بوب البخاري في صحيحه بابًا بعنوان "باب ما قيل في أولاد المشركين" وأورد فيه حديث ابن عباس ﵄ قال: "سئل رسول الله - ﷺ - عن أولاد المشركين، فقال: الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين".
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: "سئل النبي - ﷺ - عن ذراري المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين ".
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: " كل مولود يولد
_________________
(١) فتح الباري: (٣/٢٤٤)
(٢) مجموعة فتاوى شيخ الإسلام: (٤/٢٨١) .
[ ٢٠٠ ]
على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء ". (١)
والبخاري رحمه الله تعالى – كما يقول ابن حجر – أشعر بهذه الترجمة أنه كان متوقفًا في أولاد المشركين، وقد جزم بعد هذا في تفسير سورة الروم من صحيحه بما يدل على اختيار القول الصائر إلى أنهم في الجنة، وقد رتب أيضًا أحاديث هذا الباب ترتيبًا يشير إلى المذهب المختار، فإنه صدره بالحديث الدال على التوقف، ثم ثنى بالحديث المرجح لكونهم في الجنة، ثم ثلث بالحديث المصرح بذلك في قوله في سياقه: " وأما الصبيان حوله فأولاد الناس " قد أخرجه البخاري في التعبير بلفظ: " وأما الولدان الذين حوله فكل مولود يولد على الفطرة، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين ". (٢)
قال ابن حجر: ويؤيده ما رواه أبو يعلى من حديث أنس مرفوعًا " سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم" إسناده حسن، وورد تفسير " اللاهين " بأنهم الأطفال من حديث ابن عباس مرفوعًا أخرجه البزار. وأخرج أحمد من طريق خنساء بنت معاوية بن صريم عن عمتها قالت: " قلت: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة ". وإسناده حسن. (٣)
واحتجوا أيضًا بقوله - ﷺ -: " أطفال المشركين خدم أهل الجنة " رواه ابن منده في المعرفة، وأبو نعيم في الحلية، وأبو يعلى في مسنده، وحكم عليه الشيخ ناصر الدين الألباني بالصحة بمجموع طرقه. (٤)
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، فتح الباري: (٣/٢٤٦) .
(٢) فتح الباري: (٣/٢٤٦) .
(٣) فتح الباري: (٣/٢٤٦)
(٤) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٣/٤٥٢)، ورقمه: ١٤٦٨.
[ ٢٠١ ]
والقول بأنهم في الجنة هو قول جمع من أهل العلم، وهو اختيار أبي الفرج بن الجوزي (١)، وقال النووي في هذا المذهب: "وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) [الإسراء: ١٥)، واحتج بالأدلة التي ساقها البخاري وغيره ". (٢)
وأقول: وهذا القول هو الذي رجحه القرطبي أيضًا وقد وفق القرطبي بين النصوص التي يظهر منها التعارض في هذا الموضوع بأن الرسول - ﷺ -: قال في أول الأمر هم مع آبائهم أي في النار، ثم حصل منه توقف في ذلك، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثم أوحى إليه أنه لا يعذب أحد بذنب غيره (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [الإسراء: ١٥]، فحكم بأنهم في الجنة (٣)، وذكر في ذلك حديثًا رواه عبد الرزاق، ولكن الحديث ضعيف كما قال ابن حجر العسقلاني. (٤)
ويشكل على هذا التوفيق الذي ذكره ابن حجر أن المسألة ليست من مسائل النظر والاجتهاد، ولكنها مسألة غيبية لا يتكلم فيها إلا بوحي، والله أعلم.
وقد يشكل على القول بأن أولاد المؤمنين والمشركين في الجنة ما ورد من نصوص دالة علي أن الله علم أهل الجنة والنار أزلًا، وأن الملك عندما يزور الرحم يكتب رزق الجنين وأجله وشقاءه وسعادته، وقد يقال في الجواب: إن من مات صغيرًا قبل الاكتساب فإنه يكون مكتوبًا من السعداء وهو في بطن أمه، والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (٢٤/٣٧٢) .
(٢) فتح الباري: (٣/٢٤٧) .
(٣) التذكرة للقرطبي: ص ٥١٥.
(٤) فتح الباري: (٣/٢٤٧) .
