[مُسَمَّى الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ، وَالْإِسْلَامِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ هُوَ اسْتِسْلَامُ الْقَلْبِ بِالِاعْتِقَادِ وَاللِّسَانِ بِالْإِقْرَارِ، وَالْجَوَارِحِ بِالْعَمَلِ. . . وَكُلُّ انْقِيَادٍ وَاسْتِسْلَامٍ وَإِذْعَانٍ يُسَمَّى إِسْلَامًا لُغَةً. وَمِنْهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْعَدَوِيِّ مُسْلِمِ الْجَاهِلِيَّةِ:
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الْأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالًا
دَحَاهَا فَلِمَا اسْتَوَتْ شَدَّهَا جَمِيعًا وَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالًا
إِذَا هِيَ سِيْقَتْ (٢) إِلَى بَلْدَةٍ أَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سِجَالًا
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أسْلَمَتْ لَهُ الرِّيحُ تُصْرَفُ حَالًا فَحَالَا
فَالْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ فِي هَذِه الأبيات: الاستسلام والانقياد] (٣) .
[قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: (مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ) . يُبَيِّنُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِيهِ مِنَّتَهُ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، بِأَنَّهُ عَلَّمَهُ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَعَلَّمَهُ تَفَاصِيلَ دِينِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
فَقَوْلُهُ: (مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ): أَيْ مَا كُنْتَ تَعْلَمُ مَا هُوَ هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، حَتَّى عَلَّمْتُكَهُ، وَمَا كنت تَدْرِي مَا الْإِيمَان
_________________
(١) - ٩/٣٩٨: ٤٠٠، الْبَيِّنَة / ١: ٤.
(٢) - بِالْأَصْلِ: سقيت، وَالصَّوَاب مَا أَثْبَتْنَاهُ.
(٣) - ٧/٦٣٦ - ٦٣٧، الحجرات /١٤.
[ ١ / ١٦ ]
الَّذِي هُوَ تَفَاصِيلُ هَذَا الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ، حَتَّى عَلَّمْتُكَهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ شَامِلٌ لِلْقَوْلِ وَالْعَمَلِ مَعَ الِاعْتِقَادِ.
وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: حَدِيثُ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ الْمَشْهُورُ (١)، وَمِنْهَا حَدِيثُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا» (٢) الْحَدِيثَ، فَسَمَّى فِيهِ قِيَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا، وَحَدِيثُ «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» (٣)، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ «بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (٤) . وَالْأَحَادِيثُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ مَا أَوْرَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ فَهُوَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا كَانَ يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ وَأَوْقَاتَهَا وَلَا صَوْمَ رَمَضَانَ، وَمَا يَجُوزُ فِيهِ وَمَا لَا يَجُوزُ وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ الزَّكَاةِ وَلَا مَا تَجِبُ فِيهِ وَلَا قَدْرَ النِّصَابِ وَقَدْرَ الْوَاجِبِ فِيهِ وَلَا تَفَاصِيلَ الْحَجِّ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلاَ الإِيمَانُ)] (٥) .
_________________
(١) - رَوَاهُ البُخَارِيّ (١/٢٩) (٥٣)، وَمُسلم (١/٤٦) (١٧) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَفِيه قَوْله - ﷺ - لَهُم: (أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَان بِاللَّه وَحده) . قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَام رَمَضَان وَأَن تعطوا من الْمغنم الْخمس) وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ.
(٢) - رَوَاهُ البُخَارِيّ (١/٢٢) (٣٧)، وَمُسلم (١/٥٢٣) (٧٥٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - بِهِ.
(٣) - رَوَاهُ مُسْلِمٍ (١/٦٣) (٥٧- (٣٥» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - بِهِ.
(٤) - رَوَاهُ البُخَارِيّ (١/١٢) (٩)، وَمُسلم (١/٦٣) (٥٨- (٣٥» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - بِهِ.
(٥) - ٧/٢٠١، الشورى /٥٢ وَانْظُر (٩/٥٠١ - ٥٠٢، الْعَصْر/٣) .
[ ١ / ١٧ ]