الجنة درجة عالية، والصعود إلى العلياء يحتاج إلى جهد كبير، وطريق الجنة فيه مخالفة لأهواء النفوس ومحبوباتها، وهذا يحتاج إلى عزيمة ماضية، وإرادة قوية، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره " ولمسلم حفت بدل حجبت. (١)
وفي سنن النسائي والترمذي وأبي داود عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: " لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فحفها بالمكاره، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد ". (٢)
وقد علق النووي في " شرحه على مسلم " على الحديث الأول قائلًا: "هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها - ﷺ - من التمثيل الحسن، ومعناه لا يوصل الجنة إلا بارتكاب المكاره، والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات، فأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادة،
_________________
(١) جامع الأصول: (١٠/٥٢١) ورقمه: ٨٠٦٩.
(٢) جامع الأصول: (١٠/٥٢٠)، ورقمه: ٨٠٦٨، وقال الترمذي فيه: حديث حسن صحيح غريب.
[ ١٩٠ ]
والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصدقة، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات، ونحو ذلك ". (١)
_________________
(١) شرح النووي على مسلم: (١٧/١٦٥) .
[ ١٩١ ]