[اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ،
الَّتِي لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا لِغَيْرِهِ، وَبَيْنَ حُقُوقِ خَلْقِهِ كَحَقِّ النَّبِيِّ ﷺ، لِيَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ، عَلَى ضَوْءِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ.
وَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ: أَنَّ مِنَ الْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ بِاللَّهِ الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ الْتِجَاءَ عَبْدِهِ
إِلَيْهِ إِذَا دَهَمَتْهُ الْكُرُوبُ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَى كَشْفِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَالْتِجَاءُ الْمُضْطَرِّ الَّذِي أَحَاطَتْ بِهِ الْكُرُوبُ وَدَهَمَتْهُ الدَّوَاهِي لَا يَجُوزُ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَصَرْفُ ذَلِكَ الْحَقِّ لِلَّهِ وَإِخْلَاصُهُ لَهُ هُوَ عَيْنُ طَاعَةِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ وَمَرْضَاتِهِ وَهُوَ عَيْنُ التَّوْقِيرِ وَالتَّعْظِيمِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، لِأَنَّ أَعْظَمَ أَنْوَاعِ تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ هُوَ اتِّبَاعُهُ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي إِخْلَاصِ التَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ جَلَّ وَعَلَا، وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، أَنَّ الْتِجَاءَ الْمُضْطَرِّ مِنْ عِبَادِهِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ، فِي أَوْقَاتِ الشِّدَّةِ وَالْكَرْبِ مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ تَعَالَى.
مِنْ أَصْرَحِ ذَلِكَ الْآيَاتُ الَّتِي فِي سُورَةِ النَّمْلِ أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: (قُلِ
_________________
(١) - علق شَيخنَا أَبُو الْهَيْثَم إِبْرَاهِيم بن زَكَرِيَّا - حفظه الله - هُنَا بقوله: [قَالَ ابْن رَجَب الْحَنْبَلِيّ: وَمن الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يقبل من كل من جَاءَهُ يُرِيد الدُّخُول فِي الْإِسْلَام الشَّهَادَتَيْنِ فَقَط، ويعصم دَمه بذلك، ويجعله مُسلما. أهـ وَلَكِن اسْتِدَامَة الحكم لَهُ بِالْإِسْلَامِ وعصمة دَمه والإنتفاع بِهَذَا القَوْل فِي الْآخِرَة كل ذَلِك مَوْقُوف على تَحْقِيق مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا] . وَانْظُر فضل الْغَنِيّ الحميد (ص/١٤٠) .
(٢) - ٢/٤٢٩ - ٤٣٠، يُونُس / ٣١، وَانْظُر (٣/٦٥، يُوسُف / ١٠٦) .
[ ١ / ٩٣ ]
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) إِلَى قَوْلِهِ: (قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، فَإِنَّهُ جَلَّ وَعَلَا قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ الْعَظِيمَاتِ: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) .
ثُمَّ بَيَّنَ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّهُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ فَقَالَ: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَاله مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) .
فَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ الَّتِي هِيَ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وإنزال المَاء من السَّمَاء وَإِنْبَاتُ الْحَدَائِقِ ذَاتِ الْبَهْجَةِ، الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَى إِنْبَاتِ شَجَرِهَا إِلَّا اللَّهُ، مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَهَا (أَاله مَّعَ اللَّهِ) يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِنْزَالِ الْمَاءِ مِنَ السَّمَاءِ وَإِنْبَاتِ الْحَدَائِقِ بِهِ، وَالْجَوَابُ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَءِلاهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) .
فَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ أَيْضًا، الَّتِي هِيَ جَعْلُ الْأَرْضِ قَرَارًا، وَجَعْلُ الْأَنْهَارِ خِلَالَهَا، وَجَعْلُ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي فِيهَا، وَجَعْلُ الْحَاجِزِ بَيْنَ الْبَحْرِينِ مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ جَلَّ وَعَلَا، وَلِذَا قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟ وَالْجَوَابُ لَا.
فَالِاعْتِرَافُ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا بِأَنَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِنْزَالَ الْمَاءِ وَإِنْبَاتَ النَّبَاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَ فِي الْآيَاتِ مِنْ خَصَائِصِ رُبُوبِيَّتِهِ جَلَّ وَعَلَا هُوَ الْحَقُّ، وَهُوَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِ
[ ١ / ٩٤ ]
رَسُولِهِ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ ﷺ فِي تَعْظِيمِ اللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى وَهُوَ مَحَلُّ الشَّاهِدِ (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) .
فَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ الَّتِي هِيَ إِجَابَةُ الْمُضْطَرِّ إِذَا دَعَا، وَكَشْفُ السُّوءِ وَجَعْلُ النَّاسِ خُلَفَاءَ فِي الْأَرْضِ مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ جَلَّ وَعَلَا، وَلِذَا قَالَ بَعْدَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ.
