قال صالح: سمعت أبي يقول: لما أدخلنا على إسحاق بن إبراهيم للمحنة، فقرئ عليه كتاب الذي كان إلى طرسوس، فكان فيما قرئ علينا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، و﴿هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فقال أبي: فقلت: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فقال بعض من حضر: سله ما أراد بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؟
فقال أبي: فقلت: هو كما قال ﵎.
قال صالح: ثم امتحن القوم، فوجه بمن امتنع إلى الحبس، فأجاب القوم جميعا غير أربعة: أبي ﵀، ومحمد بن نوح، وعبيد اللَّه بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سَجَّادة.
ثم أجاب عبيد اللَّه بن عمر، والحسن بن حماد، وبقي أبي، ومحمد بن نوح في الحبس، فمكثا أيامًا في الحبس، ثم ورد كتاب من طرسوس بحملهما، فحمل أبي ومحمد بن نوح رحمة اللَّه عليهما مقيدين زميلين، أخرجا من بغداد فصرنا معهما إلى الأنبار.
فسأل أبو بكر الأحول أبي، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، إن عرضت على السيف تجيب؟ فقال: لا.
قال أبي: فانطلق بنا حتى دخلنا في الرحبة، فلما دخلنا منها وذلك في جوف الليل، وخرجنا من الرحبة عرض لنا رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ .
فقيل له: هذا، فسلم على أبي ثم قال: يا هذا، ما عليك أن تقتل هاهنا، وتدخل الجنة هاهنا. ثم سلم وانصرف.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
فقلت: من هذا؟
فقيل: هذا رجل من ربيعة العرب، يعمل الشعر في البادية، يقال له: جابر بن عامر.
فلما صرنا إلى أَذِنَة (١)، ورحلنا منها، وذلك في جوف الليل، فتح لنا بابها، لقينا رجل ونحن خارجون من الباب وهو داخل، فقال: البشرى فقد مات الرجل.
قال أبي: وكنت أدعو اللَّه أني لا أراه.
فحدثني أبي قال: حدثنا معمر بن سليمان، عن مرار بن سلمان، عن ميمون بن مهران قال: ثلاث لا تبلون نفسك بهن: لا تدخل على السلطان وإن قلت: آمره بطاعة اللَّه. ولا تدخلن على امرأة وإن قلت: أعلمها كتاب اللَّه. ولا تصغين سمعك لذي هوى، فإنك لا تدري ما يعلق قلبك منه (٢).
قال صالح: فصار أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس، وجاء نعي المأمون من البذَنْدُون (٣)، فردا في أقيادهما إلى الرقة، وأخرجا من الرقة في سفينة مع قوم محبسين، فلما صارا بعانة توفي محمد بن نوح، وتقدم أبي فصلى عليه، ثم صار إلى بغداد وهو مقيد، فمكث بالياسرية أياما، ثم صير إلى الحبس في دار اكتريت عند دار عمارة.
_________________
(١) قال ياقوت: بفتح أوله وثانيه ونون بوزن حَسَنَة، وأذِنة بكسر الذال بوزن خَشِنَة، قال السكونى: بحذاء توز جبل يقال له الغمر شرقي توز. "معجم البلدان" ١/ ١٣٢.
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" ٤/ ٨٤ - ٨٥ من طريق الإمام به.
(٣) قال في "معجم البلدان" ١/ ٣٦١: بفتحتين وسكون النون ودال معجمة وواو ساكنة ونون، قرية بينها وبين طرسوس يوم من بلاد الثغر، ومات بها المأمون.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلية، فمكث في السجن منذ أخذ، وحمل إلى بغداد ضربًا، وخلي عنه ثمانية وعشرين شهرًا.
قال أبي: فكنت أصلي بهم، وأنا مقيد.
فقال أبي: إذا كان القيد لا يحجزه عن تمام الصلاة فلا بأس.
وكنت أرى فوران يحمل له في دورق ماءً باردًا فيذهب به إلى السجن.
"سيرة الإمام أحمد" لابنه صالح ص ٤٨ - ٥٠
قال الحسين بن محمد: ثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد بن صالح بن أحمد بن حنبل، حدثني أبو عبد اللَّه السلال، قال: سمعت أبا عبد اللَّه محمد بن نوح قال: قلت لأبي عبد اللَّه: إن رأيتني ضعفت أو خذلت فلا تضعف، فلست أنت كأنا.
