قال الإمام أحمد: قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ [النجم: ١]، قال: وذلك أن قريشًا قالوا: إن القرآن شعر. وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: أضغاث أحلام، وقالوا: تقوله محمد من تلقاء نفسه. وقالوا: تعلمه من غيره؛ فأقسم اللَّه بالنجم إذا هوى، يعني: القرآن إذا نزل فقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ يعني: محمدًا ﴿وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ يقول: إن محمدًا لم يقل هذا القرآن من تلقاء نفسه، فقال: ﴿إِنْ هُوَ﴾ يقول: ما هو، يعنى: القرآن ﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. فأبطل اللَّه أن يكون القرآن شيئًا غير الوحي؛ لقوله إِن ﴿إِنْ هُوَ﴾ يقول: ما هو ﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ثم قال: ﴿علَّمَهُ﴾ يعني: علم محمدًا جبريل -ﷺ-، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ إلى قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ فسمى اللَّه القرآن وحيًا ولم يسمه خلقًا.
ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر فقال: أخبرونا عن القرآن، هو شيء؟ فقلنا: نعم، هو شيء. فقال: إن اللَّه خلق كل شيء، فلم لا يكون القرآن مع الأشياء المخلوقة، وقد أقررتم أنه شيء؟ !
فلعمري لقد ادعى أمرا أمكنه فيه الدعوى، ولبس على الناس بما ادعى، فقلنا: إن اللَّه في القرآن لم يسم كلامه شيئًا إنما سمى شيئًا الذي كان بقوله، ألم تسمع إلى قوله ﵎: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٠] فالشيء ليس قوله، إنما الشيء الذي كان بقوله، وفي آية أخرى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ [يس: ٨٢] فالشيء ليس هو أمره، إنما الشيء الذي كان بأمره.
ومن الأعلام والدلالات أنه لا يعني كلامه مع الأشياء المخلوقة،
قال اللَّه للريح التي أرسلها على عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] وقد
[ ٣ / ٥٧٤ ]
أتت تلك الريح على أشياء لم تدمرها؛ منازلهم ومساكنهم والجبال التي بحضرتهم، فأتت عليها تلك الريح ولم تدمرها، وقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فكذلك إذا قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] لا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة، وقال لملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقد كان ملك سليمان شيئًا ولم تؤته، وكذلك إذا قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] لا يعني: كلامه مع الأشياء المخلوقة، وقال اللَّه لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ [طه: ٤١] ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] ثم قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فقد عرف من عقل عن اللَّه أنه لا يعني نفسه مع الأنفس التي تذوق الموت، وقد ذكر اللَّه ﷿ كل نفس، فكذلك إذا قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة.
ففي هذا دلالة وبيان لمن عقل عن اللَّه، فرحم اللَّه من فكر، ورجع عن القول الذي يخالف الكتاب والسنة، ولم يقل على اللَّه إلا الحق، فإن اللَّه قد أخذ ميثاقَ خلقه فقال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣] فقد حرم اللَّه أن يقال عليه الكذب.
وقد قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] فأعاذنا اللَّه وإياكم من فتن المضلين.
وقد ذكر اللَّه كلامه في غير موضع من القرآن فسماه كلامًا ولم يسمه
[ ٣ / ٥٧٥ ]
خلقًا، قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، وقال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٥]، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] فأخبرنا اللَّه أن النبي -ﷺ- كان يؤمن باللَّه وبكلام اللَّه، وقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] وقال: ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] ولم يقل: حتى يسمع خلق اللَّه. فهذا منصوص بلسان عربي مبين لا يحتاج إلى تفسير، هو مبين بحمد اللَّه.
وقد سألت الجهمي: أليس إنما قال اللَّه ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] وقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩] وقال: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] ولم نسمع اللَّه يقول: قولوا إن كلامي خلق.
وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا﴾ [النساء: ١٧١] وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] ﴿لَا تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة: ١٥٤] ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]
[ ٣ / ٥٧٦ ]
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧].
ومثله في القرآن كثير، فهذا ما نهى اللَّه عنه ولم يقل لنا: لا تقولوا إن القرآن كلامي.
وقد سمَّت الملائكة كلام اللَّه كلامًا ولم تسمه خلقًا، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣]، وذلك أن الملائكة لم يسمعوا صوت الوحي ما بين عيسى ومحمد ﷺ، وبينهما كذا وكذا سنة. فلما أوحى اللَّه إلى محمد سمع الملائكة صوت الوحي كوقع الحديد على الصفا، فظنوا أنه أمر من الساعة ففزعوا وخروا لوجوههم سجدًا، فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يقول: حتى إذا انجلى الفزع عن قلوبهم رفع الملائكة رؤوسهم فسأل بعضهم بعضا فقالوا: ماذا قال ربكم؟ ولم يقولوا: ماذا خلق ربكم، فهذا بيان لمن أراد اللَّه هداه.
ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر فقال: أنا أجد آية في كتاب اللَّه ﵎ تدل على القرآن أنه مخلوق. فقلنا: في أي آية؟ فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فزعم أن اللَّه قال للقرآن: محدث، وكل محدث مخلوق.
فلعمري لقد شبه على الناس بهذا، وهي آية من المتشابه، فقلنا في ذلك قولًا واستعنا باللَّه ونظرنا في كتاب اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.
قال أحمد -﵁-: اعلم أن الشيئين إذا اجتمعا في اسم يجمعهما فكان أحدهما أعلى من الآخر، ثم جرى عليهما اسم مدح فكان أعلاهما أولى بالمدح وأغلب عليه، وإن جرى عليه اسم ذم فأدناهما أولى به.
