قال أبو الفضل: قال أبي ﵀: لما كان في شهر رمضان ليلة تسع عشرة خلت منه، حولت من السجن إلى دار إسحاق بن إبراهيم، وأنا مقيد بقيد واحد، يوجه إلي كل يوم رجلين -سماهما أبي، قال أبو الفضل: وهما أجمد بن رباح وأبو شعيب -الحجام- يكلماني ويناظراني، فإذا أرادا الانصراف، دعي بقيد فقيدت فمكثت على هذِه الحال ثلاثة أيام، وصار في رجلي أربعة أقياد.
فقال لي أحدهما في بعض الأيام في كلام دار، وسألته عن علم اللَّه؟
فقال: علم اللَّه مخلوق. قلت: يا كافر، كفرت.
فقال لي الرسول الذي كان يحضر معهم من قبل إسحاق: هذا رسول أمير المؤمنين.
قال: فقلت: إن هذا قد كفر. وكان صاحبه الذي يجيء معه خارجًا، فلما دخل قلت: إن هذا زعم أن علم اللَّه مخلوق.
فنظر إليه كالمنكر عليه. قال: ثم انصرف.
قال أبي: وأسماء اللَّه في القرآن، والقرآن من علم اللَّه، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن زعم أن أسماء اللَّه مخلوقة فقد كفر.
قال أبي: فلما كان الليلة الرابعة بعد عشاء الآخرة وجه -يعني: المعتصم- ببغا (١) إلى إسحاق يأمره بحملي، فأدخلت على إسحاق، فقال لي: يا أحمد، إنها واللَّه نفسك، إنه قد حلف ألا يقتلك بالسيف،
_________________
(١) بغا: أحد الأتراك من حاشية المعتصم.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
وأن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، أليس قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أفيكون مجعولا إلا مخلوقا؟
قال أبي: فقلت: فقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أفخلقهم؟ !
قال: فقال: اذهبوا به. قال أبي: فأنُزلت إلى شاطئ دجلة، فأحدرت إلى الموضع المعروف بباب البستان، ومعي بغا الكبير ورسول من قبل إسحاق، فقال بغا لمحمد الحارس بالفارسية: ما يريدون من هذا؟
قال: يريدون منه أن يقول: القرآن مخلوق.
فقال: ما أعرف شيئا من هذا إلا قول: لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه، وقرابة أمير المؤمنين من النبي -ﷺ-.
قال أبي: فلما صرنا إلى الشط، أخرجت من الزورق، وحملت على دابة، والأقياد عليَّ، وما معي أحد يمسكني، فجعلت أكاد أخِرُّ على وجهي حتى انتهى بي إلى الدار، فأُدخلت ثم خُرج بي إلى حجرة، فصيرت في بيت منها، وأغلق علي الباب، وأقعد عليه رجل، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فاحتجت إلى الوضوء، فمددت يدي أطلب شيئا، فإذا بإناء فيه ماء وطست، فتهيأت للصلاة، وقمت أصلي.
فلما أصبحت جاءني الرسول، فأخذ بيدي فأدخلني الدار، وإذا هو جالس، وابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع أصحابه والدار غاصة بأهلها، فلما دنوت منه سلمت، فقال: أدنه، أدنه.
فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال لي: اجلس. فجلست. وقد أثقلتني الأقياد، فلما مكثت هنيهة، قلت: تأذن في الكلام.
قال: تكلم. قلت: إلامَ دعا إليه رسوله؟
[ ٣ / ٤٤١ ]
قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه.
قال: فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه.
قال: ثم قلت: إن جدك ابن عباس حكى أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي -ﷺ- أمرهم بالإيمان باللَّه تعالى، فقال: "أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أعلم.
قَالَ: "شَهَادَةُ أَن لَا إله إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَن تُعْطُوا الخُمُسَ مِنْ المَغْنَمِ".
قال أبو الفضل: حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: حدثني أبو جمرة قال: سمعت ابن عباس -﵁- قال: إن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول اللَّه -ﷺ- أمرهم بالإيمان (١)، فذكر مثل ذلك.
قال أبو الفضل: قال أبي: فقال لي عند ذلك: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك، ثم التفت إلى عبد الرحمن بن إسحاق فقال له: يا عبد الرحمن، ألم آمرك أن ترفع المحنة؟
قال أبي: فقلت في نفسي: اللَّه أكبر، إن في هذا لفرجا للمسلمين.
قال: ثم قال: ناظروه، وكلموه. ثم قال: يا عبد الرحمن، كلمه.
فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟
قلت: ما تقول في علم اللَّه؟ قال: فسكت.
قال أبي: فجعل يكلمني هذا وهذا، فأرد على هذا، ثم أقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله أقول به.
فيقول لي ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا كما في كتاب اللَّه أو سنة
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ١/ ٢٢٨ بهذا الإسناد، ورواه البخاري (٥٣)، ومسلم (١٧).
[ ٣ / ٤٤٢ ]
رسوله! قال: فقلت له: تأولت تأويلًا فأنت أعلم، وما تأولت ما يحبس عليه ويقيد عليه.
قال: فقال ابن أبي دؤاد: فهو واللَّه يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع يا أمير المؤمنين، وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسلهم.
قال: فيقول لهم: ما تقولون؟
فيقولون: يا أمير المؤمنين، هو ضال مضل مبتدع.
قال: فلا يزالون يكلموني. وقال: وجعل صوتي يعلو على أصواتهم، فقال لي إنسان منهم: قال اللَّه تعالى ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فيكون محدثًا إلا مخلوقًا.
قلت له: قال اللَّه تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] فالذكر هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولام.
قال: فجعل ابن سماعة لا يفهم ما أقول.
قال: فجعل يقول لهم ما يقول؟ قال: فقالوا: إنه يقول كذا وكذا.
قال: فقال لي إنسان منهم: حديث خباب: يا هنتاه، تقرب إلى اللَّه بما استطعت؛ فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه (١).
قال: فقلت: نعم هكذا هو.
قال: فجعل ابن أبي دؤاد ينظر إليه، ويلحظه متغيظا عليه.
قال أبي: وقال بعضهم: أليس قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
قال: قلت: قد قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فدمرت إلا ما أراد اللَّه.
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٣٦ (٣٠٠٨٩)، والآجري في "الشريعة" ص ٦٩ (١٤٨)، والحاكم ٢/ ٤٤١ وصححه.
[ ٣ / ٤٤٣ ]
وقال: فقال لي بعضهم فيما يقول، وذكر حديث عمران بن حصين: "إن اللَّه ﵎ كتب الذكر" (١) فقال: إن اللَّه خلق الذكر.
قال: فقلت: هذا خطأ. حدثنا غير واحد: "كتب الذكر".
قال أبي: فكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد يتكلم، فلما قارب الزوال، قال لهم: قوموا.
ثم حبس عبد الرحمن بن إسحاق فخلا بي وبعبد الرحمن، فجعل يقول لي: أما كنت تعرف صالحا الرشيدي؟ كان مؤدبي، وكان في هذا الموضع جالسا. وأشار إلى ناحية من الدار، قال: فتكلم وذكر القرآن، فخالفني، فأمرت به فسحب ووطئ.
قال أبي: ثم جعل يقول لي: ما أعرفك، ألم تكن تأتينا؟
فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، أعرفه منذ ثلاثين سنة، يرى طاعتك والحج والجهاد معك، وهو ملازم لمنزله.
قال: فجعل يقول: واللَّه إنه لفقيه، وإنه لعالم، ومما يسرني أن يكون مثله معي يرد عني أهل الملل، ولئن أجابني إلى شيء له فيه أدنى فرج لأطلقن عنه بيدي، ولأوطئن عقبه، ولأركبن إليه بجندي.
قال: ثم التفت إلي فيقول: ويحك يا أحمد ما تقول؟ قال: فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله.
فلما طال بنا المجلس ضجر فقام، فرددت إلى الموضع الذي كنت فيه، ثم وجه إلي برجلين -سماهما وهما: صاحب الشافعي وغسان، من أصحاب ابن أبي دؤاد- يناظراني فيقيمان معي، حتى إذا حضر
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٤/ ٤٣١، والبخاري (٣١٩١).