فقال لي: أبشر فإنك على إحدى ثلاث: إما ألا تراه ولا يراك، وإما رأيته فكذبته فقتلك فكنت من أفضل الشهداء، وإما رأيته فصدقته فحال اللَّه بينك وبينه.
أخبرنا عبد اللَّه بن جعفر وحدثني عنه الحسين بن محمد، ثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد اللَّه قال: قال أحمد بن غسان: حملت أنا وأحمد بن حنبل في محمل على جمل يراد بنا المأمون، فلما صرنا قريب عانة قال لي أحمد: قلبي يحس أن رجاء الحصار يأتي في هذِه الليلة، فإن أتى وأنا نائم فأيقظني وإن أتى وأنت نائم أيقظتك. فبينا نحن نسير إذا قرع المحمل قارع، فأشرف أحمد، فإذا برجل يعرفه بالصفة وكان لا يأوي المدائن والقرى، وعليه عباءة قد شدها على عنقه، فقال: يا أبا عبد اللَّه إن اللَّه قد رضيك له وافدًا، فانظر لا يكون وفودك على المسلمين وفودًا مشئومًا، واعلم أن الناس إنما ينتظرونك؛ لأن تقول فيقولوا، واعلم أنما هو الموت والجنة.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
فلما أشرفنا على البذندون، قال لي: يا أحمد بن غسان إني موصيك بوصية فاحفظها عني، راقب اللَّه في السراء والضراء، واشكره على الشدة والرخاء، وإن دعانا هذا الرجل أن نقول: القرآن مخلوق. فلا تقل، وإن أنا قلت فلا تركن إلي، وتأول قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] فتعجبت من حداثة سنه وثبات قلبه، فلم يكن بأسرع أن خرج خادم وهو يمسح عن وجهه بكمه وهو يقول: عز علي يا أبا عبد اللَّه أن جرد أمير المؤمنين سيفًا لم يجرده قط، وبسط نطعًا لم يبسطه قط، ثم قال: وقرابتي من رسول اللَّه -ﷺ- لا رفعت عن أحمد وصاحبه حتى يقولا: القرآن مخلوق. قال: فنظرت إلى أحمد وقد برك على ركبتيه ولحظ السماء بعينيه، ثم قال: سيدي غر هذا الفاجر حلمُك حتى يتجرأ على أوليائك بالقتل والضرب، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته.
قال: فواللَّه ما مضى الثلث الأول من الليل إلا ونحن بصيحة وضجة، وإذا رجاء الحصار قد أقبل علينا فقال: صدقت يا أبا عبد اللَّه، القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، قد مات واللَّه أمير المؤمنين.
"حلية الأولياء" ٩/ ١٩٤ - ١٩٥
قال الخطيب: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق: ثنا حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: ما رأيت أحدًا على حداثة سنه، وقلة علمه، أقوم بأمر اللَّه من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون اللَّه قد ختم له بخير، قال لي ذات يوم وأنا معه خلوين: يا أبا عبد اللَّه، اللَّه اللَّه، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، وقد مد هذا الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق اللَّه واثبت لأمر اللَّه. أو نحو هذا الكلام.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
قال أبو عبد اللَّه: فعجبت من تقويته لي، وموعظته إياي.
قال أبو عبد اللَّه: انظر بما ختم له! فلم يزل ابن نوح كذلك وحتى مرض صار إلى بعض الطريق فمات.
قال عبد اللَّه: فصليت عليه ودفنته -أظنه قال: بعانة.
قال الخطيب: وكانت وفاته سنة ثمان عشرة ومائتين (١).
"تاريخ بغداد" ٣/ ٣٢٣
قال الخطيب البغدادي: أخبرني الحسن بن علي التميمي قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدثنا أحمد بن محمد بن مسعدة الأصبهاني، حدثنا أبو يحيى مكي بن عبد اللَّه بن يوسف الثقفي، حدثنا أبو بكر الأعين قال: أتيت لآدم العسقلاني فقلت له: عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث يقرئك السلام.
قال: لا تقرئه مني السلام، فقلت له: لم؟
قال: لأنه قال: القرآن مخلوق.
قال: فأخبرته بعذره، وأنه أظهر الندامة، وأخبر الناس بالرجوع.
