وقول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ١.
شرح الكلمات:
أهل الكتاب: هم اليهود.
لا تغلو: الغلو المراد به هنا تجاوز الحد في التعظيم في القول والاعتقاد.
ولا تقولوا على الله إلا الحق: لا تصفوه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسله. المسيح: سمي بهذا الاسم؛ لأنه يمسح على ذوي العاهات فيبرءون بإذن الله.
كلمته: أي أنه خلقه بكلمة كن.
وروح منه: من الأرواح التي خلقها الله.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ١٧١.
[ ١٧٢ ]
فآمنوا بالله: أي صدقوا بأنه واحد لا والد له ولا ولد سبحانه.
رسله: بأنهم صادقون مبلغون عن الله، ولا تكذبوهم ولا ترفعوهم فوق منزلتهم.
ولا تقولوا ثلاثة: أي لا تقولوا: إن الآلهة ثلاثة، والمراد بالثلاثة هنا: الله، مريم، المسيح.
انتهوا خيرا لكم: انتهوا عن التثليث.
سبحانه أن يكون له ولد: أي تنزه عن اتخاذ الولد.
الشرح الإجمالي:
ينهى الله -﷾- في هذه الآية اليهود والنصارى عن الغلو في الدين، ومن ذلك غلو النصارى في عيسى بن مريم حيث رفعوه إلى مرتبة الألوهية، ومغالاة اليهود وتجاوزهم الحد في ذمه حيث اعتبروه ابن بغي، وكذب الله -﷾- كلا من الفريقين حيث وصف عيسى بالرسالة وأنه روح من الأرواح التي خلقها الله، وأن عليهم أن يؤمنوا بالله وحده لا والد له ولا ولد ولا صاحب ولا صاحبة، وأن يصدقوا برسله فلا يكذبوهم ولا ينزلوهم أكثر من منزلتهم، وأن عليهم أن يجتنبوا عقيدة التثليث التي جعلوا الله فيها ثالث ثلاثة، وأن عليهم أن يعلموا ويعتقدوا بأن الله هو المستحق لإفراده بالعبادة، المالك لجميع الكون المهيمن على جميع الخلق.
الفوائد:
١. تحريم الغلو في الدين.
٢. تحريم القول بالرأي في الدين الذي لا يستند إلى دليل.
٣. إثبات نبوة عيسى ورسالته.
[ ١٧٣ ]
٤. في الآية الرد على اليهود والنصارى.
٥. إثبات صفة الكلام لله على الوجه اللائق به سبحانه.
٦. بيان بطلان عقيدة التثليث.
٧. أن التوحيد كله خير.
مناسبة الآية للباب:
حيث دلت الآية على أن سبب خروج أهل الكتاب من دينهم هو غلو النصارى في تعظيم عيسى، وغلو اليهود في ذمه.
مناسبة الآية للتوحيد:
وإنما اعتبر مثل هذا شركا؛ لأن النصارى نزلوا عيسى منزلة الله فعبدوه معه.
المناقشة:
أ. اشرح الكلمات الآتية: أهل الكتاب، لا تغلو، ولا تقولوا على الله إلا الحق، المسيح، كلمته، وروح منه، فآمنوا بالله ورسله، ولا تقولوا ثلاثة، انتهوا خيرا لكم، سبحانه أن يكون له ولد.
ب. اشرح الآية شرحا إجماليا.
ج. استخرج أربع فوائد من الآية مع ذكر المأخذ.
٤. وضح مناسبة الآية لباب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين
هـ. وضح مناسبة الآية للتوحيد.
[ ١٧٤ ]
وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالًا﴾ ١.
شرح الكلمات:
لا تذرن: لا تتركن.
آلهتكم: معبوداتكم.
ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا: قال ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية قال: «هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت» ٢.
وقد أضلوا كثيرا: وقد أضل رؤساؤهم بهذه الأصنام كثيرا من الناس.
ولا تزد الظالمين إلا ضلالا: أي إلا عذابا أو ضياعا.