[ ٣ / ٤٤٤ ]
الإفطار وجه إلينا بمائدة عليها طعام، فجعلا يأكلان، وجعلت أتعلل حتى رفع المائدة، وأقاما إلى غد، وفي خلال ذلك يجيء ابن أبي دؤاد فيقول لي: يا أحمد، يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟
فأقول له: أعطوني شيئا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله حتى أقول به. فقال لي ابن أبي دؤاد: واللَّه لقد كتب اسمك في السبعة فمحوته، ولقد ساءني أخذهم إياك، وإنه واللَّه ليس هو السيف، إنه ضرب بعد ضرب، ثم يقول لي: ما تقول؟ فأرد عليه نحوًا مما رددت عليه، ثم يأتي رسوله، فيقول: أين أحمد بن عمار؟ أخو الرجل الذي أنزلت في حجرته، فيذهب ثم يعود، فيقول: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟
فأرد عليه نحوا مما رددت على ابن أبي دؤاد، فلا تزال رسله تأتي. قال أحمد بن عمار وهو يختلف فيما بيني وبينه، ويقول: يقول لك أمير المؤمنين: أجبني حتى أجيء فأطلق عنك بيدي.
قال: فلما كان في اليوم الثاني أدخلت عليه، فقال: ناظروه، كلموه.
قال: فجعلوا يتكلمون، هذا من هاهنا وهذا من هاهنا، فأرد على هذا وهذا، فإذا جاءوا بشيء من الكلام مما ليس في كتاب اللَّه ولا سنة رسوله ﷺ، ولا فيه خبر ولا أثر، قلت: ما أدري ما هذا؟ فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجهت عليه الحجة علينا وثب، وإذا كلمناه بشيء يقول: لا أدري ما هذا؟ قال: فيقول: ناظروه.
قال: ثم يقول: يا أحمد، إني عليك شفيق.
فقال رجل منهم: أراك تذكر الحديث وتنتحله.
قال: فقلت له: ما تقول في قول اللَّه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
فقال: خص اللَّه بها المؤمنين. قال: فقلت له: ما تقول: إن كان قاتلًا أو كان قاتلًا عبدا يهوديا أو نصرانيا؟ قال: فسكت.
قال أبي: وإنما احتججت عليه بهذا؛ لأنهم كانوا يحتجون علي بظاهر القرآن، ولقوله: أراك تنتحل الحديث.
وكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد، فيقول: يا أمير المؤمنين، واللَّه لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار. فيعيد ما شاء اللَّه من ذلك، ثم أمرهم بعد ذلك بالقيام، وخلا بي وبعبد الرحمن، فيدور بيننا كلام كثير، وفي خلال ذلك يقول لي: تدعو أحمد بن أبي دؤاد.
فأقول: ذلك إليك.
فيوجه إليه فيجيء فيتكلم، فلما طال بنا المجلس قام، ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه، وجاءني الرجلان اللذان كانا عندي بالأمس، فجعلا يتكلمان، فدار بيننا كلام كثير، فلما كان وقت الإفطار جيء بطعام على نحو مما أتي به في أولى ليلة فأفطرا وتعللت، وجعلت رسله تأتي أحمد بن عمار، فيمضي إليه ويأتيني برسالته على نحو مما كان أول ليلة، وجاءني ابن أبي دؤاد فقال: إنه قد حلف أن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يحبسك في موضع لا ترى فيه الشمس.
فقلت له: فما أصنع؟ .
حتى إذا كدت أن أصبح قلت: لخليق أن يحدث من أمري في هذا اليوم شيء. وقد كنت أخرجت تكَّتي من سراويلي، فشددت بها الأقياد أحملها بها إذا توجهت إليهم، فقلت لبعض من كان مع الموكلين: ارتَدْ لي خيطا، فجاءني بخيط، فشددت بها الأقياد، وأعدت التكة في
[ ٣ / ٤٤٦ ]
السراويل، ولبسته كراهية أن يحدث شيئا من أمري فأتعرى.
فلما كان في اليوم الثالث أدخلت عليه والقوم حضور، فجعلت أدخل من دار إلى دار وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط، وغير ذلك من الزي والسلاح وقد حشرت الدار الجند، ولم يكن في اليومين الماضيين كثير أحد من هؤلاء، حتى إذا صرت إليه قال: ناظروه كلموه.
فعادوا بمثل مناظرتهم، ودار بيننا كلام كثير، حتى إذا كان في الوقت الذي يخلو فيه، فجاءني ثم اجتمعوا فشاورهم، ثم نحاهم ودعاني فخلا بي وبعبد الرحمن، فقال لي: ويحك يا أحمد، أنا عليك واللَّه شفيق، وإني لأشفق عليك مثل شفقتي على هارون ابني فأجبني.
فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله -ﷺ-.
فلما ضجر وطال المجلس قال لي: عليك لعنة اللَّه، لقد كنت طمعت فيك، خذوه واسحبوه. قال: فأخذت وسحبت ثم خلعت، ثم قال: العقابين والسياط. فجيء بالعقابين والسياط.
قال أبي: وقد كان صار إلي شعرة أو شعرتان من شعر النبي -ﷺ- فصررتهما كم قميصي، فنظر إسحاق بن إبراهيم إلى الصرة في كم قميصي فوجه إلي: ما هذا المصرور في كمك؟ فقلت: شعر من شعر النبي -ﷺ-.
وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه في وقت ما أقمت بين العقابين فقال لهم -يعني: المعتصم- لا تخرقوه انزعوه عنه.
قال: إني ظننت أنه درئ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه، ثم صيرت بين العقابين وشدت يدي، وجيء بكرسي فجلس عليه، وابن أبي دؤاد قائم على رأسه، والناس أجمعون قيام ممن حضر، فقال
[ ٣ / ٤٤٧ ]
لي إنسان ممن شدني: خذ بأي الخشبتين بيدك وشد عليهما. فلم أفهم ما قال، فتخالعتْ يداي لما شدت، ولم أمسك الخشبتين.
قال أبو الفضل: ولم يزل أبي رحمة اللَّه عليه يتوجع منهما إلى أن توفي.
ثم قال للجلادين: تقدموا، فنظر إلى السياط فقال: ائتوا بغيرها.
ثم قال لهم: تقدموا، فقال لأحدهم: ادنه، أوجع، قطع اللَّه يدك.
فتقدم فضربني سوطين ثم تنحى، ثم قال لآخر: ادنه، أوجع، شد، قطع اللَّه يدك، ثم تقدم فضربني سوطين ثم تنحى.
فلم يزل يدعو واحدا بعد واحد يضربني سوطين ويتنحى، ثم قام حتى جاءني وهم محدقون بي فقال: ويحك يا أحمد، تقتل نفسك! ويحك أجبني حتى أطلق عنك بيدي!
فجعل بعضهم يقول لي: ويلك إمامك على رأسك قائم!
قال لي عجيف: فنخسني بقائم سيفه ويقول: تريد أن تغلب هؤلاء كلهم! وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول: ويحك الخليفة على رأسك قائم!
قال: ثم يقول بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي.
قال: ثم رجع فجلس على الكرسي، ثم قال للجلاد: ادنه، شد، قطع اللَّه يدك. ثم لم يزل يدعو بجلاد بعد جلاد فيضربني بسوطين ويتنحى، وهو يقول: شد، قطع اللَّه يدك، ثم قام إليّ الثانية فجعل يقول: يا أحمد، أجبني.
فجعل عبد الرحمن بن إسحاق يقول: من صنع بنفسه من أصحابك في هذا الأمر ما صنعت؟ ! هذا يحيى بن معين، وهذا أبو خيثمة وابن أبي إسرائيل! وجعل يعد عليَّ من أجاب.
قال: وجعل وهو يقول: ويحك أجبني. قال: فجعلت أقول نحو
[ ٣ / ٤٤٨ ]
ما كنت أقول لهم.
قال: فرجع فجلس ثم جعل يقول للجلاد: شد، قطع اللَّه يدك.
قال أبي: فذهب عقلي فما عقلت إلا وأنا في حجرة مطلق عني الأقياد، وقال لي إنسان ممن حضر: إنا أكببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك.
قال أبي: فقلت: ما شعرت بذاك. قال: فجاءوني بسويق فقالوا: اشرب. فقلت: لا أفطر. فجيء به إلى دار إسحاق بن إبراهيم.
قال أبي: فنودي بصلاة الظهر فصلينا الظهر.
وقال ابن سماعة: صليتَ والدم يسيل من ضربك؟
فقلت: به صلى عمر وجرحه يثعب دما (١). فسكت.