قال: فأقرئه السلام.
فقلت له بعد: إني أريد أن أخرج إلى بغداد، أفلك حاجة؟
قال: نعم، إذا أتيت بغداد فأْتِ أحمد بن حنبل فأقرئه مني السلام، وقل له: يا هذا، اتق اللَّه وتقرب إلى اللَّه بما أنت فيه، ولا يستفزنك أحد، فإنك إن شاء اللَّه مشرف على الجنة، وقل له: حدثنا الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
_________________
(١) رواها ابن الجوزي في "المناقب" ص ٣٩٣.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من أرادكم على معصية اللَّه فلا تطيعوه" (١).
فأتيت أحمد بن حنبل في السجن فدخلت عليه، فسلمت عليه وأقرأته السلام، وقلت له هذا الكلام والحديث، فأطرق أحمد إطراقة ثم رفع رأسه فقال: ﵀ حيًّا وميتًا، فلقد أحسن النصيحة.
"تاريخ بغداد" ٧/ ٢٨ - ٢٩
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: ثنا أبي قال: ثنا أحمد بن أبي الحواري عن بعض أصحابه قال: قال أحمد بن حنبل: ما سمعت كلمة كانت أوقع في قلبي من كلمة سمعتها من أعرابي في رحبة طوق، قال لي: يا أحمد، إن قتلك الحق مت شهيدًا، وإن عشت عشت حميدًا.
قال ابن أبي حاتم: قال أبي: فكان كما قال، لقد رفع اللَّه ﷿ شأن أحمد بن حنبل بعد ما امتحن، وعظم عند الناس وارتفع أمره جدًا.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٩٠
قال ابن الجوزي: أخبرنا محمد بن ناصر قال: أنبأنا أحمد بن أبي سعد النيسابوري قال: سمعت عبد اللَّه بن يوسف يقول: سمعت أبا العباس الأصم يقول: سمعت العباس بن محمد الدوري يقول: سمعت أبا جعفر الأنباري يقول: لما حمل أحمد بن حنبل إلى المأمون أخبرت، فعبرت الفرات فإذا هو جالس في الخان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر، تعنيت؟
_________________
(١) رواه المزي في "تهذيب الكمال" ٢/ ٣٠٦ من طريق الخطيب، وفي الباب عن عبد اللَّه بن عمر، رواه البخاري (٢٩٥٥)، ومسلم (١٨٣٩) بلفظ "فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".
[ ٣ / ٤٣١ ]
فقلت: ليس هذا عناء، وقلت له: يا هذا أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فواللَّه لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن بإجابتك خلق كثير من خلق اللَّه، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فأنت تموت، ولا بدَّ من الموت، فاتق اللَّه ولا تجبهم إلى شيء.
فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء اللَّه، ما شاء اللَّه.
ثم قال لي أحمد: يا أبا جعفر، أعد علي ما قلت، فأعدت عليه، فجعل يقول: ما شاء اللَّه، ما شاء اللَّه.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٩١
قال أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن بن علي البخاري: سمعت محمد بن إبراهيم البوشنجي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: دعوت ربي ثلاث دعوات، فتبينت الإجابة في ثنتين، دعوته ألا يجمع بيني وبين المأمون، ودعوته ألا أرى المتوكل، فلم أر المأمون، مات بالبذندون -وهو نهر الروم- وأحمد محبوس بالرقة، حتى بويع المعتصم بالروم، ورجع فرد أحمد إلى بغداد سنة ثمان عشرة ومائتين، والمعتصم امتحنه.
فأما المتوكل فإنه لما أحضر أحمد دار الخلافة ليحدث ولده، قعد له المتوكل في خوخة، حتى نظر إلى أحمد ولم يره أحمد.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٩٢
قال ابن الجوزي: أخبرني أبو العباس -وكان من حفاظ أهل الحديث- أنهم دخلوا على أحمد بالرقة وهو محبوس، فجعلوا يذاكرونه ما يروى في التقية من الأحاديث.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
فقال أحمد: وكيف تصنعون بحديث خباب: "إن من كان قبلكم كان ينشر أحدهم بالمنشار ثم لا يصده ذلك عن دينه" (١).
قال: فيئسنا منه.
فقال أحمد: لست أبالي بالحبس، ما هو ومنزلي إلا واحد، ولا قتلا بالسيف، إنما أخاف فتنة بالسوط، وأخاف ألا أصبر.
