لما كانت النار دركات بعضها أشد عذابًا وهولًا من بعض كان أهلها متفاوتون في العذاب، ففي الحديث الذي يرويه مسلم وأحمد عن سمرة، عن النبي - ﷺ - قال في أهل النار: " إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته " وفي رواية " إلى عنقه ". (١)
وقد حدثنا الرسول - ﷺ - عن أخف أهل النار عذابًا، ففي صحيح البخاري عن النعمان بن بشير قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: " إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه ". وفي رواية أخرى في صحيح البخاري أيضًا عن النعمان بن بشير: " إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل في القمقم ". (٢)
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب شدة حر النار، (٤/٢١٨٥) .
(٢) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، فتح الباري (١١/٤١٧)، ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: (١/١٩٦)، ورقمه ٣٦٣، واللفظ للبخاري.
[ ٩٥ ]
وفي رواية عن النعمان بن بشير عن مسلم: " إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا ". (١)
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال: " إن أدنى أهل النار عذابا ينتعل نعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه ". (٢)
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ انه سمع رسول الله - ﷺ - وذُكر عنده عمه أبو طالب، فقال: " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه أم دماغه ". (٣)
وقد جاءت النصوص القرآنية مصدقة لتفاوت أصحاب النار في العذاب كقوله تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) [النساء: ١٤٥]، وقوله: (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) [غافر: ٤٦]، وقوله: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون) [النحل: ٨٨] .
يقول القرطبي في هذا الموضوع: " هذا الباب يدلك على أن كفر من كفر فقط، ليس ككفر من طغى وكفر وتمرد وعصى، ولا شك أن الكفار في عذاب
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان: (١/١٩٦)، ورقم الحديث (٣٦٤) .
(٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان (١/١٩٥)، ورقم الحديث (٣٦١) .
(٣) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، فتح الباري (١١/٤١٧) ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي - ﷺ - لأبي طالب، (١/١٩٥)، وحديث رقم (٣٦٠)، وساق فيه عدة أحاديث أخرى.
[ ٩٦ ]
جهنم متفاوتون كما قد علم من الكتاب والسنة، ولأنا نعلم على القطع والثبات أنه ليس عذاب من قتل الأنبياء والمسلمين وفتك فيهم وأفسد في الأرض وكفر، مساويًا لعذاب من كفر فقط وأحسن للأنبياء والمسلمين، ألا ترى أبا طالب كيف أخرجه النبي - ﷺ - إلى ضحضاح لنصرته إياه، وذبّه عنه وإحسانه إليه؟ وحديث مسلم عن سمرة يصح أن يكون في الكفار بدليل حديث أبي طالب، ويصح أن يكون فيمن يعذب من الموحدين ". (١)
وقال ابن رجب: " واعلم أن تفاوت أهل النار في العذاب هو بحسب تفاوت أعمالهم التي أدخلوا بها النار " ثم ساق الأدلة الدالة على ذلك، وساق قول ابن عباس: " ليس عقاب من تغلظ كفره وأفسد في الأرض ودعا إلى الكفر كمن ليس كذلك" ثم قال ابن رجب: " وكذلك تفاوت عذاب عصاة الموحدين في النار بحسب أعمالهم، فليس عقوبة أهل الكبائر كعقوبة أهل الصغائر، وقد يخفف عن بعضهم بحسنات أخرى له أو بما شاء الله من الأسباب، ولهذا يموت بعضهم في النار ". (٢)