قال إسحاق بن منصور: قُلْتُ لأحمد -﵁-: "ينزلُ ربُّنا ﵎ اسمه كل ليلةٍ حين يبقى تلث الليل الآخر إلى السماءِ الدُّنيا". أليس تقولُ بهذِه الأحاديث؟ ويرون -أهل الجنة- ربَّهم ﷿، "ولا تقبحوا الوجه فإنَّ اللَّهَ ﷿ خلقَ آدمَ على صورته " -يعني: صورة رب العالمين- "واشتكتِ النارُ إلى ربِّها ﷿ حَتَّى يضعَ اللَّه فيها قدمه"، وأن موسى ﵇ لطم ملك الموت ﵇.
قَالَ الإمام أحمد: كلُّ هذا صحيح.
قَالَ إسحاق: كل هذا صحيح، ولا ينكره إلا مبتدعٌ أو ضعيف الرأي.
"مسائل الكوسج" (٣٢٩٠)
قال حرب: وقال إسحاق: لا يجوز التفكر في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما سمعوا فيهم ولا يزيدون على ذلك؛ لأنهم إن فعلوا تاهوا.
"مسائل حرب" ص ٤٢٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: أخبرني عبد اللَّه بن نافع، قال: كان مالك بن أنس ﵀ يقول: الإيمان قول وعمل، ويقول: كلم اللَّه موسى، وقال: ملك اللَّه في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء، وتلا هذه الآية ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وعظم عليه الكلام في هذا -أو استشنعه- من قال: القرآن مخلوق يوجع ضربًا، ويحبس حتى يتوب.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٠٧ (١١)، ١/ ٢٨٠ (٥٣٢) "العلل" برواية عبد اللَّه (٤٧٨٣)
قال عبد اللَّه حدثني أبي، نا حسن بن موسى الأشيب، نا أبو هلال محمد بن سليم الراسبي، نا رجل أن ابن رواحة قال للحسن: هل تصف
[ ٣ / ٣٩٢ ]
ربك ﷿ قال: نعم، أصفه بغير مثال.
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٩٣ (١١٣٢)
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، أخبرنا ابن أتش، حدثنا عمران، عن وهب قال: قال موسى ﵇: يا رب، إنهم يسألونني كيف كان بدؤك؟ قال: فأخبرهم أني الكائن قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء (١).
"الزهد" ص ٨٤
قال أبو بكر المروذي: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل ﵀ عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والأسماء والرؤية وقصة العرش فصححها، وقال: تلقتها العلماء بالقبول، تسلم الأخبار كما جاءت (٢).
قال المروذي: أرسل أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى أبي عبد اللَّه يستأذنانه في أن يحدثا بهذِه الأحاديث التي تردها الجهمية، فقال أبو عبد اللَّه: حدثوا بها فقد تلقاها العلماء بالقبول، وقال أبو عبد اللَّه: تسلم الأخبار كما جاءت.
"الشريعة" ص ٢٦٢ (٦٧١ - ٦٧٢)
قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: نعبد اللَّه بصفاته، كما وصف به نفسه؛ قد أجمل الصفة لنفسه؛ ولا نتعدى ذلك، نؤمن بالقرآن كله، محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه تعالى ذكره صفة من صفاته، لشناعة شنعت، ولا نزيل ما وصف به نفسه من كلام، ونزول، وخلوه بعبد يوم القيامة، ووضع كنفه عليه، هذا كله يدل على أن اللَّه يُرى في الآخرة، والتحديد
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" ٤/ ٢٧.
(٢) رواه ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" ١/ ١٣٨، ونقلها الذهبي في "الأربعين" ص ٨٦ (٨٩) عن الخلال في "السنة".
[ ٣ / ٣٩٣ ]
في هذا بدعة، والتسليم للَّه بأمره، ولم يزل اللَّه متكلمًا عالمًا، غفورًا، عالم الغيب والشهادة، عالم الغيوب؛ فهذِه صفات اللَّه وصف بها نفسه، لا تدفع، ولا ترد، وقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]. هذِه صفات اللَّه وأسماؤه، وهو على العرش بلا حد، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كيف شاء، المشيئة إليه والاستطاعة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] كما وصف نفسه، سميع بصير، بلا حد، ولا تقدير.