ومن ذلك قول اللَّه تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[ ٣ / ٥٧٧ ]
[البقرة: ١٤٣] ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] يعني: الأبرار دون الفجار، فإذا اجتمعوا في اسم الإنسان واسم العباد فالمعنى في قول اللَّه جل ثناؤه: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يعني: الأبرار دون الفجار؛ لقوله إذا انفرد الأبرار: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ [الانفطار: ١٣] وإذا انفرد الفجار: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فالمؤمن أولى به وإن اجتمعا في اسم الناس؛ لأن المؤمن إذا انفرد أعطي المدحة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وإذا انفرد الكفار جرى عليهم الذم في قوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وقال: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠] فهؤلاء لا يدخلون في الرحمة.
وفي قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] فاجتمع الكافر والمؤمن في اسم العبد، والكافر أولى بالبغي من المؤمنين؛ لأن المؤمنين انفردوا ومدحوا فيما بسط من لهم الرزق، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]. وقد بسط الرزق لسليمان بن داود، ولذي القرنين، وأبي بكر، وعمر ومن كان على مثالهم ممن بسط له فلم يبغ، وإذا انفرد الكافر وقع عليه اسم البغي في قوله لقارون: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] ونمرود بن كنعان حين آتاه اللَّه الملك فحاج في ربه، وفرعون حين قال موسى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٨٨] فلما اجتمعوا في الاسم الواحد فجرى عليهم اسم البغي كان الكفار أولى به كما أن المؤمن أولى بالمدح.
[ ٣ / ٥٧٨ ]
فلما قال اللَّه تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فجمع بين ذكرين: ذكر اللَّه وذكر نبيه، فأما ذكر اللَّه إذا انفرد لم يجر عليه اسم الحدث ألم تسمع إلى قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾؟ ! وإذا انفرد ذكر النبي -ﷺ- فإنه جرى عليه اسم الحدث ألم تسمع إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦] فذكر النبي -ﷺ- له عمل واللَّه له خالق محدث، والدلالة على أنه جمع بين ذكرين، لقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ فأوقع عليه الحدث عند إتيانه إيانا وأنت تعلم أنه لا يأتينا بالأنبياء إلا مبلغ ومذكر، وقال اللَّه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ [الأعلى: ٩] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١] فلما اجتمعوا في اسم الذكر جرى عليهم اسم الحدث، وذكر النبي إذا انفرد وقع عليه اسم الخلق، وكان أولى بالحدث من ذكر اللَّه الذي إذا انفرد لم يقع عليه اسم خلق ولا حدث.
فوجدنا دلالة من قول اللَّه ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ إلى النبي -ﷺ-؛ لأن النبي -ﷺ- كان لا يعلم فعلمه اللَّه، فلما علمه اللَّه؛ كان ذلك محدثًا إلى النبي -ﷺ-.
ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر فقال: إنا وجدنا آية في كتاب اللَّه تدل على أن القرآن مخلوق.
فقلنا: أي آية؟ فقال: قول اللَّه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١] وعيسى مخلوق.
فقلنا: إن اللَّه منعك الفهم في القرآن، عيسى تجري عليه ألفاظ لا تجري على القرآن؛ لأنه يسميه مولودًا وطفلًا وصبيًا وغلامًا يأكل ويشرب، وهو مخاطب بالأمر والنهي يجري عليه اسم الخطاب والوعد
[ ٣ / ٥٧٩ ]
والوعيد، ثم هو من ذرية نوح ومن ذرية إبراهيم، ولا يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى، هل سمعتم اللَّه يقول في القرآن ما قال في عيسى؟ ! ولكن المعنى من قول اللَّه جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: ﴿كُنْ﴾ وفكان عيسى بـ ﴿كُنْ﴾ وليس عيسى هو الكن؛ ولكن بالكن كان، فالكن من اللَّه قول وليس الكن مخلوقا.
وكذب النصارى والجهمية على اللَّه في أمر عيسى، وذلك أن الجهمية قالوا: عيسى روح اللَّه وكلمته؛ لأن الكلمة مخلوقة، وقالت النصارى: عيسى روح اللَّه من ذات اللَّه وكلمته من ذات اللَّه، كما يقال: إن هذِه الخرقة من هذا الثوب.
وقلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان، وليس عيسى هو الكلمة، وأما قول اللَّه: ﴿وَرُوحٌ منْه﴾ يقول من أمره كان الروح فيه كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. يقول: من أمره. وتفسير روح اللَّه إنما معناها أنها روح بكلمة اللَّه خلقها اللَّه، كما يقال: عبد اللَّه، وسماء اللَّه، وأرض اللَّه.
ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر فقال: إن اللَّه يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٩] فزعم أن القرآن لا يخلو أن يكون في السماوات أو في الأرض أو فيما بينهما فشبه على الناس ولبس عليهم.
فقلنا له: أليس إنما أوقع اللَّه جل ثناؤه الخلق والمخلوق على ما في السموات والأرض وما بينهما؟ فقالوا: نعم.
فقلنا: هل فوق السموات شيء مخلوق؟ قالوا: نعم.
فقلنا: فإنه لم يجعل ما فوق السموات مع الأشياء المخلوقة، وقد
[ ٣ / ٥٨٠ ]
عرف أهل العلم أن فوق السموات السبع الكرسي والعرش واللوح المحفوظ والحجب وأشياء كثيرة لم يسمها ولم يجعلها مع الأشياء المخلوقة، وإنما وقع الخبر من اللَّه على السموات والأرض وما بينهما.
