النار شاسعة واسعة، بعيد قعرها، مترامية أطرافها، يدلنا على هذا أمور:
الأول: الذين يدخلون النار أعداد لا تحصى، ومع كثرة عددهم فإن خلق الواحد فيهم يضخم حتى يكون ضرسه في النار مثل جبل أحد، وما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام، ومع ذلك فإنها تستوعب هذه الأعداد الهائلة التي وجدت على امتداد الحياة الدنيا من الكفرة المجرمين على عظم خلقهم، ويبقى فيها متسع لغيرهم وقد أخبرنا الله بهذه الحقيقة في سورة ق فقال: (ويوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد) [ق: ٣٠] .
إن النار تشبه الطاحونة التي ينحدر إليها ألوف وألوف من أطنان الحبوب فتدور بذلك كله لا تكل ولا تمل، وينتهي الحب والطاحونة تدور انتظارًا للمزيد. وقد جاء في حديث احتجاج الجنة والنار أن الله يقول للنار: " إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار، فلا تمتلئ حتى يضع رجله – وفي رواية حتى يضع الله ﵎ رجله – فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ، ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا " رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. (١)
وعن أنس عن النبي - ﷺ - قال: " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من
_________________
(١) جامع الأصول: (١٠/٥٤٤) وهو في البخاري يرقم: ٤٨٥٠. وفي مسلم: ٢٨٤٦.
[ ٢٢ ]
مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط، قط، بعزتك وكرمك " متفق عليه. (١)
الثاني: يدل على بعد قعرها أيضًا أن الحجر إذا ألقي من أعلاها احتاج إلى آماد طويلة حتى يبلغ قعرها، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: كنا مع رسول الله - ﷺ -، إذ سمع وَجْبَة (٢)، فقال النبي - ﷺ -: " تدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يهوي في النار إلى الآن ". (٣)
وروى الحاكم عن أبي هريرة، والطبراني عن معاذ وأبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال: " لو أن حجرًا مثل سبع خلفات، ألقي من شفير جهنم هوى فيها سبعين خريفًا لا يبلغ قعرها ". (٤)
الثالث: كثرة العدد الذي يأتي بالنار من الملائكة في يوم القيامة، فقد وصف الرسول - ﷺ - مجيء النار في يوم القيامة، الذي يقول الله فيه: (وجاىء يومئذ بجهنم) [الفجر: ٢٣]، فقال: " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك " رواه مسلم عن عبد الله ابن مسعود (٥) . ولك أن تتخيل عظم هذا المخلوق الرهيب الذي احتاج إلى هذا العدد الهائل من الملائكة الأشداء الأقوياء الذين لا يعلم مدى قوتهم إلا الله ﵎.
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٣/١٠٩) وهو في البخاري برقم: ٦٦٦١. وفي مسلم: ٢٨٤٨. واللفظ لمسلم.
(٢) أي سقطة.
(٣) رواه مسلم، كتاب الجنة، باب في شدة حر النار، (٤/٢١٨٤)، ورقمه (٢٨٤٤) .
(٤) صحيح الجامع الصغير: (٥/٥٨)، ورقمه (٥٢١٤)، وإسناده صحيح.
(٥) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيم أهلها، باب في شدة حر جهنم (٤/٢١٨٤)، ورقم الحديث: (٢٨٤٢) .
[ ٢٣ ]
الرابع: ومما يدل على هول النار وكبرها أن مخلوقين عظيمين كالشمس والقمر يكونان ثورين مكورين في النار، ففي "مشكل الآثار" للطحاوي عن سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثنا أبو هريرة عن النبي - ﷺ - قال: " الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة ". ورواه البيهقي في كتاب "البعث والنشور" وكذا البزار والإسماعيلي والخطابي، بإسناد صحيح، على شرط البخاري، وقد أخرجه في صحيحه مختصرًا بلفظ: " الشمس والقمر مكوران في النار ". (١)
_________________
(١) أورده الشيخ ناصر الحديث في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/٣٢)، ورقم الحديث: ١٢٤، وقد نقلنا تحقيقه للحديث مختصرًا.
[ ٢٤ ]