قلت لأبي عبد اللَّه: والمشبهة ما يقولون؟ قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي. فقد شبه اللَّه بخلقه وهذا كلام سوء، والكلام في هذا لا أحبه. وأسماؤه وصفاته غير مخلوقة؛ نعوذ باللَّه من الزلل والارتياب والشك، إنه على كل شيء قدير (١).
"الإبانة" لابن بطة كتاب "الرد على الجهمية" ٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧ (٢٥٢).
وقال في رواية أبي طالب: "قلب العبد بين أصبعين" (٢)، و"خلق آدم بيده" (٣) وكلما جاء الحديث مثل هذا قلنا به.
قال حنبل: قال أبو عبد اللَّه في الأحاديث التي تروى "إن اللَّه تبارك
_________________
(١) رواها الخلال في "السنة" ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦ (١٨٥٨)، وآثارنا ذكرها عن ابن بطة لوجود زيادة كبيرة ليست عند الخلال، وقد ذكرها ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية" ٢/ ٦٢٢ - ٦٢٨، ٦/ ٥١٢ - ٥١٣.
(٢) رواه الإمام أحمد ٢/ ١٦٨، ومسلم (٢٦٥٤) من حديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄-.
(٣) رواه الإمام أحمد ٢/ ٣٩٢، والبخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا" واللَّه يُرى، وأنه يضع قدمه وما أشبه بذلك: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما قاله الرسول ﷺ حق إذا كانت بأسانيد صحاح (١).
"إبطال التأويلات" ١/ ٤٥
قال المروذي: ذكرت لأبي عبد اللَّه حديث محمد بن سلمة الجراني، عن عبد الرحمن قال: حدثني زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال، عن أبي عبيدة، عن مسروق قال: حدثنا عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي -ﷺ- (٢). .، قال أبو عبد اللَّه: هذا حديث غريب لم يقع إلينا عن محمد بن سلمة. واستحسنه.
"إبطال التأويلات" ١/ ١٥٧
قال الخلال: أخبرني عبيد اللَّه بن حنبل، حدثني أبي -حنبل بن إسحاق- قال: قال عمي: نحن نؤمن بأنه تعالى على العرش كيف شاء، وكما شاء، بلا حد، ولا صفة يبلغها واصف، ويحده أحد، فصفات اللَّه له ومنه، وهو كما وصف نفسه؛ لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية، وهو يدرك الأبصار، وهو عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، ولا يدركه وصف واصف، وهو كما وصف نفسه، ليس من اللَّه تعالى شيء محدود، ولا يبلغ علم قدرته أحد، غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته وسلطانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وكان اللَّه
_________________
(١) ذكره ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية" ٦/ ٥١٠ - ٥١١، وعزاه للخلال في "السنة"، عن علي بن عيسى، عن حنبل به، وفيه زاد: ولا يرد على اللَّه تعالى قوله، ولا يوصف اللَّه تعالى بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
(٢) هذا حديث طويل رواه الطبراني في "الكبير" ٩/ ٣٥٧ - ٣٦١.
[ ٣ / ٣٩٥ ]
تعالى قبل أن يكون شيء، واللَّه تعالى الأول، وهو الآخر ولا يبلغ أحد حد صفاته، والتسليم لأمر اللَّه تعالى والرضا بقضائه، نسأل اللَّه التوفيق والسداد، إنه على كل شيء قدير.
"بيان تلبيس الجهمية" ٢/ ٦٢٠ - ٦٢١
قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم قال: سألت أبا عبد اللَّه عن الأحاديث التي تروى: أن اللَّه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا، وأن اللَّه تعالى يُرى، وأن اللَّه تعالى يضع قدمه وما أشبه هذِه الأحاديث؟ فقال أبو عبد اللَّه: نؤمن بها، ونصدق بها، بلا كيف ولا معنى، ولا نرد منها شيئا، ونعلم أن ما جاءت به الرسل حق، ونعلم أن ما ثبت عن رسول اللَّه حق إذا كانت بأسانيد صحيحة، ولا نرد على قوله، ولا نصف اللَّه ﵎ بأعظم مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية.