قلنا: فيما ادعوا أن القرآن لا يخلو أن يكون في السموات أو في الأرض أو فيما بينهما، فقلنا: اللَّه ﵎ يقول: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الروم: ٨] فالذي خلق به السموات والأرض قد كان قبل السموات والأرض، والحق الذي خلق به السموات والأرض هو قوله؛ لأن اللَّه يقول الحق، وقال: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)﴾ [ص: ٨٤] ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣] فالحق الذي خلق به السموات والأرض قد كان قبل السموات والأرض، والحق قوله، وليس قوله مخلوقًا.
"الرد على الجهمية والزنادقة" للإمام أحمد ص ١١٤ - ١٢٦
قال الإمام أحمد: فقالوا: جاء الحديث: "إن القُرْآن يجيء في صورة الشاب الشَّاحِبِ فيأتي صِاحبَه فيقول: هل تعرفني؟ . . فيقول له: من أنت؟ . . فيقول: أَنَا القرآن أَظْمَأْتُ نهارك وأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ" (١).
قال: "فيأتي به اللَّه، فيقول: يا رب. . " (٢).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٥/ ٣٤٨، وابن ماجه (٣٧٨١) - مختصرًا، والدارمي (٣٤٣٤)، والحاكم ١/ ٥٥٦، والبغوي في "شرح السنة" ٤/ ٤٥٣ (١١٩٠) وقال: حسن غريب. وقال ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٢٤٢: هذا إسناد حسن على شرط مسلم. وقال الهيثمي في "المجمع" ٧/ ١٥٩: رجاله رجال الصحيح. وقال البوصيري في "زوائد ابن ماجه" (١٢٥٥): هذا إسناد رجاله ثقات.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٣٠ (٣٠٠٣٨)، والبيهقي في "الشعب" ٢/ ٣٤٥ (١٩٩١)، من حديث أبى هريرة
[ ٣ / ٥٨١ ]
فادعوا أن القرآن مخلوق من قبل هذِه الأحاديث، فقلنا لهم: القرآن لا يجيء إلا بمعنى أنه قد جاء من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فله كذا وكذا، ألا ترون أن من قرأ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يجئه إلا بثواب؛ لأنا نقرأ القرآن فيقول: يا رب؛ لأن كلام اللَّه لا يجيء ولا يتغير من حال إلى حال، وإنما معنى أن القرآن يجيء إنما يجيء ثواب القرآن، فيقول: يا رب.
"الرد على الجهمية والزنادقة" للإمام أحمد ص ١٤٥
قال صالح: وجَّه المتوكل إلى أبي إسحاق بن إبراهيم يأمره بحمل أبي إلى المعسكر. قال: فوجَّه إسحاق إلى أبي فقال: إن أمير المؤمنين قد كتب إليَّ يأمرني بإشخاصك إليه فتأهب لذلك.
قال أبي: فقال لي إسحاق بن إبراهيم: اجعلني في حل، فقلت: قد جعلتك وكل من حضر في حل.
قال أبي: فقال لي إسحاق: أسألك عن القرآن مسألة مسترشد لا مسألة امتحان، وليكن ذلك عندك مستورًا، ما تقول في القرآن؟ .
قال أبي: فقلت: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق.
قال: فقل لي: من أين قلت غير مخلوق؟ قال أبي: فقلت له: قال اللَّه ﵎: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ففرق بين الخلق والأمر.
فقال إسحاق: الأمر مخلوق؟ فقال أبي: فقلت له: يا إسحاق، إن اللَّه يخلق خلقًا (١). فقال أبي: فقال لي: وعمن تحكي أنه ليس بمخلوق؟
_________________
(١) كذا في المطبوع من "السيرة"، وعند ابن الجوزي في "المناقب" ص ٤٤١، والذهبي في "السير" ١١/ ٢٦٦: فقال: يا سبحان اللَّه! أمخلوق يخلق خلقَا؟ ! قال الذهبي معلقًا: يعني: إنما خلق الكائنات بأمره، وهو قوله ﴿كُن﴾.
[ ٣ / ٥٨٢ ]
فقلت: جعفر بن محمد قال: ليس بخالق ولا مخلوق. قال: فسكت.
"سيرة الإمام أحمد" لابنه صالح ص ٨٣ - ٨٤
قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه يقِول: كان فيما احتججت عليهم يومئذ قلت:
قال اللَّه: ﴿أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمرُ﴾ ففرق بين الخلق والأمر، وذلك أنهم قالوا لي: أليس كل ما دون اللَّه مخلوق؟
قلت لهم: ما دون اللَّه مخلوق، فأما القرآن فكلامه وليس بمخلوق، فقال لي شعيب: قال اللَّه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا﴾ [الزخرف: ٣] أفليس كل مجعول مخلوقًا؟
قلت: فقد قال اللَّه: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨] خلقهم؟ ! ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ٥] فخلقهم؟ ! أفكل مجعول مخلوق؟ ! كيف يكون مخلوقًا وقد كان قبل أن يخلقه؟ . قال: فأمسك.
وقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
فقلت لهم حينئذ: الخلق غير الأمر؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] فأمره وكلامه واستطاعته ليس بمخلوق، فلا تضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض، قد نهينا عن هذا.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ص ٣٠، ٣١ (٢٢١)
وقال أبو عمر عثمان بن عمر الدراج: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد ابن هارون الخلال، قال: كتب إلي أحمد بن الحسين الوراق من الموصل، قال: حدثنا بكر بن محمد بن الحكم، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه قال: سألته عما احتج به حين دخل على هؤلاء؟ فقال: احتجوا علي بهذِه الآية: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] أي: أن القرآن حث، فاحتججت عليهم بهذه الآية: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص: ١] قلت:
[ ٣ / ٥٨٣ ]
فهو سماه الذكر، وقلت: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فهذا يمكن أن يكون غير القرآن محدث، ولكن ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فهو القرآن ليس هو محدثا، قال: فبهذا احتججت عليهم.