_________________
(١) رواه مالك ص ٥٠ ومن طريقه البيهقي ١/ ٣٥٧، وابن أبي شيبة في "الإيمان" (١٠٣) -تحقيق الألباني- عن ابن نمير كلاهما -مالك وابن نمير- عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة، وزاد ابن أبي شيبة ذكر ابن عباس فيه. ورواه عبد الرزاق ١/ ١٥٠ (٥٧٩) عن الثوري، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٢٧ (٨٣٨٨) من طريق أبي معاوية كلاهما عن هشام، عن أبيه عن سليمان بن يسار، عن المسور به. ورواه عبد الرزاق (٥٨٠) عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة قال: دخل المسور وابن عباس على عمر بعدما طعن. . الحديث، ورواه (٥٨١) عن معمر عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس به. ورواه ابن سعد في "الطبقات" ٣/ ٣٥٠ عن وكيع، عن هشام، عن أبيه عن المسور أن ابن عباس دخل على عمر. . الحديث. ورواه الدارقطني ١/ ٢٢٤ من طريق الزهري عن سليمان بن يسار، عن المسور بن مخرمة به، ومن طريق أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن المسور به. وقد صححه الألباني في "الإرواء" (٢٠٩)، و"الإيمان" لابن أبي شيبة؛ فقال في طريق مالك وابن نمير: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
ثم خلي عنه فصار إلى المنزل، ووجه إليه الرجل من السجن ممن يبصر الضرب والجراحات يعالج منه فنظر إليه، فقال: قال لنا: واللَّه لقد رأيت منه ضرب السيوط ما رأيت ضربًا أشد من هذا، لقد جر عليه من خلفه ومن قدامه. ثم أدخل ميلًا في بعض تلك الجراحات، فقال: لم ينفذ. فجعل يأتيه فيعالجه، وقد كان أصاب وجهه غير ضربة ثم مكث يعالجه ما شاء اللَّه، ثم قال له: إن هذا شيء أريد أن أقطعه، فجاء بحديدة فجعل يعلق اللحم بها ويقطعه بسكين معه، وهو صابر يحمد اللَّه لذلك فبرأ منه، ولم يزل يتوجع من مواضع منه، وكان أثر الضرب بَيِّنًا في ظهره إلى أن توفي رحمة اللَّه عليه.
قال صالح: سمعت أبي يقول: واللَّه لقد أعطيت المجهود من نفسي، ولوددت أن أنجو من هذا الأمر كفافا لا علي ولا لي.
قال أبو الفضل: أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه -وقد كان هذا الرجل صاحب حديث قد سمع ونظر، ثم جاءني بعد فقال: يا ابن أخي، رحمة اللَّه على أبي عبد اللَّه، واللَّه ما رأيت أحدا -يعني: يشبهه.
لقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا الطعام: يا أبا عبد اللَّه، أنت صائم وأنت في موضع تقية! ولقد عطش.
فقال لصاحب الشراب: ناولني.
فناوله قدحا فيه ماء ثلج فأخذه فنظر إليه هنيهة ثم رده عليه، قال: فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش وما هو فيه من الهول.
قال أبو الفضل: قد كنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعامًا أو رغيفًا أو رغيفين في هذِه الأيام فلم أقدر على ذلك.
وأخبرني رجل حضره قال: فقدته في هذِه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه
[ ٣ / ٤٥٠ ]
ويكلمونه، فما لحن ولا ظننت أن يكون أحد في مثل شجاعته وشدة قلبه.
قال أبو الفضل: دخلت على أبي رحمة اللَّه عليه يومًا وقلت له: بلغني أن رجلًا جاء إلى فضل الأنماطي، فقال: اجعلني في حل إذ لم أقم بنصرتك. فقال فضل: لا جعلت أحدا في حل.
فتبسم أبي وسكت، فلما كان بعد أيام مررت بهذِه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما حدثني به هاشم بن القاسم قال: حدثنا المبارك قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جثت الأمم بين يدي اللَّه ﵎ يوم القيامة نودوا: ليقم من أجره على اللَّه. فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا (١).
قال أبي: فجعلت الميت في حل من ضربه إياي، ثم جعل يقول: وما على رجل ألا يعذب اللَّه بسببه أحدًا.
"سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٥١ - ٦٥
قال ابن بطة: وأخبرني أبو عمرو عثمان بن عمر قال: حدثنا أحمد بن محمد بن هارون قال: وأخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي قال: سمعت عبيد بن محمد القصير قال: سمعت من حضر مجلس أبي إسحاق يوم ضرب أحمد بن حنبل، فقال له أبو إسحاق: يا أحمد، إن كنت تخشى من هؤلاء النابتة جئتك أنا في جيشي إلى بيتك حتى أسمع منك الحديث.
قال: فقال له: يا أمير المؤمنين، خذ من غير هذا، واسأل عن العلم، واسأل عن الفقه، أي شيء تسأل عن هذا؟
_________________
(١) رواه أسد بن موسى في "الزهد" (٨٠) عن المبارك بن فضالة، عن رجل، عن الحسن به.
[ ٣ / ٤٥١ ]
قال عبيد بن محمد: وسمعت من حضر مجلس أبي إسحاق يوم ضرب أحمد بن حنبل قال: التفت إليه المعتصم فقال: تعرف هذا؟ قال: لا.
قال: تعرف هذا؟ قال: لا.
فالتفت أحمد فوقعت عينه على ابن أبي دؤاد، فحول وجهه، فكأنما وقعت عينه على قرد.
قال: تعرف هذا -يعني: عبد الرحمن؟ قال: نعم.
قال: قل: اللَّه رب القرآن. قال: القرآن كلام اللَّه.
قال: فشهد ابن سماعة وقتلته، فقالوا: قد كفر، اقتله ودمه في أعناقنا.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣ (٤٣٩)
قال ابن بطة: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الشيرجي قال: حدثنا أبو بكر المروذي قال: كان أبو عبد اللَّه لا يلحن في الكلام.
قال: وأخبرت أنه لما نوظر بين يدي الخليفة لم يتعلق عليه بلحن، حتى حكي أنه جعل يقول: فكيف أقول ما لم يقل؟ !
قال أبو بكر المروذي: وقال لي ابن أبي حسان الوراق: طلب مني أبو عبد اللَّه وهو في السجن كتاب حمزة في العربية؛ فدفعته إليه، فنظر فيه قبل أن يمتحن.
وقال ابن بطة: أخبرني أبو عمرو عثمان بن عمر قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون، وأخبرنا محمد بن علي السمسار قال: رأيت شيخًا قد جاء إلى أبي عبد اللَّه وهو مريض، فجعل يبكي وقال: إنه ممن حضر ضربه. فلما خرج سمعته يقول: واللَّه لقد كلمت ثلاثة من الخلفاء ووطئت بسطهم ما هبتهم، وما دخلني من الرعب ما دخلني منه وهو مسجى، واللَّه لقد رأيته يناظر وهو عالٍ عليهم قوي القلب،
[ ٣ / ٤٥٢ ]
والمعتصم يكلمه ويقول: أجبني إلى ما أسألك، أو شيء منه.
فيقول: لا أقول إلا ما في كتاب اللَّه أو سنة رسول اللَّه.
فيقول له: ألا تقول: القرآن مخلوق؟
فيقول له: وكيف أقول ما لم يقل؟ !
قال الرجل: فقلت لرجل كان إلى جانبي: ما تراه ما يرهب ما هو فيه، ولا يلحن في مثل هذا الوقت، والسياط والعقابين بين يديه، وليس في يده منه شيء!
وقال ابن بطة: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الشيرجي قال: حدثنا المروذي قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: لما ضربت كانا جلادين يضرب كل واحد منهما سوطًا ويتنحى، ويضرب الآخر سوطًا ويتنحى.
قلت: قام إليك أبو إسحاق مرتين؟ قال: أما مرة فأحفظ أنه خرج إلى الرواق وقال: خذوه. فأخذوا بضبعي وجروني نحوًا من مائة ذراع إلى العقابين فخلعوني، وأنا أجد ذلك في كتفي إلى الساعة، وكان علي شعر كثير، وانقطعت تكتي، فقلت: الآن تسود -يعني: وهو بينهم.
