أخبرنا الله ﵎ بأن الجنة تجري من تحتها الأنهار، (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار) [البقرة: ٢٥] وأحيانا يقول: تجري تحتهم الأنهار: (أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار) [الكهف: ٣١] .
وقد حدثنا الرسول - ﷺ - عن أنهار الجنة حديثا واضحًا بينا، ففي إسرائه صلوات الله وسلامه عليه: " رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها (١) نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ قال: ٍأما النهران الباطنان: فنهران في الجنة وأما الظاهران: فالنيل والفرات ". (٢)
وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: " رفعت لي السدرة، فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فأما الظاهران: فالنيل والفرات، وأما الباطنان: فنهران في الجنة". (٣)
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة ". (٤)
_________________
(١) الضمير عائد إلى سدرة المنتهى، كما دل على ذلك سياق بعض الأحاديث.
(٢) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء (١/١٥٠)، ورقم الحديث: ١٦٤.
(٣) جامع الأصول: (١٠/٥٠٧)، وقال المحقق: رواه البخاري تعليقا في الأشربة، قال الحافظ في الفتح: وصله أبو عوانة والإسماعيلي والطبراني في (الصغير) من طريقه.
(٤) صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب ما في الدنيا من أنهار الجنة، (٤/٢١٨٣)، ورقم الحديث ٢٨٣٩ وعزاه الشيخ ناصر في سلسلة الأحاديث الصحيحة: (١/٦) إلى مسلم وأحمد والآجري والخطيب.
[ ١٦٥ ]
" ولعل المراد من كون هذه الأنهار من الجنة أن أصلها منها كما أن أصل الإنسان من الجنة، فلا ينافي الحديث ما هو معلوم مشاهد من أن هذه الأنهار تنبع من منابعها المعروفة في الأرض، فإذا لم يكن هذا هو المعنى أو ما يشبهه، فالحديث من أمور الغيب التي يجب الإيمان بها، والتسليم للمخبر عنها ". (١)
وقال القاري: " إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة، لما فيها من العذوبة والهضم، ولتضمنها البركة الإلهية، وتشرفها بورود الأنبياء إليها وشربهم منها ". (٢)
ومن أنهار الجنة الكوثر الذي أعطاه الله لرسوله - ﷺ -: (إنا أعطيناك الكوثر) [الكوثر: ١]، وقد رآه الرسول - ﷺ - وحدثنا عنه، ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: " بينما أنا أسير في الجنة، إذ أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طيبه- أو طينه – مسك أذفر" شك هُدْبة. (٣)
وقد فسر ابن عباس الكوثر بالخير الكثير الذي أعطاه الله لرسوله - ﷺ -، فقال أبو بشر لسعيد بن جبير راوي هذا التفسير عن ابن عباس: إن أناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. (٤)
وقد جمع الحافظ بن كثير الأحاديث التي أخبر الرسول - ﷺ - فيها عن
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/١٨) .
(٢) نقله عن الشيخ ناصر في تعليقه على مشكاة المصابيح: (٣/٨٠) .
(٣) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب في الحوض، فتح الباري: (١١/٤٦٤)، وهدبة أحد رواة الحديث.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب في الحوض، فتح الباري: (١١/٤٦٣) .
[ ١٦٦ ]
الكوثر، فمن هذه الأحاديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس، أن الرسول - ﷺ - حين أنزلت عليه (إنا أعطيناك الكوثر) [الكوثر: ١] قال: " أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هو نهر وعدنيه الله ﷿، عليه خير كثير".
وساق حديث أنس عند أحمد في مسنده عن الرسول - ﷺ - قال: " أعطيت الكوثر، فإذا نهر يجري على ظهر الأرض، حافتاه قباب اللؤلؤ، ليس مسقوفًا، فضربت بيدي إلى تربته، فإذا تربته مسك أذفر، وحصباؤه اللؤلؤ ".
وفي رواية أخرى في المسند عن أنس يرفعه: " هو نهر أعطانيه الله في الجنة، ترابه مسك، ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، ترده طيور أعناقها مثل أعناق الجزور".
وقد ساق الحافظ ابن كثير روايات أخرى كثيرة في الموضوع فارجع إليه إن شئت المزيد. (١)
وأنهار الجنة ليست ماء فحسب، بل منها الماء، ومنها اللبن، ومنها الخمر، ومنها العسل المصفى.
قال تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى) [محمد: ١٥] .
_________________
(١) النهاية لابن كثير: (٢/٢٤٦) .
[ ١٦٧ ]
وفي سنن الترمذي بإسناد صحيح عن حكيم بن معاوية (وهو جد بهز بن حكيم) أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن في الجنة بحر العسل، وبحر الخمر، وبحر اللبن، وبحر الماء، ثم تنشق الأنهار بعد ". (١)
فأنهار الجنة تنشق من تلك البحار التي ذكرها الرسول - ﷺ -، وأخبرنا الرسول - ﷺ - عن نهر يسمى بارق يكون على باب الجنة، ويكون الشهداء في البرزخ عند هذا النهر، ففي مسند أحمد، ومعجم الطبراني، ومستدرك الحاكم عن ابن عباس بإسناد حسن أن رسول الله - ﷺ - قال: " الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًا ". (٢)
_________________
(١) جامع الأصول: (١٠/٥٠٧)، وقال المحقق: رواه الترمذي في صفة أنهار الجنة، ورواه أيضًا الدارمي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو كما قال.
(٢) صحيح الجامع الصغير: (٣/٢٣٥)، ورقمه: ٣٦٣٦.
[ ١٦٨ ]