واحتجوا عليَّ: ما خلق اللَّه من سماء ولا أرض ولا كذا أعظم من آية الكرسي (١).
قال: فقلت له: إنه لم يجعل اية الكرسي مخلوقة، إنما هذا مثل ضربه -أي: هي أعظم من أن تخلق، ولو كانت مخلوقة لكانت السماء أعظم منها- أي: فليست بمخلوقة.
قال: واحتجوا علي بقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦].
فقلت: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]؛ فخلق من القرآن زوجين؟ ! ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فأوتيت القرآن؟ ! فأوتيت النبوة؟ أوتيت كذا وكذا؟ !
وقال اللَّه تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]؛ فدمرت كل شيء؟ ! إنما دمرت ما أراد اللَّه من شيء.
قال: وقال لي ابن أبي دؤاد: أين تجد أن القرآن كلام اللَّه؟
قلت: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ [الكهف: ٢٧]
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٨٨٤) عن سفيان بن عيينة أنه قال في تفسير قول ابن مسعود هذا: لأن آية الكرسي هو كلام اللَّه، وكلام اللَّه أعظم من خلق السماء والأرض. ورواه ابن الضريسي في "فضائل القرآن" (١٨٧)، وأبو عبيد في "فضائل القرآن " ٢٣٠، والطبراني ٩/ ١٣٣ (٨٦٥٩) من طريق الشعبي، عن شتير بن شكل ومسروق، عن ابن مسعود، قال الهيثمي في "المجمع" ٦/ ٣٢٣: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
[ ٣ / ٥٨٤ ]
فسكت.
وقلت له بين يدي الرئيس، وجرى كلام بيني وبينه، فقلت له: اجتمعت أنا وأنت أنه كلام، وقلت: إنه مخلوق. فهاتوا الحجة من كتاب اللَّه أو من السنة. فما أنكر ابن أبي دؤاد ولا أصحابه أنه كلام.
قال: وكانوا يكرهون أن يظهروا أنه ليس بكلام فيشنع عليهم.
قال حمزة بن القاسم: حدثنا حنبل قال: قال أبو عبد اللَّه: وكان إذا كلمني ابن أبي دؤاد لم أجبه ولم ألتفت إلى كلامه، فإذا كلمني أبو إسحاق ألنت له القول والكلام.
قال: فقال لي أبو إسحاق: لئن أجبتني لآتينك في حشمي وموالي، ولأطأن بساطك، ولأنوهن باسمك، يا أحمد اتق اللَّه في نفسك، يا أحمد! اللَّه اللَّه.
قال أبو عبد اللَّه: وكان لا يعلم ولا يعرف، ويظن أن القول قولهم، فيقول: يا أحمد! إني عليك شفيق.
فقلت: يا أمير المؤمنين! هذا القرآن وأحاديث رسول اللَّه -ﷺ- وأخباره، فما وضح من حجة صرت إليها.
قال: فيتكلم هذا وهذا.
قال: فقال ابن أبي دؤاد لما انقطع وانقطع أصحابه: والذي لا إله إلا هو لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة ألف ومائة ألف عددًا مرارًا كثيرة. قال أبو عبد اللَّه: وكان فيما احتججت عليهم يومئذ قلت لهم: قال اللَّه ﷿: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وذلك أنهم قالوا لي: أليس كل ما دون اللَّه مخلوق؟ فقلت لهم: فرق بين الخلق والأمر، فما دون اللَّه مخلوق، فأما القرآن فكلامه ليس بمخلوق.
[ ٣ / ٥٨٥ ]
فقال: قال اللَّه ﷿: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠].
فقلت لهم: قال اللَّه تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]؛ فأمره كلامه واستطاعته ليس بمخلوق، فلا تضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض، فقد نهينا عن ذلك.
قال حنبل: وقال أبو عبد اللَّه: واحتججت عليهم، فقلت: زعمتم أن الأخبار تردونها باختلاف أسانيدها، وما يدخلها من الوهم والضعف، فهذا القرآن نحن وأنتم مجمعون عليه، وليس بين أهل القبلة فيه خلاف، وهو الإجماع.
قال اللَّه ﷿ في كتابه تصديقا منه لقول إبراهيم غير دافع لمقالته ولا لما حكي عنه فقال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ [مريم: ٤٢]، فذم إبراهيم أباه أن عبد ما لا يسمع ولا يبصر، فهذا منكر عندكم؟ ! فقالوا: شبه شبه يا أمير المؤمنين.
فقلت: أليس هذا القرآن؟ هذا منكر عندكم مدفوع؟ ! وهذه قصة موسى، قال اللَّه لموسى في كتابه حكاية عن نفسه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ [النساء: ١٦٤] فأثبت اللَّه الكلام لموسى كرامة منه لموسى ثم قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] فتنكرون هذا؟ ! فيجوز أن تكون هذه الياء راجعة ترد على غير اللَّه؟ ! أو يكون مخلوقًا يدعي الربوبية؟ ! وهل يجوز أن يقول هذا غير اللَّه؟ ! وقال له: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢]. فهذا كتاب اللَّه يا أمير المؤمنين، فيجوز أن يقول لموسى: أنا ربك مخلوق؟ ! وموسى كان يعبد مخلوقًا؟ ! ومضى إلى فرعون برسالة مخلوق يا أمير المؤمنين؟ !
[ ٣ / ٥٨٦ ]
قال: فأمسكوا، وأداروا بينهم كلامًا لم أفهمه.