فَتَأَمَّلْ قَوْلَهَ تَعَالَى: (أَءِلاهٌ مَّعَ اللَّهِ) مَعَ قَوْلِهِ: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّو؟ءَ) تعلم أَن إِجَابَة الْمُضْطَرين إِذا التجؤوا وَدَعَوْا وَكَشْفَ السُّوءِ عَنِ الْمَكْرُوبِينَ، لَا فَرْقَ فِي كَوْنِهِ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وإنزال المَاء وإنبات النَّبَات، وَنَصْبِ الْجِبَالِ وَإِجْرَاءِ الْأَنْهَارِ، لِأَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا ذَكَرَ الْجَمِيعَ بِنَسَقٍ وَاحِدٍ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، وأتبع جَمِيعه بقوله: (أَءِلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ) .
فَمَنْ صَرَفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْإِنْكَارُ السَّمَاوِيُّ الَّذِي هُوَ فِي ضمن قَوْله: (أَءِلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ) فَلَا فَرْقَ الْبَتَّةَ بَيْنَ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ فِي كَوْنِهَا كُلِّهَا مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًى بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ أَءِلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) .
فَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ الَّتِي هِيَ هَدْيُ النَّاسِ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَإِرْسَالُ الرِّيَاحِ بُشْرًا، أَيْ مُبَشِّرَاتٍ، بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ الَّتِي هِيَ الْمَطَرُ، مِنْ خَصَائِصِ رُبُوبِيَّتِهِ جَلَّ وَعَلَا.
وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: (أَءِلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ)، ثُمَّ نَزَّهَ جَلَّ وَعَلَا نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إِلَهٌ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِمَّا
ذَكَرَ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: (تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) .
[ ١ / ٩٥ ]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ والأَرْضِ أَءِلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) .
فَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ الَّتِي هِيَ بَدْءُ خَلْقِ النَّاسِ وَإِعَادَتُهُ يَوْمَ الْبَعْثِ، وَرِزْقُهُ لِلنَّاسِ مِنَ السَّمَاءِ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، وَمِنَ الْأَرْضِ بِإِنْبَاتِ النَّبَاتِ، من خَصَائِص ربوبيته جلّ وَعلا وَلذَا قَالَ بعْدهَا (أَءِلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ) . ثُمَّ عجَّز جَلَّ وَعَلَا كُلَّ مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَالَ آمِرًا نَبِيَّهُ ﷺ بِأَنْ يُخَاطِبَهُمْ بِصِيغَةِ التَّعْجِيزِ: (قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) .
وَقَدِ اتَّضَحَ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، أَنَّ إِجَابَةَ الْمُضْطَرِّينَ الدَّاعِينَ، وكشف السوء عَن المكروبين، من خَصَائِص الربوبية كَخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِنْزَالِ الْمَاءِ، وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ، وَالْحَجْزِ بَيْنَ الْبَحْرِينِ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ.
وَكَوْنُ إِجَابَةِ الْمُضْطَرِّينَ وَكَشْفُ السُّوءِ عَنِ الْمَكْرُوبِينَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، كَمَا أَوْضَحَهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى مُخَاطِبًا نَبِيَّهُ ﷺ: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ) .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدُيرٌ)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ) .
فِعْلَيْنَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ نَتَأَمَّلَ هَذِهِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ وَنَعْتَقِدَ مَا تَضَمَّنَتْهُ وَنَعْمَلَ بِهِ لِنَكُونَ بِذَلِكَ مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ مُعَظِّمِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، لِأَنَّ أَعْظَمَ أَنْوَاعِ تَعْظِيمِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، هُوَ اتِّبَاعُهُ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ، فِي إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ جَلَّ وَعلا وَحده.
[ ١ / ٩٦ ]
فَإِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ لَهُ جَلَّ وَعَلَا وَحْدَهُ، هُوَ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ ﷺ وَيَأْمُر بِهِ وَقد قَالَ
تَعَالَى: (وَمَآ أُمِرُو؟اْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) وَقَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنِّى؟ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ) إِلَى قَوْلِهِ: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِى فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ) .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكُفَّارَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينًا أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ إِجَابَةِ الْمُضْطَرِّ وَكَشْفَ السُّوءِ عَنِ الْمَكْرُوبِ، مِنْ خَصَائِصَ الرُّبُوبِيَّةِ وَكَانُوا إِذَا دَهَمَتْهُمُ الْكُرُوبُ، كَإِحَاطَةِ الْأَمْوَاجِ بِهِمْ فِي الْبَحْرِ، فِي وَقْتِ الْعَوَاصِفِ يُخْلِصُونَ الدُّعَاءَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ كَشْفَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ فَإِذَا أَنْجَاهُمْ مِنَ الْكَرْبِ رَجَعُوا إِلَى الْإِشْرَاكِ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا هَذَا فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّو؟اْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَاذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الأٌَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَاذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ) الْآيَةَ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين َبَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلًا أَمْ أَمِنتُمْ أَن
[ ١ / ٩٧ ]
يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا) .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ) .
