الجنة درجات بعضها فوق بعض، وأهلها متفاضلون فيها بحسب منازلهم فيها، قال الله تعالى: (ومن يأتيه مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى) [طه: ٧٥] .
ومن الذين وضحوا هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: " والجنة درجات متفاضلة تفاضلًا عظيمًا، وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم. قال ﵎: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورًا * انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلًا) [الإسراء: ١٨-٢١] .
فبين الله ﷾ أنه يمد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة من عطائه، وأن عطاءه ما كان محظورًا من بر ولا فاجر، ثم قال تعالى: (انظر كيف فضلنا
[ ١٥٤ ]
بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) [الإسراء: ٢١] . فبين الله سبحانه أن أهل الآخرة يتفاضلون فيها أكثر مما يتفاضل الناس في الدنيا وأن درجات الآخرة أكبر من درجات الدنيا. وتفاضل أنبيائه ﵈ كتفاضل سائر عباده المؤمنين. فقال تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالى: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورًا) [الإسراء: ٥٥] .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان ".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة وعمرو بن العاص ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ". وقد قال الله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الدين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) [الحديد: ١٠] وقال تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا* درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورًا رحيمًا) [النساء: ٩٥-٩٦] .
وقال
[ ١٥٥ ]
تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدًا إن الله عنده أجر عظيم) [التوبة: ١٩-٢٢] وقال تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) [الزمر: ٩]، وقال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير) [المجادلة: ١١] ". (١)
وقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي - ﷺ -: " من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل، أو جلس في أرضه التي ولد فيها، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفروس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، أراه قال: وفوقه عرش الرحمن – ومنه تفجر أنهار الجنة ". (٢)
وثبت في الصحيح أيضًا عن أنس أن أم حارثة أتت رسول الله - ﷺ - وقد هلك حارثة يوم بدر، أصابه سهم غرب، فقالت: يا رسول الله، قد علمت موقع حارثة من قلبي، فإن كان في الجنة لم أبك عليه، وإلا سوف ترى
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (١١/١٨٨) .
(٢) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله: فتح الباري: (٦/١١) .
[ ١٥٦ ]
ما أصنع، فقال لها: " أجنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى ". (١)
وقد بين الرسول - ﷺ - أن أهل الجنة متفاضلون في الجنة بحسب منازلهم فيها، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: " إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر (٢) في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ". (٣)
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة وصحي ابن حبان عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: " إن أهل الدرجات العلى يراهم من هو أسفل منهم كما ترون الكوكب الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ". (٤)
قال القرطبي: " اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو والصفة بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال، فبعضها أعلى من بعض وأرفع.. وقوله " والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " ولم يذكر عملًا، ولا شيئًا سوى الإيمان والتصديق للمرسلين، ذلك ليعلم أنه عنى الإيمان البالغ لتصديق المرسلين من غير سؤال آية ولا تلجلج، وإلا فكيف تنال الغرفات بالإيمان والتصديق الذي للعامة، ولو كان كذلك كان جميع الموحدين في أعالي الغرفات، وأرفع الدرجات، وهذا محال، وقد قال الله تعالى:
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، فتح الباري: (١١/٤١٨) .
(٢) الغابر: الذاهب أو الباقي، فإنّ غبر من الأضداد، يقال: غبر إذا ذهب، وغبر إذا بقي، ويعني به أن الكوكب حالة طلوعه وغروبه بعيد عن الأبصار فيظهر صغيرًا لبعده.
(٣) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة الجنة والنار، فتح الباري: (٦/٢٢٠) وصحيح مسلم، كتاب الجنة، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف، (٤/٢١٧٧)، ورقمه: ٢٨٣١.
(٤) صحيح الجامع الصغير، (٢/١٨٧)، ورقمه: ٢٠٢٦.
[ ١٥٧ ]
(أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) [الفرقان: ٧٥]، والصبر بذل النفس والثبات له وقوفًا بين يديه بالقلوب عبودية وهذه صفة المقربين.