قلت: من ناولك خيطًا في ذلك الموضع؟ قال: لا أدري، فشددت سراويلي، وأخبرت أنهم خلعوا القميص ولم يحرقوه، وكان في كمه شعر النبي -ﷺ-.
قال المروذي: وبلغني عن يعقوب الفلاس قال: سمعت عيسى الفتاح يقول: قال لي أبو عبد اللَّه: يا أبا موسى! ما رأيت هؤلاء قط كان أشد علي من تلفت الجلاد، ثم يثب علي.
قال: وسمعت الفلاس يقول: سمعت عيسى الفتاح قال: قال لي
[ ٣ / ٤٥٣ ]
أبو عبد اللَّه: قال أبو إسحاق: ما رأيت ابن أنثى أشجع من هذا الرجل.
قال المروذي: وسمعت عيسى الجلاء يقول: رأى رجل في النوم قائلًا يقول: وإذا جماعة ناحية فجعل يقول: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ وأشار بيده إلى ابن أبي دؤاد وأصحابه، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] أحمد بن حنبل وأصحابه.
قال المروذي: وأخبرت عن زياد بن أبي بادويه القصري، قال: سمعتُ الحماني يقول: رأيتُ النبي -ﷺ- في المنام، قد جاء فأخذ بعضادتي فقال: نجا الناجون، وهلك الهالكون. فقلت: يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي مَنِ الناجون؟ قال: أحمد بن حنبل وأصحابه.
قال المروذي: وبلغني عن امرأة رأوها في النوم وقد شاب صدغها فقيل لها: ما هذا الشيب؟ فقالت: لما ضرب أحمد بن حنبل زفرت جهنم زفرة [لم] (١) يبق منا أحد إلا شاب.
وقال ابن بطة: وحدثنا أبو إسحاق الشيرجي قال: حدثنا المروذي قال: حدثنا أبو عمر المخرمي قال: كنت مع سعيد بن منصور ونحن في الطواف قال: فسمعت هاتفًا يقول: ضرب أحمد بن حنبل اليوم بالسياط؟ قال: فقال لي سعيد: أوما سمعت -أو سمعت؟ قلت: بلى.
قال -يعني: سعيد بن منصور: هذا من صالحي الجن أو من الملائكة، إن كان هذا حقّا، فإن اليوم قد ضرب أحمد بن حنبل.
فقال: فنظرنا فإذا قد ضرب في ذلك اليوم.
قال أبو عبد اللَّه: لما ضربت امتلأت ثيابي بالدماء، وكنت صائمًا،
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
فجاءوا بسويق فلم أشرب، وأتممت صومي، وكان بعض الجيران ثم حاضرًا، فأي شيء نزل به -يعني: لما امتنع أبو عبد اللَّه من شرب السويق- لا أدري، إسحاق بن إبراهيم أو غيره، قال: وبلغني أنه لم يدخل على أبي عبد اللَّه طعام في قصر إسحاق، وقد كان منع أن يدخل إليه، وقال: تأكل من طعامنا. قال أبو عبد اللَّه: فمكثت يومين لا أطعم.
قال المروذي: فقال لي النيسابوري -صاحب إسحاق بن إبراهيم: قال لي الأمير: إذا جاءوا بإفطاره فأرونيه. قال: فجاءوا برغيفين وخبازة قال: فأروه الأمير، فقال: هذا لا يجيبنا إذا كان هذا يقنعه.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٧ (٤٤١ - ٤٥٠)
قال أحمد بن الفرج: كنت أتولى شيئًا من أعمال السلطان، فبينا أنا ذات يوم قاعد في مجلس، إذا أنا بالناس قد أغلقوا أبواب دكاكينهم وأخذوا أسلحتهم، فقلت: ما لي أرى الناس قد استعدوا للفتنة؟ فقالوا: إن أحمد بن حنبل يحمل ليمتحن في القرآن، فلبست ثيابي وأتيت حاجب الخليفة وكان لي صادقًا فقلت: أريد أن تدخلني حتى أنظر كيف يناظر أحمد الخليفة؟ فقال: أتطيب نفسك بذلك؟ فقلت: نعم.
فجمع جماعة وأشهدهم علي وتبرأ من إثمي، ثم قال لي: امض فإذا كان يوم الدخول بعثت إليك، فلما أن كان اليوم الذي أدخل فيه أحمد على الخليفة أتاني رسوله فقال: البس ثيابك واستعد للدخول، فلبست قباء فوقه قفطان، وتمنطقت بمنطقة وتقلدت سيفًا، وأتيت الحاجب فأخذ بيدي وأدخلني إلى الفوج الأول، مما يلي أمير المؤمنين، وإذا أنا بابن الزيات وإذا بكرسي من ذهب مرصع بالجوهر، قد غشي أعلاه بالديباج، فخرج الخليفة فقعد عليه، ثم قال: أين هذا الذي يزعم أن اللَّه ﷿ يتكلم
[ ٣ / ٤٥٥ ]
بجارحتين، علي به. فأدخل أحمد وعليه قميص هروي وطيلسان أزرق، وقد وضع يدًا على يد، وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه. حتى وقف بين يدي الخليفة، فقال: أنت أحمد بن حنبل؟ فقال: أنا أحمد بن محمد بن حنبل. فقال: أنت الذي بلغني أنك تقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. من أين قلت هذا؟
قال أحمد: من كتاب اللَّه تعالى وخبر نبيه -ﷺ-.
قال: وما قال النبي -ﷺ-؟ فقال: حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي -ﷺ- قال: إن اللَّه كلم موسى بمائة ألف كلمة وعشرين ألف كلمة وثلاثمائة كلمة وثلاث عشرة كلمة، فكان الكلام من اللَّه والاستماع من موسى، فقال موسى: أي رب، أنت الذي تكلمني أم غيرك؟ قال اللَّه تعالى: يا موسى أنا أكلمك لا رسول بيني وبينك" (١).
_________________
(١) قال أبو نعيم "الحلية" ٩/ ٢٠٦: وهم أحمد بن الفرج في حفظ إسناد هذا الحديث حين ذكره عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، وإنما يحفظ بعض هذا الحديث من حديث الضحاك عن ابن عباس اهـ. قلت: وحديث ابن عباس رواه عبد اللَّه في "السنة" ٢/ ٤٧٩ (١٠٩٩) والآجري في "الشريعة" ص ٢٧١ (٧٠٩)، والطبراني ١٢/ ١٢٠ (١٢٦٥) من طرق عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس بنحوه. ورواه ابن مردويه في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" ٤/ ٣٨١ موقوفًا. قال ابن كثير: إسناد ضعيف فإن جويبرًا ضُعف، والضحاك لم يدرك ابن عباس. وأورد الألباني المرفوع في "الضعيفة" (٥٢٥٨) وقال: ضعيفة جدا، فالآفة من جويبر، فإنه ضعيف جدا متروك، ثم إنه منقطع بين الضحاك وابن عباس، فإنه لم يسمع منه. اهـ بتصرف.
[ ٣ / ٤٥٦ ]
قال: كذبت على رسول اللَّه -ﷺ-.
قال أحمد: فإن يك هذا كذبًا مني على رسول اللَّه -ﷺ- فقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] فإن يكن القول من غير اللَّه فهو مخلوق، وإن كان مخلوقًا فقد ادعى حركة لا يطيق فعلها.
فالتفت إلى أحمد وابن الزيات، فقال: ناظروه.
قالوا: يا أمير المؤمنين، اقتله ودمه في أعناقنا.
قال: فرفع يده فلطم حر وجهه فخر مغشيا عليه، فتفرق وجوه قواد خراسان، وكان أبوه من أبناء قواد خراسان، فخاف الخليفة على نفسه منهم، فدعا بكوز من ماء فجعل يرش على وجهه، فلما أفاق رفع رأسه إلى عمه وهو واقف بين يدي الخليفة، فقال: يا عم، لعل هذا الماء الذي صب على وجهي غضب صاحبه عليه.
فقال الخليفة: ويحكم ما ترون ما يهجم علي من هذا الحديث، وقرابتي من رسول اللَّه -ﷺ- لا رفعت عنه السوط حتى يقول: القرآن مخلوق.
ثم دعا بجلاد -يقال له: أبو الدن- فقال: في كم تقتله؟
قال: في خمسة أو عشرة أو خمسة عشر أو عشرين. فقال: اقتله، فكلما أسرعت كان أخفى للأمر ثم قال: جردوه.