الشرح الإجمالي:
يخبرنا الله -﷾- في هذه الآية عن حال المشركين، وحرصهم على تلك الأصنام حينما أخذ بعضهم يوصي بعضا بها وبعبادتها، ولا سيما تلك
_________________
(١) ١ سورة نوح آية: ٢٣-٢٤. ٢ قال ابن القيم -﵀-: «قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم» . وانظر متن كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص (٧٦) .
[ ١٧٥ ]
الأصنام الخمسة المسماة هنا، ثم يبين –سبحانه- أنهم بذلك قد أضلوا كثيرا من الناس، واتصفوا بالظلم واستوجبوا العذاب والبعد من الله.
الفوائد:
١. قدم الشرك في الأمم السابقة.
٢. أن هذه الأسماء الخمسة المذكورات من معبودات قوم نوح.
٣. بيان تكاتف وتعاون أهل الباطل على باطلهم.
٤. جواز الدعاء على الكفار على سبيل العموم.
مناسبة الآية للباب:
مناسبة هذه الآية للباب ما ذكره بعض المفسرين من أن هذه الأسماء المذكورة في الآية كانت أسماء رجال صالحين غلا في حبهم قومهم، فلما ماتوا أوحى إليهم الشيطان أن صوروا على صورهم حتى تذكروهم، حتى إذا مات أهل ذلك القرن واندرس العلم عبدهم من جاء بعدهم.
مناسبة الآية للتوحيد:
حيث دلت الآية على أن الغلو في الصالحين شرك؛ وذلك لأن الغلو فيهم صرف شيء من حقوق الله الخاصة به لهم، وذلك إشراك لهم مع الله.
المناقشة:
أ. اشرح الكلمات الآتية: لا تذرن، آلهتكم، ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا، وقد أضلوا كثيرا، ولا تزد الظالمين إلا ضلالا.
[ ١٧٦ ]
ب. اشرح الآية شرحا إجماليا.
ج. استخرج ثلاث فوائد من الآية مع ذكر المأخذ.
د. وضح مناسبة الآية لباب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين.
هـ. وضح مناسبة الآية للتوحيد.
وعن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله". أخرجاه ١.
شرح الكلمات:
لا تطروني: الإطراء هو مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. كما أطرت النصارى ابن مريم: حيث تجاوزوا الحد في تعظيم عيسى وجعلوه ربا يعبد. عبد الله ورسوله: لا ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله فيها، فلا تفرطوا في تعظيمي إنما أنا عبد، ولا تفرطوا في طاعتي وتصديقي إنما أنا رسوله.
الشرح الإجمالي:
ينهى النبي ﷺ في هذا الحديث أمته أن تجاوز الحد في مدحه؛ لئلا يؤدي إلى رفعه فوق منزلته التي أنزله الله بها، ثم يبين ﷺ الصراط السوي، وهو الذي ينبغي أن نصفه به وهي العبودية لله -﵎- والرسالة.
_________________
(١) ١ رواه البخاري (الفتح ٦/ ٣٤٤٥) في أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ . وليس الحديث عند مسلم كما ذكر المصنف -﵀-، وإنما هو عند البخاري فقط.
[ ١٧٧ ]
وذلك يقتضي تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
الفوائد:
١. تحريم الغلو في تعظيم الأنبياء والصالحين.
٢. حرص النبي ﷺ على سد الذرائع.
٣. إثبات غلو النصارى في عيسى.
٤. الرد على من اعتقد في النبي ﷺ أكثر من الرسالة.
مناسبة الحديث للباب:
حيث دل الحديث على أن الغلو في النبي ﷺ وهو أشرف الخلق، يخرج المسلم من دينه كما أخرج النصارى من دينهم غلوهم في عيسى.
مناسبة الحديث للتوحيد:
حيث دل الحديث على أن الغلو في المخلوقين قد يؤدي إلى عبادتهم المنافية للتوحيد.
المناقشة:
أ. اشرح الكلمات الآتية: لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، عبد الله ورسوله.