قال حنبل في موضع آخر: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في ذاته كما وصف به نفسه، قد أجمل ﵎ بالصفة لنفسه، فحد لنفسه صفة، ليس يشبهه شيء، فيعبد اللَّه تعالى بصفاته، غير محدودة، ولا معلومة، إلا بما وصف به نفسه، قال تعالى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
قال حنبل في موضع آخر قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه تعالى ولا نتعدى ذلك، ولا تبلغه صفة الواصفين.
"بيان تلبيس الجهمية" (٢/ ٦٢٢ - ٦٢٤، ٦/ ٥١٠ - ٥١٢
وقال حنبل: وقال: قال إبراهيم لأبيه: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] فثبت أن اللَّه تعالى سميع بصير، صفاته
[ ٣ / ٣٩٦ ]
منه، لا نتعدى القرآن والحديث والخبر، "يضحك اللَّه" (١) ولا يعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وبتثبيت القرآن، لا يصفه الواصفون والمشبهة، ولا يحده أحد، تعالى اللَّه عما يقول الجهمية والمشبهة.
وقال أبو عبد اللَّه: قال لي إسحاق بن إبراهيم لما قرأ الكتاب بالمحنة: تقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فقلت له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] قال: ما أردت بها؟
قلت: القرآن صفة من صفات اللَّه تعالى وصف بها نفسه، لا ننكر ذلك ولا نرده.
قلت له: المشبهة ما يقولون؟ قال: من قال: بصر كبصري، ويد كيدي.
وقال حنبل في موضع آخر: وقدم كقدمي فقد شبه اللَّه تعالى بخلقه (٢)، وهذا يحده، وهذا كلام سوء، وهذا محدود، الكلام في هذا لا أحبه.
قال عبد اللَّه (٣): جردوا القرآن، وقال النبي -ﷺ-: "يضع قدمه"، نؤمن به لا نحده، ولا نرده على رسول اللَّه -ﷺ-، بل نؤمن به، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] قد أمرنا اللَّه بالأخذ بما جاء، والنهي عما نهى، وأسماؤه وصفاته منه غير مخلوقة، ونعوذ باللَّه من الشرك والارتياب والشك، إنه على كل شيء قدير.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٢/ ١٧٥ - ١٧٦، والبخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢) من حديث أبي هريرة.
(٢) ذكره ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" ص ٩٩ - ١٠٠.
(٣) أي: عبد اللَّه بن مسعود.
[ ٣ / ٣٩٧ ]
وقال الخلال: وزادني أبو القاسم الجبلي، عن حنبل في هذا الكلام: وقال اللَّه ﵎: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] وهذِه صفات اللَّه ﷿ وأسماؤه ﵎.
"تلبيس الجهمية" ٢/ ٦٢٥ - ٦٢٨، ٦/ ٥١٣ - ٥١٦.
روى الخلال في "كتاب السنة" عن أبي طالب قال: قلت لأبي عبد اللَّه: قال أبو إسحاق بن أبي الليث: الذين يصفون ربهم، يقول هو السميع البصير، قال: عافاه اللَّه، كأنه أعجبه قوله.
قلت: ما تقول أنت؟ قال: أقول كما قال النبي -ﷺ- ووصف، لا يجوز الحديث، قال: "بين أصبعين"، وقال: "خلق اللَّه آدم" وكما جاء في الحديث مثل هذا قلنا مثله.
قلت: فنحن الذين يصفون؟ قال: نعم، كما جاء وصف النبي -ﷺ- لا نجوزه.
"بيان تلبيس الجهمية" ٦/ ١٧٣ - ١٧٤.
قال أبو بكر الخلال في كتاب "السنة": أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد اللَّه قيل له: ولا يشبه ربنا شيئًا من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه، قال: نعم، ليس كمثله شيء.
"بيان تلبيس الجهمية" ٦/ ٥٠٩.
قال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر؛ أن أبا الحارث حدثهم، قال: قلت لأبي عبد اللَّه: ما معنى قوله -ﷺ-: "إن اللَّه يدني العبد يوم القيامة فيضع عليه كنفه"، قال: هكذا يقول: "يدنيه ويضع كنفه عليه" كما قال، ويقول له: "أتعرف ذنب كذا".
"بيان تلبيس الجهمية" ٨/ ١٩٣.
[ ٣ / ٣٩٨ ]