وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ١.
شرح الكلمات:
ولئن سألتهم: وإن سألتهم عما قالوه من الاستهزاء بالدين وثلب المؤمنين.
إنما كنا نخوض ونلعب: يعتذرون بأنهم ما قصدوا الاستهزاء والتكذيب، إنما قصدوا الخوض في الحديث واللعب.
تستهزءون: أي تطعنون بالدين وتسخرون من المؤمنين.
لا تعتذروا: الاعتذار في اللغة: محو أثر الذنب، والمعنى لا تشتغلوا بكثرة الأعذار الباطلة فإنها لا تقبل منكم.
قد كفرتم بعد إيمانكم: أي حصل منكم الكفر بالاستهزاء بعد أن كنتم مؤمنين.
إن نعف عن طائفة منكم: وهم مَنْ أخلص الإيمان وترك النفاق وتاب عنه.
نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين: أي نعذب طائفة بسبب أنهم كانوا مجرمين مصرين على النفاق ولم يتوبوا منه.
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية: ٦٥-٦٦.
[ ٣٨٨ ]
الشرح الإجمالي:
يذكر الله - ﷾ - في هاتين الآيتين طرفا من قصة المنافقين حينما كانوا مندسين في جماعة المسلمين في غزوة تبوك، وما اقترفوه من الطعن في الدين وتجريح المؤمنين، ثم يخبر - ﷾ - نبيه محمدا ﷺ عن جواب المنافقين لو سألهم، وهو أنهم سينتحلون الأعذار الباطلة الكاذبة ليبرروا ما خرج من أفواههم من البهت في حق المسلمين، مخبرا فيه محمدا ﷺ أن ما حصل منهم استهزاء بالدين وسخرية بالله وآياته ورسوله، معلنا على لسان رسوله ﷺ ردتهم وعدم قبول عذرهم، ولم يسد باب الأمل في وجوههم بل وعد بالعفو لمن ترك النفاق منهم وأخلص التوبة لله، وشدد الوعيد لمن استمر منهم على كفره ونفاقه.
الفوائد:
١. الاستهزاء بالدين وأهله كفر.
٢. لا تقبل في الدنيا توبة من استهزأ بالدين وأهله ظاهرا عند بعض الحنابلة، وذهب آخرون إلى أنها تقبل توبته.
مناسبة الآيتين للباب:
حيث دلت الآيتان على كفر من استهزأ بالله أو بآياته أو برسوله.
المناقشة:
أ. اشرح الكلمات الآتية: ولئن سألتهم، إنما كنا نخوض ونلعب، تستهزءون، لا تعتذروا، قد كفرتم بعد إيمانكم، إن نعف عن طائفة منكم، نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين.
[ ٣٨٩ ]
ب. اشرح الآيتين شرحا إجماليا.
ج. استخرج فائدتين من الآيتين مع ذكر المأخذ.
د. وضح مناسبة الآيتين للباب.
عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة، دخل حديث بعضهم في بعض: أنه قال رجل في غزوة تبوك: " ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء- يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء-. فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ. فذهب عوف إلى رسول الله ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل، وركب ناقته فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق، قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ، وإن الحجارة تنكب رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما يلتفت إليه وما يزيده عليه"١.
شرح الكلمات:
قرائنا: القراء جمع قارئ وهم من قرأوا القرآن وعرفوا معانيه، والمراد بهم هنا رسول الله ﷺ والصحابة ﵃.
_________________
(١) ١ رواه ابن جرير (١٠/ ١١٩، ١٢٠) وابن أبي حاتم (٤/ ٦٤) عن ابن عمر. وقال الشيخ مقبل في الصحيح المسند (ص ٧١): "إسناد ابن أبي حاتم حسن".
[ ٣٩٠ ]
أرغب بطونا: أي أوسع بطونا وأكثر أكلا.
منافق: المنافق: من يظهر الإسلام ويبطن الكفر.
نسعة: النسعة هي: الحبل الذي يشد به الرحل. وقيل: هو سير مضفور، يجعل زماما للبعير.
الشرح الإجمالي:
يخبرنا عبد الله بن عمر والجماعة الذين اشتركوا في رواية الحديث -﵃- أن رجلا من المنافقين في غزوة تبوك أخذ يسب رسول الله ﷺ وأصحابه ويستهزئ بهم متهما لهم بحب الأكل والكذب والجبن عند اللقاء، وأن عوف بن مالك أحد المسلمين الصادقين غضب لله ورسوله، فأنكر على ذلك المنافق وكذبه وتوعده بأنه سيخبر بذلك رسول الله ﷺ، لكن الوحي سبق عوف بن مالك إلى رسول الله ﷺ، فنزل في شأنهم قرآنا يكشف حالهم ويفضح سريرتهم ويعلن كفرهم. وأن المنافق قد جاء ليعتذر من رسول الله ﷺ بأعذاره الباطلة، فلم يلتفت إليه النبي ﷺ ولم يلق له بالا ولم يقم له وزنا، وإنما أجابه بالآية التي نزلت في شأنه وأمثاله.
الفوائد:
١. خطر المنافقين على الإسلام وأهله.
٢. سب الدين من علامات النفاق الاعتقادي.
٣. بغض المسلمين وتنقصهم كفر.
٤. وجوب المبادرة إلى إنكار المنكر.
٥. صدق إيمان عوف بن مالك ﵁.
٦. جواز وصف الشخص بالنفاق إذا ظهر منه بعض علاماته.
[ ٣٩١ ]
٧. إثبات معجزة للنبي ﷺ حيث نزل عليه الوحي بذلك قبل مجيء عوف.
٨. عدم قبول عذر المبطلين.
٩. وجوب التشدد في ردع المستهزئين بالدين.
مناسبة الحديث للباب:
حيث دل الحديث المتضمن الآية على كفر من استهزأ بالله أو كتابه أو رسوله.
المناقشة:
أ. اشرح الكلمات الآتية: قرآنا، أرغب بطونا، منافق، نسعة.
ب. اشرح الحديث شرحا إجماليا.
ج. استخرج سبع فوائد من الحديث مع ذكر المأخذ.
د. وضح مناسبة الحديث للباب.
[ ٣٩٢ ]