قال: فنزعت ثيابه ووقف بين العقابين، وتقدم أبو الدن -قطع اللَّه يده- فضربه بضعة عشر سوطًا، فأقبل الدم من أكتافه إلى الأرض، وكان أحمد ضعيف الجسم، فقال إسحاق بن إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إنه إنسان ضعيف الجسم.
فقال: قد سمعت قولي، وقرابتي من رسول اللَّه -ﷺ- لا رفعت السوط
[ ٣ / ٤٥٧ ]
عنه حتى يقول كما أقول.
فقال: يا أبا عبد اللَّه، البشرى، إن أمير المؤمنين قد تاب عن مقالته وهو يقول: لا إله إلا اللَّه.
فقال أحمد: كلمة الإخلاص، وأنا أقول: لا إله إلا اللَّه.
فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قد قال كما تقول، فقال: خلِّ سبيله.
وارتفعت بالباب، فقال: اخرج فانظر ما هذِه الضجة. فخرج ثم دخل فقال: يا أمير المؤمنين، إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فأخرج أحمد بن حنبل إني لك من الناصحين.
فأخرج وقد وضع طيلسانه وقميصه على يده، وكنتُ أول من وافى الباب فقال الناس: ما قلت يا أبا عبد اللَّه حتى نقول؟ قال: وما عسى أن أقول، اكتبوا يا أصحاب الأخبار، واشهدوا يا معشر العامة: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.
قال أحمد بن الفرج: وكنت أنظر إلى أحمد بن حنبل والسوط قد أخذ كتفيه وعليه سراويل فيه خيط فانقطع الخيط، ونزل السراويل، فلحظته وقد حرك شفتيه فعاد السراويل كما كان، فسألته عن ذلك، فقال: نعم، إنه لما انقطع الخيط قلت: اللهم إلهي وسيدي، أوقفتني هذا الموقف، فلا تهتكني على رؤوس الخلائق. فعاد السراويل كما كان (١).
"حلية الأولياء" لابي نعيم ٩/ ٢٠٤ - ٢٠٦
_________________
(١) قال الذهبي في "السير" ١١/ ٢٥٥: هذِه الحكاية لا تصح. قلت: قد روى مثل هذِه الحكاية كثير من تلاميذ الإمام، وممن شاهدوه في المحنة واللَّه أعلم.
[ ٣ / ٤٥٨ ]
قال علي بن صالح المصري: حدثنا سليمان بن عبد اللَّه السجزي قال: أتيت إلى باب المعتصم وإذا الناس قد ازدحموا على بابه كيوم العيد، فدخلت الدار فرأيت بساطا مبسوطا وكرسيًّا مطروحًا، فوقفت بإزاء الكرسي، فبينما أنا قائم فإذا المعتصم قد أقبل، فجلس على الكرسي، ونزع نعله من رجله، ووضع رجلا على رجل، ثم قال: يحضر أحمد بن حنبل، فأحضر، فلما وقف بين يديه وسلم عليه قال له: يا أحمد، تكلم ولا تخف.
فقال أحمد: واللَّه يا أمير المؤمنين، لقد دخلت عليك وما في قلبي مثقال حبة من الفزع.
فقال له المعتصم: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلام اللَّه قديم غير مخلوق، قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
فقال له: عندك حجة غير هذا؟ فقال أحمد: نعم يا أمير المؤمنين، قول اللَّه ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ولم يقل: الرحمن خلق القرآن. وقوله ﷿: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ ولم يقل: يس والقرآن المخلوق.
فقال المعتصم: احبسوه. فحبس وتفرق الناس، فلما أصبحت قصدت الباب، فأدخل الناس فدخلت معهم، فأقبل المعتصم وجلس على كرسيه فقال: هاتوا أحمد بن حنبل. فجيء به، فلما أن وقف بين يديه، قال له المعتصم: كيف كنت يا أحمد في محبسك البارحة.
فقال: بخير والحمد للَّه، إلا أني رأيت يا أمير المؤمنين في محبسك أمرًا عجبا. قال له: وما رأيت؟ قال: قمت في نصف الليل فتوضأت للصلاة وصليت ركعتين، فقرأت في ركعة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وفي الثانية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ثم
[ ٣ / ٤٥٩ ]
جلست وتشهدت وسلمت، ثم قمت فكبرت وقرأت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وأردت أن أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلم أقدر، ثم اجتهدت أن أقرأ غير ذلك من القرآن فلم أقدر، فمددت عيني في زاوية السجن، فإذا القرآن مسجًّى ميتا، فغسلته وكفنته، وصليت عليه ودفنته.
فقال له: ويلك يا أحمد، والقرآن يموت؟ !
فقال له أحمد: فأنت كذا تقول: إنه مخلوق، وكل مخلوق يموت.
فقال المعتصم: قهرنا أحمد، قهرنا أحمد.
فقال ابن أبي دؤاد وبشر المريسي: اقتله حتى نستريح منه.
فقال: إني قد عاهدت اللَّه ألا أقتله بسيف ولا آمر بقتله بسيف.
فقال له ابن أبي دؤاد: اضربه بالسياط.
فقال: نعم، ثم قال: أحضروا الجلادين. فأحضروا، فقال المعتصم لواحد منهم: بكم سوط تقتله؟ فقال: بعشرة يا أمير المؤمنين.
فقال: خذه إليك.
قال سليمان السجزي: فأخرج أحمد بن حنبل من ثيابه، واتزر بمئزر من الصوف، وشد في يديه حبلان جديدان، وأخذ السوط في يده، وقال: أضربه يا أمير المؤمنين؟ فقال المعتصم: اضرب. فضربه سوطًا.
فقال أحمد: الحمد للَّه.
وضربه ثانيًا، فقال: ما شاء اللَّه كان.
فضربه ثالثًا، فقال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.
فلما أراد أن يضربه السوط الرابع نظرت إلى المئزر من وسطه قد انحل ويريد أن يسقط، فرفع رأسه نحو السماء، وحرك شفتيه، وإذا الأرض قد انشقت وخرج منها يدان فوزرتاه بقدرة اللَّه ﷿، فلما أن نظر المعتصم إلى
[ ٣ / ٤٦٠ ]
ذلك قال: خلوه.
فتقدم إليه ابن أبي دؤاد وقال له: يا أحمد، قل في أذني: إن القرآن مخلوق، حتى أخلصك من يد الخليفة.
فقال له أحمد: يا ابن أبي دؤاد قل في أذني: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، حتى أخلصك من عذاب اللَّه ﷿.
فقال المعتصم: أدخلوه الحبس.
قال سليمان: فحمل إلى الحبس، وانصرف الناس وانصرفت معهم، فلما كان الغد أقبل الناس وأقبلت معهم فوقفت بإزاء الكرسي، فخرج المعتصم وجلس على الكرسي، وقال: هاتوا أحمد بن حنبل. فجيء به، فلما وقف بين يديه قال له المعتصم: كيف كنت في محبسك الليلة يا ابن حنبل. قال: كنت بخير والحمد للَّه.
فقال: يا أحمد، إني رأيت البارحة رؤيا.
قال: وما رأيت يا أمير المؤمنين.
قال: رأيت في منامي كأن أسدين قد أقبلا إلي وأرادا أن يفترساني، وإذا ملكان قد أقبلا ودفعاهما عني، ودفعا إلي كتابا وقالا لي: هذا المكتوب رؤيا رآها أحمد بن حنبل في محبسه. فما الذي رأيت يا ابن حنبل؟ فأقبل أحمد على المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين، فالكتاب معك؟ قال: نعم، وقرأته لما أصبحت وفهمت ما فيه.
فقال له أحمد: يا أمير المؤمنين رأيت كأن القيامة قد قامت، وكأن اللَّه قد جمع الأولين والآخرين في صعيد واحد وهو يحاسبهم، فبينما أنا قائم إذ نودي بي، فقدمت حتى وقفت بين يدي اللَّه ﷿، فقال لي: يا أحمد، فيم ضربت؟ فقلت: من جهة القرآن.
[ ٣ / ٤٦١ ]
فقال لي: وما القرآن؟ فقلت: كلامك اللهم لك.
فقال لي: من أين قلت هذا؟ فقلت: يا رب حدثني عبد الرزاق، فنودي بعبد الرزاق فجيء به حتى أقيم بين يدي اللَّه ﷿ فقال له: ما تقول في القرآن يا عبد الرزاق؟ فقال: كلامك اللهم لك، فقال اللَّه ﷿: من أين قلت هذا؟ فقال: حدثني معمر، فنودي بمعمر، فجيء به حتى أوقف بين يدي اللَّه ﷿، فقال اللَّه ﷿ له: ما تقول في القرآن يا معمر؟ فقال معمر: كلامك اللهم لك.