قال أبو عبد اللَّه: والقوم يدفعون هذا وينكرونه، ما رأيت أحدا طلب الكلام واشتهاه إلا أخرجه إلى أمر عظيم، لقد تكلموا بكلام واحتجوا بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطق لساني أن أحكيه، والقوم يرجعون إلى التعطيل في أقاويلهم، وينكرون الرؤية والآثار كلها، ما ظننت أنه هكذا حتى سمعت مقالاتهم.
قال أبو عبد اللَّه: قيل لي يومئذ: كان اللَّه ولا قرآن.
فقلت له: كان اللَّه ولا علم؟ ! فأمسك، ولو زعم (غير) (١) ذلك أن اللَّه كان ولا علم لكفر باللَّه.
قال أبو عبد اللَّه: وقلت له يعني: لابن الحجام: يا ويلك، لا يعلم حتى يكون، فعلمه وعلمك واحد! كفرت باللَّه عالم السر وأخفى، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، ويلك، يكون علمه مثل علمك، تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ !
قال أبو عبد اللَّه: فهذه أليست مقالته؟
قال أبو عبد اللَّه: وهذا هو الكفر باللَّه، ما ظننت أن القوم هكذا، لقد جعل برغوث (٢) يقول يومئذ: الجسم وكذا. .، وكلام لا أفهمه.
فقلت: لا أعرف ولا أدري ما هذا، إلا أنني أعلم أنه أحد صمد، لا شبه له ولا عدل، وهو كما وصف نفسه. فيسكت عني.
_________________
(١) كذا في "الإبانة"، وأرى أن السياق لا يقتضيها، واللَّه أعلم.
(٢) هو محمد بن عيسى، من رؤوس البدع، كان على مذهب النجار في أكثر مذاهبه، وإليه تنتسب الفرقة البرغوثية.
[ ٣ / ٥٨٧ ]
قال: فقال لي شعيب: قال اللَّه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]؛ أفليس كل مجعول مخلوقًا؟
قلت: فقد قال اللَّه: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]؛ أفخلقهم؟ ! ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ٥] أفخلقهم؟ ! أفكل مجعول مخلوق؟ ! كيف يكون مخلوقًا وقد كان قبل أن يخلق الجعل؟ قال: فأمسك.
قال أبو عمرو، عثمان بن عمر: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون، قال: أخبرني علي بن أحمد أبو غالب، قال: حدثني محمد بن يوسف المروزي -المعروف بابن سرية- قال: دخلت على أبي عبد اللَّه والجبائر على ظهره، قال لي: يا أبا جعفر، أشاط القوم بدمي، فقالوا له؟ يعني: المعتصم: يا أمير المؤمنين، سله عن القرآن، أشيء هو أو غير شيء؟ قال: فقال لي المعتصم: يا أحمد، أجبهم.
قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين! إن هؤلاء لا علم لهم بالقرآن، ولا بالناسخ والمنسوخ، ولا بالعام والخاص، قد قال اللَّه ﷿ في قصة موسى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]؛ فما كتب له القرآن. وقال في قصة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وما أوتيت القرآن. فأخرسوا.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٥٠ - ٢٥٨ (٤٣١ - ٤٣٣)
وقال أبو عمرو، عثمان بن عمر: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: سمعت هرثمة بن خالد -قرابة إسحاق بن داود- وكنا جميعا أنا وإسحاق، قال: قال أحمد بن حنبل: قال لي ابن أبي دؤاد -وهم يناظروني- وقد كنت قلت لهم: أوجدوني ما تقولون في كتاب اللَّه أو في سنة رسول اللَّه: أوجدني
[ ٣ / ٥٨٨ ]
أنت يا ابن حنبل في علمك أن هذا البساط الذي نحن عليه مخلوق؟
قال: قلت: نعم، قال اللَّه ﷿: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل: ٨٠] قال: فكأني ألقمته حجرًا.
حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الشيرجي الخصيب، قال: حدثنا أبو بكر، [أحمد بن] محمد بن الحجاج المروذي، قال: قال لي أبو عبد اللَّه: مكثت ثلاثة أيام يناظرونني. قلت: فكان يدخل إليك بالطعام؟ قال: لا. قلت: فكنت تأكل شيئا؟ قال: مكثت يومين لا أطعم، ومكثت يومين لا أشرب، ومكثت ثلاثة أيام يناظرونني بين يديه -يعني: الرأس أبا إسحاق- وقد جمعوا عليّ نحوا من خمسين بصريًّا وغير ذلك -يعني من المناظرين- وفيهم الشافعي الأعمى.
فقلت له: كلهم يناظرونك بالليل؟ قال: نعم، كل ليلة، وكان فيهم الغلام غسان -يعني: قاضي الكوفة- وقال: إنما كان الأمر أمر ابن أبي دؤاد.
قلت له: كانوا كلهم يكلمونك؟ قال: نعم، هذا يتكلم من هاهنا، وهذا يحتج من هاهنا، وهذا يتأول على آية، وعجيف عن يمينه، وإسحاق عن يساره قائم، ونحن بين يديه -يعني: أبا إسحاق- فسألني غير مرة، فقلت: أوجدني في كتاب أو سنة.
فقال لي إسحاق وعجيف: وأنت لا تقول إلا ما كان في كتاب أو سنة؟
قلت لهم: ناظروني في الفقه أو في العلم.
فقال عجيف: أنت وحدك تريد أن تغلب هؤلاء الخلق كلهم. ولزني بقائمة سيفه، وأشار أبو عبد اللَّه إلى عنقه يريني بيده هكذا، ثم قال إسحاق بن إبراهيم: وأنت لا تقول إلا ما كان في كتاب أو سنة. ولكزني بقائمة سيفه -وأومأ أبو عبد اللَّه إلى حلقه.