فسمعه بعض أهل الحبس وهو يقول ذلك فقال: لا عليك يا أبا عبد اللَّه، فما هو إلا سوطان ثم لا تدري أين يقع الباقي. فكأنه سري عنه، ورد من الرقة وحبس.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٩٤
قال أبو علي حنبل بن إسحاق بن حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل، وذكر الذين حملوا إلى الرقة إلى المأمون وأجابوا، فذكرهم أبو عبد اللَّه بعد ذلك فقال: هؤلاء لو كانوا صبروا وقاموا للَّه لكان الأمر قد انقطع، وحذرهم الرجل -يعني: المأمون- ولكن لما أجابوا وهم عين البلد اجترأ على غيرهم.
وكان أبو عبد اللَّه إذا ذكرهم اغتم لذلك ويقول: هم أول من ثلم هذِه الثلمة وأفسد هذا الأمر.
قال أبو علي حنبل: وكان أول من حمل للمحنة هؤلاء السبعة، جاء كتاب المأمون في أمرهم أن يحملوا إليه ولم يمتحنوا هاهنا، وإنما أخرجهم إليه فأجابوه بالرَّقة، وكانوا: يحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقَي، وإسماعيل الجوزي،
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٥/ ١٠٩، والبخاري (٣٦١٢).
[ ٣ / ٤٣٣ ]
ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم عبد الرحمن بن يونس المستملي، وابن أبي مسعود.
فحضرتهم حين أخرجوا إلى الرقة في الخان بباب الأنبار، فأخرجوا جميعا فأجابوا وأطلقوا.
قال: ثم ورد كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بإحضار أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل، وعبيد اللَّه بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سجادة، ومحمد بن نوح بن ميمون، وأن يمتحنهم.
فوجه إليهم إسحاق، فأخذهم وأنا بالكوفة عند أبي نعيم، فقدمت بعد ذلك فأخبرني أبي بعد قدومي أن أبا عبد اللَّه أتاه صاحب الريع وقت غروب الشمس فذهب به.
قال أبي: فذهبت معه فقال: إذا كان غدًا فاحضر دار الأمير.
قال أبي: فقلت لأبي عبد اللَّه: لو تواريت.
فقال: كيف أتوارى؟ إن تواريت لم آمن عليك وعلى ولدي وولدك، ويلقى الناس بسببي المكروه، ولكني أنظر ما يكون.
فلما كان من الغد حضر أبو عبد اللَّه والمسمون معه فأدخلوا إلى إسحاق فامتحنهم، فأبى أبو عبد اللَّه والقوم أن يجيبوا جميعًا.
فسمعت أبا عبد اللَّه يقول بعد ما أخرج من الحبس: لما أدخلنا على إسحاق بن إبراهيم قرأ علينا كتاب الرجل -يعني: المأمون- الكتاب الذي كتب به إلى إسحاق تسمية رجل رجل بنسبه وبلقبه، وكان فيه: أما أحمد فذاك الصبي، وأما ابن نوح فما له ولهذا؟ ! عليه بالغيبة، وأما فلان فالآكل أموال اليتامى، وأما فلان فكذا، يسمي رجلًا رجلًا.
[ ٣ / ٤٣٤ ]
قال أبو عبد اللَّه: وكان في الكتاب: اقرأ عليهم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
قال أبو عبد اللَّه: فلما قرأ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ قلت: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فقال إسحاق: ما أردت بهذا؟ فقلت: كتاب اللَّه ﷿، ولم أزد في كتابه شيئًا كما قال ووصف ﵎.