[ ٢٠٢ ]
وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أنهم في مشيئة الله تعالى، وهذا منقول عن حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وإسحاق، ونقله البيهقي في " الاعتقاد " عن الشافعي في حق أولاد الكفار خاصة، قال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنده في هذا شيء منصوص، إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار خاصة في المشيئة، والحجة فيه حديث: " الله أعلم بما كانوا عاملين ". (١)
وهذا القول حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام، فقد اختار أن أطفال المشركين في مشيئة الله، وأنهم يمتحنون في يوم القيامة، وعزا القول بذلك إلى أبي الحسن الأشعري والإمام أحمد، قال شيخ الإسلام: "والصواب أن يقال فيهم: الله أعلم بما كانوا عاملين، ولا يحكم لمعين منهم بجنة ولا نار، وقد جاء في عدة أحاديث أنهم يوم القيامة يمتحنون في عرصات القيامة يؤمرون وينهون، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وهذا هو الذي ذكره أبو المحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة. (٣)
وقال في موضع آخر: "أطفال المشركين الذين لم يكلفوا في الدنيا يكلفون في الآخرة، كما وردت بذلك أحاديث متعددة، وهو القول الذي حكاه أبو الحسن الأشعري في أطفال المشركين، كما ثبت في الصحيحين عن النبي - ﷺ -: أنه سئل عنهم فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين ". (٤)
_________________
(١) فتح الباري: (٣/٢٤٦)
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (٤/٢٨١ – ٤٠٤)، (٢٤/٣٧٢) .
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (٤/٢٨١ – ٤٠٤)، (٢٤/٣٧٢) .
(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (٤/٢٨١) .
[ ٢٠٣ ]
وقد ذكر ابن حجر أنهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن أبى عذب، أخرجه البزار من حديث أنس وأبي سعيد، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل، وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون، ومن في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في " كتاب الاعتقاد " أنه المذهب الصحيح. (١)
ويدل لصحة هذا القول ما ورد في محكم القرآن في قصة العبد الصالح الذي رحل نبي الله موسى إلى لقائه في مجمع البحرين، فإنه قال مبينًا السر في قتله الغلام: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغينًا وكفرا) [الكهف: ٨٠]، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: في الغلام الذي قتله الخضر: " طبع يوم طبع كافرًا، ولو ترك لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا " قال ابن تيمية معقبًا على الحديث: " يعني طبعه الله في أم الكتاب، أي أثبته وكتبه كافرًا، أي أنه إن عاش كفر بالفعل ".
وقد ضعف القرطبي هذا المذهب محتجًا بأن الآخرة دار جزاء لا ابتلاء، ففي " التذكرة " قال المؤلف (يعني نفسه): "ويضعفه (القول بامتحانهم في عرصات القيامة) من جهة المعنى أن الآخرة ليست بدار تكليف، وإنما هي دار جزاء: ثواب، وقال الحليمي: وهذا الحديث ليس بثابت، وهو مخالف لأصول المسلمين، لأن الآخرة ليست بدار امتحان، فإن المعرفة بالله تعالى فيها تكون ضرورة، ولا محنة مع الضرورة ". (٢)
وهذا الذي اعترض به من أن التكليف ينقطع بالموت غير صحيح، وقد رد
_________________
(١) فتح الباري: (٣/٢٤٦) .
(٢) التذكرة: ص ٥١٤.
[ ٢٠٤ ]
على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: " التكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار، وأما عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ، فيقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وقال تعالى: (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) [القلم: ٤٢]، وقد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبي - ﷺ - أنه قال: " يتجلى الله لعباده في الموقف، إذا قيل ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون، فيتبع المشركون آلهتهم، ويبقى المؤمنون، فيتجلى لهم الرب الحق في غير الصورة التي كانوا يعرفون، فينكرونه، ثم يتجلى لهم في الصورة التي يعرفون، فيسجد له المؤمنون، وتبقى ظهور المنافقين كقرون البقر، فيريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون، وذلك لقوله: (يوم يكشف عن ساق) [القلم: ٤٢] . (١)
فالمحنة لا تتوقف إلا بدخول الجنة والنار، وما ذكره القرطبي من أن المعرفة بالله في ذلك اليوم ضرورية صحيح، إلا أن المحنة تكون بالأمر والنهي كما ورد في بعض النصوص أن الله يكلفهم في ذلك اليوم بالدخول في النار، فالذي يطيع يكون من أهل السعادة، والذي يعصي يكون من أهل الشقاء.
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (٢٤/٣٧٢)، وانظر: (١٧/٣٠٩) .
[ ٢٠٥ ]