فقال له: من أين قلت هذا؟ فقال معمر: حدثني الزهري، فنودي بالزهري، فجيء به حتى أوقف بين يدي اللَّه ﷿، فقال اللَّه ﷿ له: يا زهري ما تقول في القرآن؟ فقال الزهري: كلامك اللهم لك. فقال: يا زهري، من أين لك هذا؟ قال: حدثني عروة. فجيء به فقال: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك.
فقال له: يا عروة، من أين لك هذا؟ فقال: حدثتني عائشة بنت أبي بكر الصديق. فنوديت عائشة، فجيء بها، فوقفت بين يدي اللَّه، فقال اللَّه ﷿ لها: يا عائشة، ما تقولين في القرآن؟ فقالت: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه ﷿ لها: من أين لك هذا؟ قالت: حدثني نبيك محمد -ﷺ-.
قال: فنودي بمحمد ﷺ، فجيء به، فوقف بين يدي اللَّه ﷿، فقال اللَّه ﷿: يا محمد ما تقول في القرآن؟ فقال له: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه له: من أين لك هذا؟ فقال النبي -ﷺ-: حدثني به جبريل.
فنودي بجبريل، فجيء به حتى وقف بين يدي اللَّه فقال له: يا جبريل ما تقول في القرآن؟ قال: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه تعالى له: من أين لك هذا؟ فقال: هكذا حدثنا إسرافيل.
فنودي بإسرافيل، فجيء به حتى وقف بين يدي اللَّه ﷿، فقال اللَّه
[ ٣ / ٤٦٢ ]
سبحانه: يا إسرافيل، ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه له: ومن أين لك هذا؟ فقال إسرافيل: رأيتُ ذلك في اللوح المحفوظ.
فجيء باللوح، فوقف بين يدي اللَّه، فقال له: أيها اللوح، ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه تعالى له: من أين لك هذا؟ فقال اللوح: كذا جرى القلم علي.
فأتي بالقلم حتى وقف بين يدي اللَّه ﷿، فقال اللَّه ﷿ له: يا قلم، ما تقول في القرآن؟ فقال القلم: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه: من أين لك هذا؟ فقال القلم: أنت نطقت وأنا جريت.
فقال اللَّه ﷿: صدق القلم، صدق اللوح، صدق إسرافيل، صدق جبريل، صدق محمد، صدقت عائشة، صدق عروة، صدق الزهري، صدق معمر، صدق عبد الرزاق، صدق أحمد بن حنبل، القرآن كلامي غير مخلوق.
قال سليمان السجزي: فوثب عند ذلك المعتصم فقال: صدقت يا ابن حنبل. وتاب المعتصم، وأمر بضرب رقبة بشر المريسي وابن أبي دؤاد، وأكرم أحمد بن حنبل وخلع عليه، فامتنع من ذلك فأمر به فحمل إلى بيته.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٤٣٨ - ٤٤٣
قال ميمون بن الأصبغ: سمعت المعتصم يوم المحنة يقول لأحمد: بلغني أنك تقول: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق؟
فقال له: أصلح اللَّه أمير المؤمنين البلاغات تزيد وتنقص.
[ ٣ / ٤٦٣ ]
فقال له أمير المؤمنين: فأيش تقول؟
قال: أقول: غير مخلوق على أي الحالات كان.
قال: ومن أين قلت؟ . فقال: حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن كلام اللَّه الذي اختص به موسى مائة ألف كلمة وثلاثمائة وثلاثة عشر كلمة" (١) فكان الكلام من اللَّه والاستماع من موسى. .
إلى أن قال: قال أحمد: قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] فإن يكن القول من اللَّه فالكلام كلام اللَّه.
وقال ميمون بن الأصبغ: لما ضرب أحمد سوطًا قال: بسم اللَّه.
فلما ضرب الثاني قال: الحمد للَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.
فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق.
فلما ضرب الرابع قال: لن يصيبنا إلا ما كتب اللَّه لنا.
فضربوه تسعة وعشرين سوطا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب، فانقطعت، فنزلت السراويل إلى عانته، فرمى بطرفه نحو السماء، وحرك شفتيه، فما كان بأسرع أن بقي السراويل فلم تنزل.
وذكر الكلام إلى أن قال: فدخلت إلى أحمد بعد سبعة أيام من ضربه وهو يقرأ في مصحف بين يديه، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، رأيتك يوم ضربوك وقد انحل سراويلك، فرفعت طرفك نحو السماء ورأيتك تحرك شفتيك، فأيش قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به
_________________
(١) لم أقف عليه، وانظر حديث ابن عمر.
[ ٣ / ٤٦٤ ]
العرش، إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترًا.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٤٠٧ - ٤٠٩
قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: حدثني أبو معمر القطيعي قال: لما حضرنا في دار السلطان أيام المحنة، وكان أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل قد أحضر، وكان رجلا لينا، فلما رأى الناس يجيبون، انتفخت أوداجه، واحمرت عيناه، وذهب ذلك اللين الذي كان فيه، فقلت: إنه قد غضب للَّه.
قال أبو معمر: فلما رأيت ما به قلت: يا أبا عبد اللَّه، أبشر، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن الوليد بن عبد اللَّه بن جميع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كان من أصحاب النبي -ﷺ- من إذا أريد على شيء من دينه رأيت حماليق عينيه في رأسه تدور كأنه مجنون (١).
قال ابن أبي أسامة: حكي لنا أن أحمد بن حنبل قيل له أيام المحنة: يا أبا عبد اللَّه، ألا ترى الحق كيف ظهر عليه الباطل؟
فقال: كلا. إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد لازمة للحق.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٨٨ - ٣٨٩
قال محمد بن إبراهيم البوشنجي: قدم المعتصم من بلاد الروم بغداد في شهر رمضان سنة ثمان عشرة، فامتحن فيها أحمد وضرب بين يديه.
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٧٩ (٢٦٠٤٩) عن محمد بن فضيل به، والبخاري في "الأدب المفرد" ص ١٩٠ (٥٥٥) عن إسحاق، عن محمد بن الفضيل -وقع في المطبوع (الفضل) - به، قال الحافظ في "الفتح" ١٠/ ٥٤٠: بسند حسن. وحسنه الألباني في تعليقه على "الأدب المفرد".
[ ٣ / ٤٦٥ ]
فحدثني من أثق به من أصحابنا عن محمد بن إبراهيم بن مصعب -وهو يومئذ على الشرط للمعتصم، خليفة إسحاق بن إبراهيم- أنه قال: ما رأيت أحدًا لم يداخل السلطان، ولا خالط الملوك أثبت قلبًا من أحمد يومئذ، ما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب.
قال المروذي في محنة أحمد بن حنبل وهو بين الهنبارين: يا أستاذ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فقال أحمد: يا مروذي، اخرج انظر أي شيء ترى؟
قال: فخرجت إلى رحبة دار الخليفة، فرأيت خلقًا من الناس لا يحصي عددهم إلا اللَّه، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر في أذرعتهم، فقال لهم المروذي: أي شيء تعملون؟ فقالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه.
قال المروذي: مكانكم. فدخل إلى أحمد بن حنبل وهو قائم بين الهنبارين قال له: رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام، ينتظرون ما تقول فيكتبونه.
فقال: يا مروذي، أُضل هؤلاء كلهم! أقتل نفسي ولا أُضل هؤلاء كلهم (١).
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤٠٨ - ٤٠٩
_________________
(١) قال ابن الجوزي معلقا على هذا الخبر: هذا رجل هانت عليه نفسه في اللَّه تعالى فبذلها، كما هانت على بلال نفسه. وقد رُوينا عن سعيد بن المسيب أنه كانت نفسه عليه في اللَّه تعالى أهون من نفس ذباب. وإنما تهون أنفسهم عليهم لتلمحهم العواقب، فعيون البصائر ناظرة إلى المآل لا إلى الحال، وشدة ابتلاء أحمد دليل على قوة دينه، لأنه قد صح عن النبي -ﷺ- أنه قال: "يبتلى الرجل على حسب دينه" فسبحان من أيده وبصره وقواه ونصره!