[ ٣ / ٥٨٩ ]
قلت: فكان أبو إسحاق يتكلم؟
قال: لا، إلا ساكت، إنما كان الأمر أمر ابن أبي دؤاد.
ثم قال أبو عبد اللَّه: لم يكن فيهم أحد أرق علي من أبي إسحاق مع أنه لم يكن فيهم رشيد.
قال: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: لما قلت: لا أتكلم إلا ما كان في كتاب أو سنة، احتج الأعمى الشافعي بحديث عمران بن حصين: "خلق اللَّه الذكر" (١). قال: فقلت له: هذا خطأ، رواه الثوري وأبو معاوية، وإنما وهم فيه محمد بن عبيد، وقد نهيته أن يحدث به.
قال: فقال أبو إسحاق: أراه فقيهًا.
وقال أبو عمرو، عثمان بن عمر: حدثنا أحمد بن محمد بن هارون، قال: وكتب إلي أحمد بن الحسين الوراق من الموصل، قال: حدثنا بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه قال: واجتمع علي خلق من الخلق، وأنا بينهم مثل الأسير، وتلك القيود قد أثقلتني، قال: وكان يلغطون ويضحكون، وكل واحد منهم ينزع آية، وآخر يجيء بحديث، قال: والرئيس يسكتهم.
قال: فكان هذا يقول شيئًا، وهذا يقول شيئًا، وهذا يقول شيئًا، فقال لي واحد منهم: أليس يروى عن أبي السليل، عن عبد اللَّه بن رباح، عن أُبيِّ
_________________
(١) بهذا اللفظ رواه الطبراني ١٨/ ٢٠٣ (٤٩٩) وقال: هذا الحرف كان محمد بن عبيد يخطئ فيه وينهاه أحمد بن حنبل أن يحدث له. وروى الإمام أحمد ٤/ ٤٣١ - ٤٣٢، والبخاري (٣١٩١) من طريق أبي معاوية بلفظ: ". . . وكتب في الذكر كل شيء". ورواه البخاري (٣١٩٠) من طريق سفيان.
[ ٣ / ٥٩٠ ]
[ابن] كعب (١)؟ فقلت: وأنت ما يدريك من أبو السليل؟ ومن عبد اللَّه بن رباح؟ وما لك ولهذا؟ قال: فسكت.
وقال لي آخر: "ما خلق اللَّه من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي"، فقلت: إنما هذا مَثَل. فسكت.
واحتج علي آخر بحديث الطنافسي عن الأعمش، عن جامع حديث عمران بن حصين: "إن اللَّه خلق الذكر"؟ فقلت: هذا وهم فيه -يعني: الطنافسي- وأبو معاوية يقول: "كتب اللَّه الذكر".
قال: وكنت أصيح عليهم، وأرفع صوتي، وكان أهون علي من كذا وكذا، ذهب اللَّه بالرعب من قلبي، حتى لم أكن أبالي بهم ولا أهابهم، فلما يئسوا مني واجتمعوا علي، قال لي عبد الرحمن: ما رأيت مثلك قط، من صنع ما صنعت؟ ! قلت له: القرآن، قد اجتمعت أنا وأنتم على أنه كلام اللَّه، وزعمتم أنه مخلوق، فهاتوه من كتاب أو سنة، فقال لي ابن أبي دؤاد: وأنت تجد في كل شيء كتابًا وسنة؟
فلما أيس مني قال: خذوه، وأدخل الأتراك أيديهم في أقيادي فجروني إلى موضع بعيد، وذكر قصة الضرب.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٥٨ - ٢٦٢ (٤٣٦ - ٤٣٨)
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٥/ ١٤١ - ١٤٢، ومسلم (٨١٠)، ولفظه: قال رسول اللَّه -ﷺ- "يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب اللَّه أعظم؟ " قال: قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب اللَّه معك أعظم؟ " قال: قلت: اللَّه لا إله إلا هو الحي القيوم قال: فضرب في صدري وقال: "واللَّه ليهنك العلم أبا المنذر". هذا لفظ مسلم، وزاد الإمام أحمد: "والذي نفسي بيده إن لها لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش". قال الهيثمي ٦/ ٣٢١: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
[ ٣ / ٥٩١ ]
قال زرقان بن محمد سمعت أبا داود السجستاني يقول: لما جيء بعبد اللَّه بن عبد اللَّه الخراساني، وأحضر للمحنة، وأحمد بن حنبل محبوس،
قال الخراساني: هذا الذي تدعوني إليه، اعرضوه علي.
قال: تقول: القرآن مخلوق؟
قال: هذا الذي تدعون إليه، علمه اللَّه ورسوله وجميع المؤمنين؟
قالوا: نعم. قال: فوسعهم السكوت عنه؟
فأطرق المعتصم مليًّا، ثم رفع رأسه فقال: نعم.
قال: فما وسعكم ما وسع القوم؟ !
قال: فقال المعتصم: أخلوا لي بيتًا، فأخلي له بيت، فطرح نفسه فيه على قفاه، ورفع رجليه مع الحائط وهو يقول: علمه اللَّه، وعلمه رسوله، والمؤمنون، ووسعهم السكوت عنه، وسعنا ما وسع القوم، صدق الخراساني، ما زال يقول ذلك ويردده يومه وليلته، لا يجد فيه حجة.
فلما كان من الغد أمر بإحضار الجماعة ثم جلس على كرسيه وأحضر القوم، فبدأ الخراساني فأسكتهم وقطع حجتهم، فقال المعتصم: خلوا عن الخراساني.
فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، إن هذا متى يخرج على هذه السبيل يفتن العامة، ويقول: غلبت أمير المؤمنين وغلبت قضاته وشيوخه وعلماءه، وقهرته وأدحضت حجته، فقال: صدقت يا أحمد، ثم قال: جروا برجله. فجروا برجله على وجهه إلى البيت الذي فيه أحمد بن حنبل، فتعلقت الرزة بغلصمته، فقال: اجذبوه. فانقطع رأسه.
قال أحمد بن حنبل: فسمعت اللسان يقول في الرأس: غير مخلوق ثلاث مرات، ثم سكت.
[ ٣ / ٥٩٢ ]
قال أحمد: فكان ذلك مما بصرني في أمري، وشجع به قلبي.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣ (٤٥٥)
قال سلامة بن جعفر الرملي: حدثنا العباس بن مشكويه الهمذاني، قال: أدخلت على الخليفة المتكنى بالواثق أنا وجماعة من أهل العلم، فأقبل بالمسألة علي من بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين إني رجل مروع ولا عهد لي بكلام الخلفاء من قبلك.
فقال: لا تروع ولا بأس عليك، ما تقول في القرآن؟ فقلت: كلام اللَّه غير مخلوق، فقال: أشهد لتقولن مخلوقًا أو لأضربن عنقك.
قال: فقلت: إنك إن تضرب عنقي فإنك في موضع ذلك إن جرت به المقادير من عند اللَّه، فتثبت علي يا أمير المؤمنين، فإما أن أكون عالمًا فتثبت حجتي، وإما أن أكون جاهلًا فيجب عليك أن تعلمني؛ لأنك أمير المؤمنين وخليفة اللَّه في أرضه، وابن عم نبيه.
فقال: أما تقرأ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٢]. قلت: يا أمير المؤمنين! الكلية في كتاب اللَّه خاص أم عام؟ قال: عام. قلت: لا، بل خاص، قال اللَّه ﷿: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فهل أوتيت ملك سليمان ﵇؟
فحذفني بعمود كان بين يديه، ثم قال: أخرجوه فاضربوا عنقه. فأخرجت إلى قبة قريبة منه، فشد عليها كتافي، فناديت: يا أمير المؤمنين، إنك ضارب عنقي وأنا متقدمك، فاستعد للمسألة جوابًا.
فقال: أخرجوا الزنديق وضعوه في أضيق المحابس.
فأخرجت إلى دار العامة، فإذا أنا بابن أبي دؤاد يناظر الناس على خلق القرآن، فلما نظر إلي قال: يا خرمي!
[ ٣ / ٥٩٣ ]
قلت: أنت والذين معك، وهم شيعة الدجال.
فحبسني في سجن ببغداد يقال له: المطبق، فأرسل إلي جماعة من العلماء رقعة يشجعونني ويثبتونني على ما أنا عليه، فقرأت ما فيها، فإذا فيها:
عليك بالعلم واهجر كل مبتاع وكل غاوٍ إلى الأهواء ميالِ
ولا تميلن يا هذا إلى بدع يضل أصحابها بالقيل والقالِ
إن القرآن كللام اللَّه أنزله ليس القرآن بمخلوق ولا بالِ
لو أنه كان مخلوقا لصيره ريب الزمان إلى موت وإبطال
وكيف يبطل ما لا شيء يبطله؟ أم كيف يبلى كلام الخالق العالي
وهل يضيف كلام اللَّه من أحدٍ إلى البلى غير ضلال وجهالِ
فلا تقل بالذي قالوا وإن سفهوا وأوثقوك بأقياد وأغلالِ
ألم ترى العالم الصبار حيث بلي بالسوط هل حالٍ عن حالِ إلى حالِ
فاصبر على كل ما يأتي الزمان به فالصبر سرباله من خير سربالِ
[ ٣ / ٥٩٤ ]
يا صاحب السجن فكر فيم تحسبه أقاتل هو أم عون لقتالِ
أم هل أتيت به رأسا لرافضة يرى الخروج لهم جهلًا على الوالي؟
أم هل أصيب على خمرٍ ومعزفةٍ يصرف الكأس فيها كل ضلالِ؟
ما هكذا هو بل لكنه ورع عف عفيف عن الأعراض والمالِ
ثم ذكرني بعد أيام وأخرجني من السجن، وأوقفني بين يديه، وقال: عساك مقيمًا على الكلام الذي كنت سمعته منك؟
فقلت: واللَّه يا أمير المؤمنين إني لأدعو ربي ﵎ في ليلي ونهاري ألا يميتني إلا على ما كنت سمعته مني.
قال: أراك متمسكًا! قلت: ليس هو شيء قلته من تلقاء نفسي، ولكنه شيء لقيت فيه العلماء بمكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام والثغور، فرأيتهم على السنة والجماعة.
فقال لي: وما السنة والجماعة؟ قلتُ: سألت عنها العلماء، فكل يخبر ويقول: إن صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة أن يقول العبد مخلصًا: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرار بما جاءت الأنبياء والرسل، ويشهد العبد على ما ظهر من لسانه وعقد عليه قلبه، والإيمان بالقدر خيره وشره من اللَّه، ويعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، والإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن اللَّه ﷿ قد علم من خلقه ما هم فاعلون،
[ ٣ / ٥٩٥ ]
وما هم إليه صائرون، فريق في الجنة وفريق في السعير، وصلاة الجمعة والعيدين خلف كل إمام بر وفاجر، وصلاة المكتوبة من غير أن تقدم وقتًا أو تؤخر وقتًا، وأن نشهد للعشرة الذين شهد لهم رسول اللَّه -ﷺ- من قريش بالجنة، والحب والبغض للَّه وفي اللَّه، وإيقاع الطلاق إذا جرى كلمة واحدة، والمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة، والتقصير في السفر إذا سافر ستة عشر فرسخا بالهاشمي -ثمانية وأربعين ميلًا- وتقديم الإفطار وتأخير السحور، وتركيب اليمين على الشمال في الصلاة، والجهر بآمين، وإخفاء بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وأن تقول بلسانك. وتعلم يقينا بقلبك أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان اللَّه عليهم، والكف عما شجر بين أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، والإيمان بالبعث والنشور، وعذاب القبر، ومنكر ونكير، والصراط، والميزان، وأن اللَّه ﷿، يخرج أهل الكبائر من هذه الأمة من النار، وأنه لا يخلد فيها إلا مشرك، وأن أهل الجنة يرون اللَّه بأبصارهم، وأن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. قال: فلما سمع هذا مني أمر بي فقلع لي أربعة أضراس، وقال: أخرجوه عني لا يفسد علي ما أنا فيه.