وقال في آية أخرى: (ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحًا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) [سبأ: ٣٧]، فذكر شأن الغرفة، وأنها لا تنال بالأموال والأولاد، وإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح، ثم بين أن لهم جزاء الضعف، وأن محلهم الغرفات، يعلمك أن هذا إيمان طمأنينة وتعلق قلب به، مطمئنًا به في كل ما نابه، وبجميع أموره وأحكامه، فإذا عمل عملًا صالحًا، فلا يخلطه بضده، وهو الفاسد، فلا يكون العمل الصالح الذ ي لا يشوبه فساد إلا مع إيمان بالغ مطمئن صاحبه بمن آمن وبجميع أموره وأحكامه، والمخلط ليس إيمانه وعمله هكذا، فلهذا كانت منزلته دون غيره". (١)
وأهل الدرجات العاليات يكونون في نعيم أرقى من الذين دونهم، فقد ذكر الله أنه أعد للذين يخافونه جنتين (ولمن خاف مقام ربه جنتان) [الرحمن: ٤٦]، ووصفهما، ثم قال: (ومن دونهما جنتان) [الرحمن: ٦٢]، أي دون تلك الجنتين في المقام والمرتبة، من تأمل صفات الجنتين اللتين ذكرهما الله آخرًا علم أنهما دون الأوليين في الفضل، فالأوليان للمقربين، والأخريان لأصحاب اليمين، كما قال ابن عباس وأبو موسى الأشعري. (٢)
قال القرطبي: " لما وصف الجنتين أشار إلى الفرق بينهما، فقال في الأوليين: (فيهما عينان تجريان) [الرحمن: ٥٠]، وقال في الأخريين: (فيهما عينان
_________________
(١) التذكرة للقرطبي: ص٤٦٤.
(٢) التذكرة للقرطبي: ص٤٤٠.
[ ١٥٨ ]
نضاختان) [الرحمن: ٦٦]، أي فوارتان بالماء، ولكنهما ليستا كالجاريتين، لأن النضخ دون الجري، وقال في الأوليين: (فيهما من كل فاكهة زوجان) [الرحمن: ٥٢]، معروف وغريب، رطب ويابس، فعم ولم يخص، وفي الأخريين: (فيهما فاكهة ونخل ورمان) [الرحمن: ٦٨]، ولم يقل من كل فاكهة زوجان، وقال في الأوليين: (متكئين على فرش بطائنها من استبرق) [الرحمن: ٥٤]، وهو الديباج، وفي الأخريين: (متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان) [الرحمن: ٧٦]، والعبقري الوشي، ولا شك أن الديباج أعلى من الوشي، والرفرف كسر الخبا، ولا شك أن الفرش المعدة للاتكاء عليها أفضل من الخبا.
وقال في الأوليين في صفة الحور العين: (كأنهن الياقوت والمرجان) [الرحمن: ٥٨]، وفي الأخريين: (فيهن خيرات حسان) [الرحمن: ٧٠]، وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان، وقال في الأوليين: (ذواتا أفنان) [الرحمن: ٤٨]، وفي الأخيرتين: (مدهامتان) [الرحمن: ٦٤]، أي خضراوان كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان، ووصف الأوليين بكثرة الأغصان، والآخرتين بالخضرة وحدها". (١)
وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: " جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما
_________________
(١) التذكرة للقرطبي: ص٤٤٠.
[ ١٥٩ ]
وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " (١)، وفي رواية الترمذي: " إن في الجنة جنتين من فضة.. "وذكر الحديث (٢) .
وذكر الحق ﵎ أن الأبرار يشربون كأسًا ممزوجة بالكافور: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا) [الإنسان: ٥]، وقال في موضع آخر: (ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا) [الإنسان: ١٧]، ويبدو أن هذا – والعلم عند الله – لأهل اليمين، وقال في موضع آخر: (ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب بها المقربون) [المطففين: ٢٨-٢٨]، فأهل اليمين يشربون شرابًا ممزوجًا من تسنيم، وهي عين في الجنة، والمقربون يشربون من تسنيم صرفًا غير ممزوج.