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ
مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ) أَنَّ سَبَبَ إِسْلَامِ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهِلٍ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ ذَهَبَ فَارًّا مِنْهُ إِلَى بِلَادِ الْحَبَشَةِ فَرَكِبَ فِي الْبَحْرِ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْحَبَشَةِ فَجَاءَتْهُمْ رِيحٌ عَاصِفٌ، فَقَالَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْكُمْ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ وَحْدَهُ. فَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي نَفْسِهِ: وَالله إِن كَانَ فَلَأَضَعَنَّ يَدِيَ فِي يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ فلأجدنه رؤوفًا رحِيما، فَخَرجُوا من الْبَحْر فَخرج إِلَى لَا يَنْفَعُ فِي الْبَحْرِ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ. اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ عهد لَئِن أخرجتني مِنْهُ لأذهبن
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ﵁ (١) . انْتَهَى.
وَقَدْ قَدَّمْنَا هُنَاكَ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَسَمِّينَ بِاسْمِ الْإِسْلَامِ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الْمَذْكُورِينَ لِأَنَّهُمْ فِي وَقت الشدائد يلجؤون لِغَيْرِ اللَّهِ طَالِبِينَ مِنْهُ مَا يَطْلُبُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ اللَّهِ، وَبِمَا ذُكِرَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا انْتَشَرَ فِي أَقْطَارِ الدُّنْيَا مِنَ الِالْتِجَاءِ فِي أَوْقَاتِ الْكُرُوبِ وَالشَّدَائِدِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا كَمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ قُرْبَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَ قُبُورِ مَنْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِمُ الصَّلَاحَ زَاعِمِينَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ دِينِ اللَّهِ وَمَحَبَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وتعظيمه ومحبة الصَّالِحين كُله من
_________________
(١) - أخرجه النَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ مطولا (٧/١٠٥) (٤٠٦٧) من حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
[ ١ / ٩٨ ]
أَعْظَمِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ انْتِهَاكٌ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ وَحُرُمَاتِ رَسُولِهِ؛ لِأَنَّ صَرْفَ الْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ بِالْخَالِقِ الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُعْتَقَدُ فِيهِمُ الصَّلَاحُ مُسْتَوْجِبٌ سَخَطَ اللَّهِ وَسَخَطَ النَّبِيِّ ﷺ وَسَخَطَ كُلِّ مُتَّبِعٍ لَهُ بِالْحَقِّ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي شَرِيعَةِ كُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَاكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)، بَلِ الَّذِي كَانَ يَأْمُرُ بِهِ ﷺ هُوَ مَا يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِالْأَمر بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى (قُلْ ياأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) .
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ إِذَا رَأَى رَجُلًا مُتَدَيِّنًا فِي زَعْمِهِ مُدَّعِيًا حُبَّ النَّبِيِّ ﷺ وَتَعْظِيمَهُ وَهُوَ يُعَظِّمُ النَّبِيَّ ﷺ وَيَمْدَحُهُ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ الْمَاءَ مِنَ السَّمَاءِ وَأَنْبَتَ بِهِ الْحَدَائِقَ ذَاتَ الْبَهْجَةِ، وَأَنَّهُ ﷺ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا إِلَى آخِرِ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَاقِلَ لَا يَشُكُّ فِي أَنَّ ذَلِكَ الْمَادِحَ الْمُعَظِّمَ فِي زَعْمِهِ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الْمُتَعَدِّينَ لِحُدُودِ اللَّهِ.
وَقَدْ عَلِمْتَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ إِجَابَةِ الْمُضْطَرِّينَ وَكَشْفِ السُّوءِ عَنِ الْمَكْرُوبِينَ.
فِعْلَيْنَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ نَنْتَبِهَ مِنْ نَوْمَةِ الْجَهْلِ وَأَنْ نُعَظِّمَ رَبَّنَا بِامْتِثَالِ
[ ١ / ٩٩ ]
أمره وَاجْتنَاب نَهْيه، وإخلاص الْعِبَادَة لَهُ
وَاعْلَمْ أَيْضًا رَحِمَكَ اللَّهُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ إِجَابَةِ الْمُضْطَرِّ وَكَشْفِ السُّوءِ عَنِ الْمَكْرُوبِ، وَبَيْنَ تَحْصِيلِ الْمَطَالِبِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ، كَالْحُصُولِ عَلَى الْأَوْلَادِ وَالْأَمْوَالِ وَسَائِرِ
أَنْوَاعِ الْخَيْرِ.
فَإِنَّ الْتِجَاءَ الْعَبْدِ إِلَى رَبِّهِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ خَصَائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ جَلَّ وَعَلَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ) وَقَالَ تَعَالَى: (فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُواْ لَهُ) . وَقَالَ تَعَالَى: (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ) . وَقَالَ تَعَالَى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ) وَقَالَ تَعَالَى: (وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ» (١) .
وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ بِالْتِجَائِهِمْ إِلَيْهِ وَقْتَ الْكَرْبِ يَوْمَ بَدْرٍ فِي قَوْلِهِ: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) .
فَنَبِيُّنَا ﷺ كَانَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا أَصَابَهُمْ أَمْرٌ أَوْ كَرْبٌ التجؤوا إِلَى اللَّهِ وَأَخْلَصُوا لَهُ الدُّعَاءَ. فَعَلَيْنَا أَنْ نتبع وَلَا نبتدع] (٢) .