فأخرجت فلقيت أبا عبد اللَّه -أحمد بن حنبل- فسألني عما جرى بيني وبين الخليفة فأخبرته، فقال: لا نسي اللَّه لك هذا المقام حين تقف بين يديه، ثم قال: ينبغي أن نكتب هذا على أبواب مساجدنا، ونعلمه أهلنا وأولادنا، ثم التفت إلى ابنه صالح فقال: اكتب هذا الحديث، واجعله في رق أبيض واحتفظ به، واعلم أنه من خير حديث كتبته إذا لقيت اللَّه
[ ٣ / ٥٩٦ ]
يوم القيامة تلقاه على السنة والجماعة.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٨ (٤٥٦)
قال أبو عمر حمزة بن القاسم بن عبد العزيز الهاشمي الخطيب، كان في جامع منصور: حدثنا أبو علي -حنبل بن إسحاق بن حنبل- قال: حضرت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين عند عفان، وكان أول ما امتحن عفان، وسأله يحيى بعدما امتحن من الغد، فقال له: يا أبا عثمان، أخبرنا بما كلمك به إسحاق، وما كان مرده عليك؟
فقال: يا أبا زكريا، لم أسود وجهك ولا وجوه أصحابك -يعني بذلك: أني لم أجب.
فقال له: كيف كان؟ قال: قرأ علي الكتاب الذي كتب به المأمون من أرض الجزيرة من الرقة، فإذا فيه: امتحن عفان وادعه إلى أن يقول: القرآن -يعني: مخلوق- فإن أجاب فأقره على أمره، وإن لم يجبك إلى ما كتبت به فاقطع عنه الذي تجري عليه.
قال عفان فلما قرأ علي قال لي إسحاق: ما تقول؟
قرأت عليه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١].
فقال لي إسحاق: يا شيخ، إن أمير المؤمنين يقول: إنك إن لم تجبه إلى ما يدعوك إليه يقطع عنك ما يجري عليك، وإن قطع عنك أمير المؤمنين قطعنا نحن أيضًا.
فقال: قال عفان: فقلت له: فقول اللَّه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢] قال: فسكت عني، وانصرفت، فسر أبو عبد اللَّه بذلك ويحيى وأصحابهم.
قال حنبل: فسمعت أبا عبد اللَّه بعد ذلك يقول: سبحان اللَّه! كان
[ ٣ / ٥٩٧ ]
الناس يتكلمون -يعني: في هذين الشيخين- ويذكرونهما، وكنا من الناس في أمرهما ما اللَّه به عليم، قاما للَّه بأمر لم يقم به أحد مثل ما قاما به: عفان وأبو نعيم.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤ (٤٦٣)
نقل حنبل عن أحمد في كتاب "المحنة" أنه قال ذلك في المناظرة لهم يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله: "تجيء البقرة وآل عمران" (١) قالوا: والمجيء لا يكون إلا لمخلوق، فعارضهم أحمد بقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ (٢) [الأنعام: ١٥٨].
"إبطال التأويلات" ٢/ ٣٩٦.
[باقي أبواب الرد على الجهمية في المجلد التالي]
_________________
(١) رواه الإمام أحمد ٥/ ٢٤٩، ومسلم (٨٠٤) من حديث أبي أمامة بلفظ "اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان".
(٢) ذكره ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ١٦/ ٤٠٤ - ٤٠٥.
[ ٣ / ٥٩٨ ]
مدونة الحنابلة (١)
الجامع لعلوم الإمام أحمد
تأليف
خالد الرباط - سيد عزت عيد - محمد أحمد عبد التواب
(بمشاركة الباحثين بدار الفلاح)
«قسم العقيدة ٢»
[المجلد الرابع]
[ ٤ / ٥٩٦ ]
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة لدار الْفَلاح وَلَا يجوز نشر هَذَا الْكتاب بِأَيّ صِيغَة أَو تَصْوِيره PDF إِلَّا بِإِذن خطي من صَاحب الدَّار الْأُسْتَاذ/ خَالِد الرِّبَاط
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
رقم الْإِيدَاع بدار الْكتب
١٩١٩٤/ ٢٠٠٩
دَار الْفَلاح للبحث العلمي وَتَحْقِيق التراث
١٨ شَارِع أحمس - حَيّ الجامعة - الفيوم
ت: ٠١٠٠٠٠٥٩٢٠٠
Kh_rbat@hotmail.com
[ ٤ / ٢ ]
الْجَامِعُ لِعُلوْم الإِمَامِ أَحْمد
[ ٤ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٤ / ٤ ]
قسم العقيدة (٢)
١ - تابع: الرد على الجهمية
٢ - الإيمان بنبوة محمد -ﷺ-
٣ - كتاب القدر
٤ - كتاب الفتن وأشراط الساعة
٥ - كتاب الإيمان باليوم الآخر
٦ - كتاب الصحابة
[ ٤ / ٥ ]