[ ٣ / ٤٦٦ ]
قال جعفر الرازي: كان إسحاق بن إبراهيم يقول: أنا واللَّه رأيت يوم ضرب أحمد بن حنبل سراويله وقد ارتفع من بعد انخفاضه، وانعقد من بعد انحلاله، ولم يفطن بذلك لذهول عقل من حضره، وما رأيت يوما كان أعظم على المعتصم من ذلك اليوم، واللَّه لو لم يرفع عنه الضرب لم يبرح من مكانه إلا ميتا.
قال إبراهيم بن إسحاق الأنصاري: سمعت بعض الجلادين يقول: لقد بطل أحمد بن حنبل الشطار، واللَّه لقد ضربته ضربًا لو أبرك لي بعير فضربته ذلك الضرب لنقبت عن جوفه.
قال: محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة: سمعت شاباص التائب يقول: لقد ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطًا، لو ضربته فيلًا لهدته.
قال محمد بن جعفر الراشدي: حدثني بعض أصحابنا قال: لما أخذت أبا عبد اللَّه السياط، قال: بك استغثت يا جبار السماء ويا جبار الأرض.
قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: كنت كثيرًا أسمع والدي يقول: رحم اللَّه أبا الهيثم، غفر اللَّه لأبي الهيثم، عفا اللَّه عن أبي الهيثم.
فقلت: يا أبت، من أبو الهيثم؟ قال: ألا تعرفه؟
قلت: لا. قال: أبو الهيثم الحداد، اليوم الذي أخرجت فيه للسياط، ومدت يداي للعقابين، إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا أبو الهيثم العيار، اللص الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين.
قال: فضربت ثمانية عشر سوطًا بدل ما ضرب ثمانية عشر ألفا، وخرج
[ ٣ / ٤٦٧ ]
الخادم فقال: عفا عنه أمير المؤمنين.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤١٢ - ٤١٣.
قال أبو شعيب الحراني: كنا مع أبي عبيد القاسم بن سلام بباب المعتصم وأحمد بن حنبل يضرب، قال: فجعل أبو عبيد يقول: أيضرب سيدنا؟ لا صبر، أيضرب سيدنا؟ لا صبر.
قال أبو شعيب فقلت:
ضربوا ابن حنبل بالسياط بظلمهم بغيا فثبت بالثبات الأنور
قال الموفق حين مدد بينهم مد الأديم مع الصعيد القرقر
إني أموت ولا أبوء بفجرة يصلى بوائقها محل المفتري
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤١٦
قال ميمون بن الأصبغ: كنت ببغداد فسمعت ضجة، فقلت: ما هذا؟ قال: أحمد بن حنبل يمتحن في القرآن.
قال: فأتيت منزلي فأخذت مالا له خطر، فذهبت به إلى من يدخلني إلى المجلس الذي يمتحن فيه أحمد، قال: فأدخلوني، فإذا بالسيوف قد نضيت، والقواد بالأعمدة قد ترجلت، وبالأسواط قد طرحت، قال: فألبسوني أقبية سودًا ومنطقة وسيفًا حتى أوقفوني عند المجلس من حيث أسمع الكلام، فإذا أنا بأمير المؤمنين عليه رداء عدني، حتى جلس على الكرسي، فقال: أين هذا الذي يزعم أن اللَّه ﷿ ينطق بجارحتين؟ .
قال: فأتي بأحمد بن حنبل وعليه قميص أبيض، وكساء أخضر، ونعله
[ ٣ / ٤٦٨ ]
معلقة بيده حتى أوقف بين يديه، فقال: أنت أحمد بن حنبل؟
فقال: أنا أحمد بن محمد بن حنبل.
قال: بلغني أنك تقول: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق.
فقال له: أصلح اللَّه أمير المؤمنين، البلاغات تزيد وتنقص.
فقال له: يا مبارك، فأيش تقول؟
قال: أقول: القرآن غير مخلوق، وعلى أي الحالات كان.
قال: ومن أين قلت؟ قال: روي في الحديث، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: " إن كلام اللَّه الذي استخص به موسى ﵇، مائة ألف كلمة وثلاث عشرة كلمة" فكان الكلام من اللَّه ﷿، والاستماع من موسى.
فقال: كذبت يا عدو اللَّه على رسول اللَّه -ﷺ-، ما قال رسول اللَّه شيئًا من هذا. فقال أحمد: إن كنتَ تقول: إن رسول اللَّه -ﷺ- لم يقل شيئًا من هذا. فإن اللَّه ﷿ قال: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، فإن يكن القول من اللَّه، فإن الكلام من اللَّه.
فالتفت إلى ابن أبي دؤاد. فقال: كلمه.
فقال ابن أبي دؤاد: اقتله. ولطم أحمد فخر مغشيا عليه، ثم أفاق.
فقال المعتصم: وقرابتي من رسول اللَّه -ﷺ- لأضربنك بالسياط أو تقول كما أقول. ثم التفت إلى جلاد، فقال: خذه إليك.
قال: فأخذه فخرق قميصه ثم أوقفه بين العقابين، فلما ضرب سوطًا واحدًا قال: باسم اللَّه. فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه.
فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق.
فلما ضرب الرابع قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، فضربه تسعة وعشرين سوطا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب، فانقطعت،
[ ٣ / ٤٦٩ ]
فنزل السراويل على عانته، فقلت: الساعة ينهتك. فرمى أحمد بطرفه نحو السماء وحرك شفتيه، فما كان بأسرع من أن بقي السراويل لم ينزل.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٧٣ - ٧٦
قال أبو علي حنبل بن إسحاق بن حنبل: فلما طال حبس أبي عبد اللَّه، قال: وكان أبي يختلف في أمره ويكلم القواد وأصحاب السلطان في أمره، رجاء أن يطلق ويخلى له السبيل، فلما طال ذلك ولم يره يتم، استأذن على إسحاق بن إبراهيم، فقال له: أيها الأمير، إن بيننا وبين الأمير حرما في حرمة منها ما يرعاها الأمير؛ جوار بمرو، كان والدي حنبل مع جدك الحسين بن مصعب. قال: قد بلغني ذلك.
قلت: فإن رأى أمير المؤمنين أن يرعى لنا ذلك ويحفظه.
قال أبي: وقلت له: أيها الأمير، علام يحبس ابن أخي؟ ما جحد التنزيل، وإنما اختلفوا في التأويل، فاستحل منه أن حبس هذا الحبس الطويل، أيها الأمير، اجمع لنا الفقهاء والعلماء، قال أبي: ولم أذكر أهل الحديث. فقال إسحاق: وترضى؟
قلت: نعم أيها الأمير، فمن فلجت حجته كان أغلب. فقال لي ابن أبي ربعي بعد ذلك: ما صنعت! تجمع على ابن أخيك المخالفين له، فيثبتون عليه الحجة ممن يريد ابن أي دؤاد من أهل الكلام والخلاف، هلا شاورتني في ذلك؟ قلت له: قد كان ما كان.
قال أبي: ولما ذكر لإسحاق بن إبراهيم ما بيننا وبينه من الحرمة المتقدمة، قال لحاجبه البخاري: يا بخاري، اذهب معه إلى ابن أخيه فليكلمه ولا يكلم ابن أخيه بشيء لا تفهمه إلا أخبرتني به.
[ ٣ / ٤٧٠ ]
قال أبي: فدخلت على أبي عبد اللَّه مع حاجب إسحاق الذي يقال له: البخاري. فقلت له: يا أبا عبد اللَّه، قد أجاب أصحابك، وقد أعذرت فيما بينك وبين اللَّه ﷿، وقد أجاب القوم وبقيت أنت -يعني بقيت في الحبس والضيق.
فقال لي: يا عم، إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟ !
قال أبي: فأمسكت عنه، فلما كان بعد أيام من لقائي إسحاق بن إبراهيم وكلامي إياه، لقي إسحاق المعتصم فأخبره بقول أبي وما كلمه به.
