليها، قال: نعم تحذر عنه؟
"مسائل عبد اللَّه" (١٥٩١)
قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: ترى للرجل أن يشتغل بالصوم والصلاة، ويسكت عن الكلام في أهل البدع؟ فكلح وجهه، وقال: إذا هو صام وصلى واعتزل الناس، أليس إنما هو لنفسه؟
قلت: بلى. قال: فإذا تكلم كان له ولغيره، يتكلم أفضل.
"طبقات الحنابلة" ٣/ ٤٠٠
قال ابن الجوزي: أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أنا أبو طالب محمد بن علي البيضاوي، قال: أَنا أَبو عمر بن حيويه، قال أَبو مُزاحِم موسى بن عُبيد اللَّه بن يحيى بن خاقان: قال لي عمي أبو علي عبيد الرحمن بن يحيى بن خاقان أمر المتوكل بمسألة أحمد بن حنبل عمن يتقلد القضاء؟ فسأَلته، قال أبو مزاحم: فسأَلت عمي أن يخرج إلى جوابه، فوجَّه إليَّ بنسخة فكتبتها، ثم عدت إلى عمي فأَقرّ لي بصحة ما بعث به.
وهذا نسخته:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
نسخة الرقعة التي عرضتها على أحمد بن محمد بن حنبل بعد أَن سأَلته عما فيها فأَجابني عن ذلك بما قد كتبته، وأَمر ابنه عبد اللَّه أَن يوقع بأَسفلها
[ ٣ / ٢٩٦ ]
بأَمره، ما سأَلته أَن يوقع فيها:
سأَلتُ أَحمد بن حنبل عن أَحمد بن رباح؛ فقال فيه: إنه جهمي معروف بذلك، وإِنه إِن قلد شيئًا من أمور المسلمين كان ضررًا على المسلمين لما هو عليه من مذهبه وبدعته.
وسألتُه عن ابن الخلنجي؛ فقال فيه أيضًا مثل ما قال في أَحمد بن رباح، وذكر أنه جهمي معروف بذلك، وأنه كان من شرهم وأعظمهم ضررًا على الناس، وسألته عن شعيب بن سهل؛ فقال فيه: جهمي معروف بذلك.
وسألتُه عن عبيد اللَّه بن أحمد؛ فقال: جهمي معروف بذلك.
وسألتُه عن المعروف بأبي شعيب؛ فقال فيه: إنه جهمي معروف بذلك.
وسأَلتُه عن محمد بن منصور قاضي الأَهواز، فقال فيه: إنه كان مع أَبي دُؤاد وفي ناحيته وأعماله، إلا أنه كان من أَمثلهم ولا أَعرف رأيه.
وسألتُه عن ابن علي بن الجعد؛ فقال: كان معروفا عند الناس بأنه جهمي مشهور بذلك، ثم بلغني عنه الآن أنه رجع عن ذلك.
وسأَلتُه عن الفتح بن سهل صاحب مظالم محمد بن عبد اللَّه ببغداد؛ فقال: جهمي معروف بذلك، من أصحاب بشر المرِيسي، وليس ينبغي أن يقلد مثله شيئًا من أمور المسلمين لما في ذلك من الضرر.
وسألتُه عن ابن الثلجي؛ فقال: مبتدع صاحب هوى.
وسألتُه عن إبراهيم بن عتاب؛ فقال: لا أَعرفه، إِلا أَنه كان من أصحاب بشر المرِيسي فينبغي أَن يحذر ولا يقرب ولا يقلد شيئًا من أُمور الناس.
وفي الجملة أَن أَهل البدع والأَهواءِ لا ينبغي أن يستعان بهم في شيء من أُمور المسلمين، فإن في ذلك أَعظم الضرر على الدين، مع ما عليه
[ ٣ / ٢٩٧ ]
رأي أمير المؤمنين -أَطال اللَّه بقاءَه- من التمسك بالسنة والمخالفة لأَهل البدع.
وبقول أحمد بن محمد بن حنبل: وقد سأَلني عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان عن جميع ما في هذا القرطاس وأَجبته بما كتبته به، وكنت عليل العين ضعيفا في بدني فلم أقدر أَن أَكتب بخطي، فوقع هذا التوقيع في أَسفل هذا القرطاس عبد اللَّه ابني بأَمري وبين يدي، وأَسأَل اللَّه أن يطيل بقاءَ أمير المؤمنين، وأن يديم عافيته ويحسن له المعونة والتوفيق بمنه وقدرته.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٢٣٦ - ٢٣٩