ب. اشرح الحديث شرحا إجماليا.
ج. استخرج أربع فوائد من الحديث مع ذكر المأخذ.
د. وضح مناسبة الحديث لباب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين.
هـ. وضح مناسبة الحديث للتوحيد.
[ ١٧٨ ]
وقال: قال رسول الله ﷺ: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو"١.
شرح الكلمات:
إياكم: أحذركم.
الغلو: هو تجاوز الحد في المدح والكذب فيه.
فإنما أهلك من كان قبلكم: أي سبب الهلاك في الدنيا والآخرة للأمم السابقة هو الغلو.
الشرح الإجمالي:
ينهانا النبي ﷺ في هذا الحديث عن الغلو في الدين ومجاوزة الحد فيه؛ لئلا نهلك كما هلكت الأمم السابقة حينما غلو في دينهم وتجاوزوا الحد في عبادتهم.
الفوائد:
١. تحريم الغلو في الدين.
٢. أن الغلو سبب للهلاك.
مناسبة الحديث للباب:
حيث دل الحديث على أن سبب هلاك الأمم السابقة هو الغلو.
_________________
(١) ١ رواه أحمد في المسند (١/ ٢١٥، ٣٤٧) . والنسائي (٥/ ٢٦٨) في المناسك، باب التقاط الحصى. وابن ماجة (٣٠٢٩) في المناسك، باب قدر حصى الرمي. وصححه ابن خزيمة والحاكم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاقتضاء (ص ١٠٦): " إسناده صحيح على شرط مسلم ". وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٨٣) .
[ ١٧٩ ]
مناسبة الحديث للتوحيد:
حيث دل الحديث على أن الغلو في الدين أو المخلوقين يخرج الإنسان عن الحدود التي أنزلها الله فيكون متبعا لهواه، وهذا من الشرك المنافي للتوحيد.
المناقشة:
أ. اشرح الكلمات الآتية: إياكم، الغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو.
ب. اشرح الحديث شرحا إجماليا.
ج. استخرج فائدتين من فوائد الحديث مع ذكر المأخذ.
د. وضح مناسبة الحديث لباب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين.
هـ. وضح مناسبة الحديث للتوحيد.
ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون قالها ثلاثا"١.
شرح الكلمات:
هلك: خاب وخسر.
المتنطعون: التنطع هو التعمق في القول أو العمل.
قالها ثلاثا: قالها رسول الله ﷺ ثلاث مرات تأكيدا.
_________________
(١) ١ رواه مسلم رقم (٢٦٧٠) في العلم، باب هلك المتنطعون.
[ ١٨٠ ]
الشرح الإجمالي:
لما كان النبي ﷺ قد بعث بالشريعة السمحاء، حذر من التعمق في الأشياء كلها والتشدق بها، ولا سيما التعمق في أمور الدين التي شرعها الله -﷾-، وبين معالمها وحدد حدودها، ثم أكد هذا التحذير فكرره ثلاث مرات على مسامع الصحابة؛ ليعوه ويفهموه ويحذروا ما يترتب عليه.
الفوائد:
١. تحريم التنطع في الأمور كلها.
٢. استحباب تأكيد الأمر الهام.
٣. سماحة الإسلام ويسره.
مناسبة الحديث للباب:
حيث دل الحديث على أن التنطع في الأمور كلها بما في ذلك تعظيم الصالحين من أسباب الهلاك.
مناسبة الحديث للتوحيد:
كما في الحديث الذي قبل هذا.
المناقشة:
أ. اشرح الكلمات الآتية: هلك، المتنطعون، قالها ثلاثا.
ب. اشرح الحديث شرحا إجماليا.
[ ١٨١ ]
ج. استخرج ثلاث فوائد من الحديث مع ذكر المأخذ.
د. وضح مناسبة الحديث لباب ما جاء أن سبب كفر بني آدم، وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين.
هـ. وضح مناسبة الحديث للتوحيد.
[ ١٨٢ ]