قال الطحاوي في العقيدة السلفية التي تنسب إليه المعروفة بالعقيدة الطحاوية: " والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد ".
وقال محمد بن محمد بن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية في شرحه لهذا النص:
" أما قوله: "إن الجنة والنار مخلوقتان"، فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة. وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا. وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة. وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث، لأنها تصير معطلة مددًا متطاولة. فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم".
[ ١٣ ]
ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة التي تدل على أنهما مخلوقتان، "فمن نصوص الكتاب: قوله تعالى عن الجنة:) أعدت للمتقين ([آل عمران: ١٣٣]،) أعدت للذين ءامنوا بالله ورسله ([الحديد: ٢١]، وعن النار) أعدت للكافرين) [آل عمران: ١٣١]، (إن جهنم كانت مرصادًا * للطغين مئابًا) [النبأ: ٢١ - ٢٢] . وقال تعالى: (ولقد رءاه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى) [النجم: ١٣- ١٥] .
وقد رأى النبي - ﷺ - سدرة المنتهي، ورأى عندها جنة المأوى. كما في "الصحيحين"، من حديث أنس ﵁، في قصة الإسراء، وفي آخره: " ثم انطلق بي جبرائيل، حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا هي جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك ".
وفي "الصحيحين" من حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ". (١)
وحديث البراء بن عازب وفيه: " ينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها ".
وفي "صحيح مسلم"، عن عائشة ﵂، قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فذكرت الحديث، وفيه: وقال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) صحيح البخاري ١٣٧٩. وصحيح مسلم: ٢٨٦٦.
[ ١٤ ]
" رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني جعلت أقدم. ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت ". (١)
وفي " الصحيحين " واللفظ للبخاري، عن عبد الله بن عباس، قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فذكر الحديث، وفيه: فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثم رأيناك كعكعت؟ فقال: " أني رأيت الجنة، فتناولت عنقودًا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء "، قالوا: بم، يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن" قيل: يكفرن بالله؟ قال: " يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت خيرًا قط ". (٢)
وفي "صحيح مسلم" من حديث عائشة السابق أن الرسول - ﷺ - قال في خطبته بعد الصلاة: " لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا، ولضحكتم قليلًا ". (٣)
وفي "الموطأ والسنن"، من حديث كعب بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ - " إنما نسمة المؤمن طيرٌ تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة ". (٤) وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة.
وفي "صحيح مسلم والسنن والمسند"، من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: " لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبرائيل إلى
_________________
(١) صحيح مسلم: ٩٠١.
(٢) صحيح البخاري: ١٠٥٢، ٥١٩٧. وصحيح مسلم: ٩٠٧.
(٣) صحيح مسلم: ٩٠١
(٤) قال الألباني في تحقيقه للطحاوية: صحيح.
[ ١٥ ]
الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة، فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فنظر إليها، ثم رجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا يدخلها أحد.
قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضًا، ثم رجع فقال: وعزتك، لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها ". ونظائر ذلك في السنة كثيرة. (١)
وقد عقد البخاري في صحيحه بابًا قال فيه: "باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (٢) وساق في هذا الباب أحاديث كثيرة تدل على أن الجنة مخلوقة، منها الحديث الذي ينص على أن الله يُري الميت عندما يوضع في قبره مقعده من الجنة والنار، وحديث إطلاع الرسول - ﷺ - على الجنة والنار، وحديث رؤية الرسول - ﷺ - لقصر عمر بن الخطاب في الجنة، وغير ذلك من الأحاديث، وقد كان ابن حجر مصيبًا عندما قال: " وأصرح مما ذكره البخاري في ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: " لما خلق الله الجنة، قال لجبريل: اذهب فانظر إليها ". (٣)
_________________
(١) شرح الطحاوية: ٤٧٦ - ٤٧٨.
(٢) في كتاب بدء الخلق، انظر فتح الباري: (٦/٣١٧)
(٣) فتح الباري: (٦/٣٢٠) .
[ ١٦ ]
شبهة من قال النار لم تخلق بعد:
وقد ناقش شارح الطحاوية شبهة الذين قالوا: لم تخلق النار بعد، ورد عليها فقال:
"وأما شبهة من قال: إنها لم تخلق بعد، وهي: أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضطرارًا أن تفنى يوم القيامة وأن يهلك كل من فيها ويموت، لقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه ([القصص: ٨٨]، و(كل نفس ذائقة الموت) [آل عمران: ١٨٥]، وقد روى الترمذي في جامعه، من حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر " (١) . قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود. وفيه أيضًا من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - ﷺ -، أنه قال: " من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة " (٢)، قال فيه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قالوا: فلو كانت مخلوقة مفروغًا منها لم تكن قيعانًا، ولم يكن لهذا الغراس معنى. قالوا: وكذا قوله تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت:
(رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة) [التحريم: ١١] .
فالجواب: إنكم إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور
_________________
(١) سنن الترمذي: ٣٤٦٢. وقال الشيخ ناصر في تعليقه على شرح الطحاوية ص: ١٠٦ وهو مخرج في الصحيحة.
(٢) وقال أيضًا في هذا الحديث: صحيح، وهو مخرج في المصدر السابق: ٦٤. وهو في سنن الترمذي برقم: ٣٤٦٤.
[ ١٧ ]
وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم يذكر، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا يزال الله يُحدث فيها شيئًا يعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث فيها عند دخولهم أمورًا أخر - فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر.
وأما احتجاجكم بقوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) [القصص: ٨٨]، فأتيتم من سوء فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن - نظير احتجاج إخوانكم على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما!! فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام. فمن كلامهم: أن المراد (كل شيء) مما كتب الله عليه الفناء والهلاك (هالك)، والجنة والنار خُلِقتا للبقاء لا للفناء، وكذلك العرش، فإنه سقف الجنة.
وقيل: المراد إلا مُلْكَه. وقيل: إلا ما أريد به وجهه. وقيل: إن الله تعالى أنزل: (كل من عليها فان) [الرحمن: ٢٦]، فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض، وطمعوا في البقاء، فأخبر تعالى عن أهل السماء والأرض أنهم يموتون، فقال: (كل شيء هالك إلا وجهه) [القصص: ٨٨] لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت. وإنما قالوا ذلك توفيقًا بينها وبين النصوص المحكمة، الدالة على بقاء الجنة، وعلى بقاء النار أيضًا، على ما يُذْكَر عن قريب، إن شاء الله تعالى". (١)
_________________
(١) شرح الطحاوية: ص ٤٧٩/ وراجع في هذه الموضوع: (بقظة أولى الاعتبار لصديق حسن خان ص: ٣٧، وعقيدة السفاريني: (٢/٢٣٠) .
[ ١٨ ]