غدونا إلى الحبس يومًا نريد الدخول على أبي عبد اللَّه على ما كنا نختلف، وكان في جيراننا رجل، يقال له: هارون، يختلف إلى أبي عبد اللَّه بطعامه من المنزل، ويقضي حوائجه ويخدمه، فقيل لنا: قد حول الليلة أبو عبد اللَّه إلى دار إسحاق، فذهبت أنا وأبي وأصحابنا إلى دار إسحاق، فأردنا الدخول على أبي عبد اللَّه والوصول إليه، فحيل بيننا وبين ذلك، وجاء هارون الجصاص بإفطار أبي عبد اللَّه فدفعه إلى بعض الأعوان يوصله إلى أبي عبد اللَّه، فبعث إسحاق، فأخذ الزنبيل الذي فيه إفطاره فنظر إليه، فإذا فيه رغيفان وشيء من باقلا، فتعجب إسحاق من ذلك.
ولما كان الغد من اليوم الذي حول فيه أبو عبد اللَّه إلى دار إسحاق ونحن عند باب دار إسحاق، إذ جاء أبو شعيب الحجام ومحمد بن رباح، حتى دخلا إلى دار إسحاق، ثم دخلا إلى أبي عبد اللَّه ومعهما صورة السماوات والأرض وغير ذلك.
قال أبو عبد اللَّه: فسألني عن شيء ما أدري ما هو.
قال أبو عبد اللَّه: فلما سألاني -يعني: ابن الحجام وابن رباح- قلت:
[ ٣ / ٤٧١ ]
ما أدري، وما أعرف هذا، ثم قال لي أبو شعيب في كلام دار بيني وبينه: وسألته عن علم اللَّه ما هو؟
قال: علم اللَّه مخلوق. فقلت له: كفرت باللَّه العظيم، فقال لي رسول إسحاق -وكان معه: هذا رسول أمير المؤمنين.
فقلت له: إن هذا قد كفر باللَّه.
وقلت لصاحبه ابن رباح الذي جاء معه: إن هذا- أعني: أبا شعيب- قد كفر، زعم أن علم اللَّه مخلوق، فنظر وأنكر عليه مقالته، وقال: ويحك، ما قلت؟ ثم انصرفنا.
قال حنبل: فبلغني عن أبي شعيب أنه لما خرج من عند أبي عبد اللَّه، سمعه من كان قريبًا منه يقول: ما رأيت لهذا نظيرًا.
وكان أبو عبد اللَّه قال لأبي شعيب في وقت مناظرته: ويلك، بعد طلبك الحديث وكتابتك للعلم، ألم أرك في موضع كذا؟ ! ألم تحضر كذا؟ ! فقال أبو شعيب: ما رأيت لهذا نظيرًا، عجبت من رجل في هذا الذي هو فيه وتوبيخه إياي.
قال: ولما حول أبو عبد اللَّه من السجن إلى دار إسحاق، كان عليه قيدٌ خفيف فزيد عليه في القيد وثقل، فمكث ثلاثة أيام في دار إسحاق، فلما كانت الليلة الرابعة بعد عشاء الآخرة في شهر رمضان، جاء بُغا الكبير إلى إسحاق بن إبراهيم فأمره بحملي إلى المعتصم.
قال أبو عبد اللَّه: فأدخلت على إسحاق، فقال لي: يا أحمد، إنها واللَّه نفسُك، قد حلف ألا يقتلك بالسيف، وأن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يحبسك في موضع لا ترى فيه الشمس، أليس قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أفيكون مجعولا إلا مخلوقا؟ ! قال أبو عبد اللَّه:
[ ٣ / ٤٧٢ ]
فقلت: قال اللَّه تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨] ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] أفخلقهم؟ فسكت.
قال أبو عبد اللَّه: ثم قال لي إسحاق: يا أحمد، لو أجبت أمير المؤمنين إلى ما دعاك إليه.
قال: فكلمته بكلام، فقال: إني عليك مشفق، وإن بيننا وبينك حرمة.
فقلت: ما عندي في هذا إلا الأمر الأول، فقال: اذهبوا به.
فأمر بي فحملت في زورق إلى دار أبي إسحاق، وكانت في سراويلي تكة، فلما حولوني وزاد في قيودي وثقلت علي القيود، لم أقدر أن أمشي فيها، أخرجت التكة من السراويل وشددت بها قيودي، ثم لففت السراويل بغير تكة ولا خيط، فمضى بي إلى دار أبي إسحاق ومعي بُغا، ورسول إسحاق بن إبراهيم، فلما صرت إلى الدار أخرجت من الزورق وحملت على دابة والأقياد ثقلت عليّ وما معي أحدٌ يمسكني، فظننت أني أسقط إلى الأرض أو نحوه، فأدخلت فصيرت في بيت وأغلق علي الباب وأقعد عليه رجلان، وليس في البيت سراج، فقمت أصلي ولم أعرف القبلة، فصيلت، فلما أصبحت نظرت فإذا أنا على القبلة.
قال أبو عبد اللَّه: فأدخلت من الغد على أبي إسحاق، فإذا هو قاعد، وابن أبي دؤاد حاضر وقد جمع أصحابه، فلما نظر إلي أبو إسحاق فسمعته يقول لهم وقد قربت منهم: أليس زعمتم أنه حدث؟ هذا شيخ مكتهل.
فما أدري ما احتج به الخبيث عليه فلم أفهم ما قال، والدار كثيرة الناس، فلما دنوت سلمت، فقال لي: ادنه. فلم يزل يقول: ادنه. حتى قربت منه، قال: اجلس. فجلست وقد أثقلتني الأقياد، فلما مكثت ساعة قلت له: يا أمير المؤمنين، تأذن لي في الكلام؟
[ ٣ / ٤٧٣ ]
قال: تكلم. قلت: إلامَ دعا إليه ابن عمك رسول اللَّه -ﷺ-؟
قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه. قلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه.
وقلت: إن جدك ابن عباس حكى أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول اللَّه -ﷺ-، أمرهم بالإيمان باللَّه (١). . -وذكرت له الحديث كله- يا أمير المؤمنين، وإلام أدعى وهذِه شهادتي وإخلاصي للَّه بالتوحيد؟ ! قال: فسكت، فقال ابن أبي دؤاد كلامًا لم أفهمه.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ٨٠ - ٨٦
قال العباس بن المغيرة: حدثنا أبو علي حنبل قال: قال أبو عبد اللَّه: ولقد احتجوا علي بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني أن أحكيه، أنكروا الآثار وما ظننتهم على هذا حتى سمعت مقالتهم، وجعل ابن عون يقول: الجسم، وكذا وكذا، فقلت: لا أدري ما تقول. وقلت: هو الأحد الصمد.
قال أبو عبد اللَّه: فاحتججت عليه، فقلت: زعمتم أن الأخبار تردونها باختلاف أسانيدها وما يدخلها من الوهم والضعف، فهذا القرآن، نحن وأنتم مجمعون عليه، وليس بين أهل القبلة فيه خلاف، وهو الإجماع، قال اللَّه في كتابه تصديقا منه لقول إبراهيم، غير دافع لمقالته ولا منكر، فحكى اللَّه ذلك فقال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] فذم إبراهيم أباه أن عبد ما لا يسمع ولا يبصر، فهذا منكر عندكم؟ !
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ١/ ٢٢٨، والبخاري (٥٣)، ومسلم (١٧).
[ ٣ / ٤٧٤ ]
قالوا: شبه يا أمير المؤمنين، شبه يا أمير المؤمنين!
قلت: أليس هذا القرآن، هذا منكر مدفوع؟ ! وهذِه قصة موسى ﵇، قال اللَّه لموسى في كتابه حكاية عن نفسه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فأثبت اللَّه تعالى الكلام لموسى كرامة منه لموسى، وقال بعد كلامه له: ﴿تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] تأكيدًا للكلام. وقال اللَّه تعالى في كتابه: يا موسى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: ١٤] أفتنكرون هذا؟ ! فتكون هذِه الياء الراجعة حكاية ترد على غير اللَّه ويكون مخلوقا يدعي الربوبية إلا هو ﷿. قال اللَّه تعالى: ﴿يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١١، ١٢] فهذا كتاب اللَّه يا أمير المؤمنين.
فأمسكوا وأداروا بينهم كلامًا لم أفهمه.
قال أبو عبد اللَّه: وكان القوم يدفعون هذا وينكرونه.
قلت له: فأبو إسحاق؟ قال: لم يقل شيئًا، ولم يقدر على دفع القرآن، وأنكروا الكلام والرؤية.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٩٩ - ١٠٠
قال أحمد في رواية حنبل: إن عرضتُ على السيف لا أجيب.
"الآداب الشرعية" ١/ ١٨٣
[ ٣ / ٤٧٥ ]