ثم امتحن القوم، فمن لم يجبه وامتنع عليه أمر بحبسه وتقييده، فلما كان بعد ذلك دعا بالقواريري وسجادة، فأجابا وخلى عنهما، وكان أبو عبد اللَّه بعد ذلك يعذر القواريري وسجادة، يقول: قد أعذرا وحبسا وقيدا، وقال اللَّه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ثم قال: القيد كره، والحبس كره.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٣٩ - ٤٣
قال أبو طاهر السلفي: أخبرنا أبو محمد الحسن بن عبد الملك بن محمد بن يوسف، وأخبرنا أبو طالب المبارك بن علي بن محمد بن خضير الصيرفي ببغداد، أخبرنا أبو طاهر عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر، وأبو طالب عبد القادر بن محمد بن يوسف، قالوا: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن عمر بن أجمد، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك البرزعي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثنا أبي قال: قال إبراهيم بن الحارث العبادي -من ولد عبادة بن الصامت، وكان رافقنا في بلاد الروم: حضر أبا عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل أبو محمد الطُّفاوي، فذكر له حديثًا.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
فقال أبو عبد اللَّه: أخبرك بنظير هذا، لما أخرجنا جعلت أفكر فيما نحن فيه، حتى إذا صرنا إلى الرحبة أُنزلنا خارجًا من البيوت مما يلي البرية، فعامة من كان معنا ناموا، فجعلت أفكر في تلك البرية، وماذا أقول إذا صرت إلى ذلك؟ فأنا في تلك الحال إذ مددت بصري إذا بشيء لم أستبنه، فلم يزل يدنو حتى استبان، فإذا بأعرابي عليه ثياب الأعراب قد دنا، وجعل يتخطى تلك المحامل حتى صار إلي، فوقف علي فسلم ثم قال: أنت أحمد بن حنبل؟
فسكتُّ تعجبا، ثم قال الثانية: أنت أحمد بن حنبل؟
فسكتُّ فلم أجبه، فبرك على ركبتيه وقال: أنت أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل؟ قلت: نعم، فقال: أبشر واصبر، فإنما هي ضربة هاهنا، وتدخل الجنة هنا.
وزادني بعض أصحابنا أنه قال له الأعرابي: تحب اللَّه؟
قال أبو عبد اللَّه: قلت: نعم.
قال: فإنك إن أحببت اللَّه أحببت لقاءه.
ثم مضى فلم أزل أنظر إليه حتى غاب فلم أره.
قال له أبو محمد الطُّفاوي: احمدِ اللَّه يا أبا عبد اللَّه، فإنك محمود عند العامة.
فقال أبو عبد اللَّه: أحمد اللَّه على ديني، إنما هذا دين، ولو قلت لهم كفرت.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٤٨ - ٤٩
قال حنبل: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: كنت أدعو اللَّه ألا يريني وجهه -يعني: المأمون- وذلك أنه بلغني عنه أنه يقول: لئن وقعت عيني عليه لأقطعنه إربا إربا.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
قال أبو عبد اللَّه: فكنت أدعو اللَّه: لا ترني وجهه، فلما دخلنا طرسوس أقمنا أيامًا وأنا في ذلك، إذا رجل قد دخل علينا، فقال لي: يا أبا عبد اللَّه، قد مات الرجل. فحمدت اللَّه تعالى، وكنت على ذلك أتوقع الفرج، إذ دخل علينا رجل فقال: إنه قد صار مع أبي إسحاق -يعني: المعتصم- رجل يقال له: ابن أبي دؤاد، وقد أمر بإحضاركم إلى بغداد. فجاءني أمر آخر وحمدت اللَّه على ذلك، وطمعت وقلت: إنا قد استرحنا حين قيل لنا: انحدروا إلى بغداد.
قال أبو عبد اللَّه: فصيَّرتُ في سفينة من الرقة مع أسراهم، فكنت في أمر عظيم -يعني: من الأذى.
فقدم أبو عبد اللَّه بغداد، فجلس في دار عمارة في اصطبل لمحمد بن إبراهيم -أخي إسحاق بن إبراهيم- وكان في حبسٍ ضيق، ومرض أبو عبد اللَّه وكان في شهر رمضان، وكان مقيدًا، وكان في أمر عظيم، فحبس في ذلك الحبس قليلا، ثم حول إلى التعيين إلى سجن العامة، فمكث في السجن نحوًا من ثلاثين شهرًا، فكنا نأتيه في السجن أنا وأبي وأصحاب أبي عبد اللَّه، فأكثر ذلك ندخل عليه، وربما حجبنا.
فسأله أبي فقال: تُحدِّث أبا علي وتقرأ عليه، فإنك فارغ.
فأجابه، فقرأ عليّ كتاب الإرجاء وغيره في الحبس، فرأيتُ أبا عبد اللَّه يُصلي بأهل الحبس وهو محبوس معهم وعليه القيد، وكان قيدا واسعًا، فكان في وقت الصلاة والوضوء والنوم يخرج إحدى الحلقتين من إحدى رجليه ويشدها على ساقه، فإذا صلى ردَّها في رجليه، وذلك بغير علم من إسحاق بن إبراهيم.
فقلت له في الحبس: يا عم، أراك تصلي بأهل الحبس!
[ ٣ / ٤٣٧ ]
فقال: ألا تراني وما أصنع؟ ! -يعني: في إخراج القيد من إحدى رجليه- قلت: بلى.
ثم ذكر أبو عبد اللَّه حُجر بن عدي أصحابه (١)، فقال: أليس كانوا مقيدين؟ أليس كانوا يصلون جماعة؟ ! على الضرورة لا بأس بذلك.
قال أبو عبد اللَّه: وإن كان فيهم مطلق ورضوه صلى بهم.
قلت: فالذي في رجليه القيد لا يمكنه أن يقعد في الصلاة على ما فعل رسول اللَّه -ﷺ- في الركعة الأخيرة يمنعه القيد من ذلك.
فقال أبو عبد اللَّه: كيفما تيسر له وأطاق، إلا أني أطيق ذلك؛ لأني أخرجه من رجلي.
ثم قال: فكرت في أمرنا فرأيت مثلنا في هذا الأمر مثل حجر وأصحابه لما أخرجوا وقيدوا، فكأنا كنا في مثال أمرهم. ثم قال أبو عبد اللَّه: أولئك أنكروا شيئًا ونحن دُعِينا إلى الكفر باللَّه، فالحمد للَّه على معونته وإحسانه، سبحان اللَّه لهذا الأمر الذي ابتلى اللَّه به العباد.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٥١ - ٥٤
وقال محمود بن عبد الرحمن: لما حُمل أبو عبد اللَّه ومحمد بن نوح وصارا إلى حبسٍ بطاطيا، حانت الظهر فأنيخ له البعير، وذهب محمد بن نوح يتهيأ للصلاة، فجاء وهو يبكي.
فقال أبو عبد اللَّه: ما يبكيك يا أبا عبد اللَّه؟ فقال: يا أبا عبد اللَّه، واللَّه ما أبكي أسًى على أهل ولا مال ولا ولد،
_________________
(١) قصة حجر بن عدي وأصحابه انظرها في "طبقات ابن سعد" ٦/ ٢١٧ - ٢٢٥، "أسد الغابة" ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦، "المستدرك" للحاكم ٣/ ٤٧٠، "الاستيعاب" ١/ ٣٩٠، "تاريخ الإسلام" للذهبي ٤/ ١٩٤.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
ولكنا نقدم على هذا الرجل وما ندري ما يكون حالنا.
فقال له أبو عبد اللَّه: أبشر، فلست تراه ولا يراك.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٥٥
قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الهمذاني: سمعت بعض أصحابنا من المحدثين يقول: لما حمل أحمد إلى المصيصة دخل عليه أبو ثوبة الربيع بن نافع الحلبي، فقال: يا هذا، إن أعين الناس ممدودة إليك، فإن كنت تعلم أنك تقوم المقام الذي فيه استنقاذك واستنقاذ الخلق فيما بينهم وبين اللَّه تعالى، وإلا فاجعل الذي في رجلك في رجلي، وقم فاخرج.
قال: فقال: يا هذا! أتظن أن نفسك أعز علي من نفسي؟ ! لا آثرتك بهذا المقام أبدًا. أو نحوه.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٥٦.
قال عباس بن عبد اللَّه البغدادي: كنت في مجلس الرمادي فحدثني من سمع القواريري يقول: لما حملنا إلى المأمون إلى بلاد الروم في أيام المحنة، سرنا حتى قربنا من الرقة في ليلة قمراء، فإذا أنا بشاب يدق المحمل، فأشرفت عليه وقلت: ما وراءك؟
فقال: بشر أحمد أن المأمون قد مات في هذِه الساعة.
قال القواريري: فنظرت إلى أحمد وهو رافع يديه يدعو، فما شككنا أنه دعا عليه فاستجيب له.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٦١ - ٦٢
قال أحمد بن نصر: سمعت عبد اللَّه بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: كنت في الحبس، فرأيت كأن قائلًا يقول لي: يا أحمد، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
فقلت: ما شاء اللَّه.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٦٨
[ ٣ / ٤٣٩ ]