لقد أطال القرآن في تبيان جرائم الخالدين الذين استحقوا بها الخلود في النيران، ونحن نذكر هنا أهمها:
[ ٥٣ ]
١- الكفر والشرك: فقد أخبرنا الحق ﵎ أن الذين كفروا يُنادَون عندما يكونون في النار. فيقال لهم: إن مقت الله لكم أعظم من مقتكم أنفسكم بسبب كفركم بالإيمان، ثم بين أن خلودهم في النار إنما هو بسبب كفرهم وشركهم (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون*قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل*ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير) [غافر: ١٠] .
وحدثنا الحق ﵎ أن خزنة النار يسألون الكفار عند ورودهم النار قائلين: (أولم تكُ تأتيكم رسلكم بالبينات) [غافر: ٥٠]، فيكون الجواب: أنهم استحقوا النار بسبب تكذيبهم المرسلين، وما جاؤوا به (قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير) [الملك: ٩] .
وقال في المكذبين بالكتاب: (وقد آتيناك من لدنا ذكرا*من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرًا خالدين فيها وساء لهم يوم القيامة حملا) [طه: ٩٩-١٠١] .
وقال في المكذبين بالكتاب المشركين بالله: (الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون*إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون* في الحميم ثم في النار يسجرون* ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون* من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئًا كذلك يضل الله الكافرين* ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون* ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) [غافر: ٧٠-٧٦] .
[ ٥٤ ]
وقال في الكفرة المشركين المسوين آلهتم برب العالمين (فكبكبوا فيها هم والغاوون* وجنود إبليس أجمعون* قالوا وهم فيها يختصمون*تالله إن كنا لفي ضلال مبين* إذ نسويكم برب العالمين) [الشعراء: ٩٤-٩٨] .
وقال في حق المكذبين بيوم الدين: (بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا) [الفرقان: ١١]، (وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا ترابًا أءنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [الرعد: ٥] . وقال: (مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا*ذلك بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أءذا كنا عظامًا ورفاتًا أءنا لمبعوثون خلقًا جديدا) [الإسراء: ٩٧-٩٨] .
٢- عدم القيام بالتكاليف الشرعية مع التكذيب بيوم الدين وترك الالتزام بالضوابط الشرعية، فقد أخبرنا الحق ﵎ أن أهل الجنة يسألون أهل النار قائلين: (ما سلككم في صقر) [المدثر: ٤٢]، فيجيبون قائلين: (لم نك من المصلين*ولم نك نطعم المسكين* وكنا نخوض مع الخائضين*وكنا نكذب بيوم الدين*حتى أتانا اليقين) [المدثر: ٤٣-٤٧] .
٣- طاعة رؤساء الضلال وزعماء الكفر فيما قرروه من مبادئ الضلال وخطوات الكفر التي تصد عن دين الله ومتابعة المرسلين. قال تعالى في هؤلاء: (وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم
[ ٥٥ ]
القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين*وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون* فلنذيقن الذين كفروا عذابًا شديدًا ولنجزينهم أسوأ الذين كانوا يعملون* ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون) [فصلت: ٢٥-٢٨] .
وعندما يحل الكفار في النار، وتقلب وجوههم فيها يتندمون لعدم طاعتهم الله ورسوله، وطاعتهم السادة الكبراء: (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرًا*خالدين فيها أبدًا لا يجدون وليا ولا نصيرا* يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا* وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) [الأحزاب: ٦٤-٦٧] .
٤- النفاق: وعد الله المنافقين النار، وهو وعد قطعه على نفسه لا يخلفه: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم) [التوبة: ٦٨]، وأخبرنا أن موقع المنافقين في النار هو دركاتها السفلى، وهي أشدها حرًا، وأكثرها إيلامًا) إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) [النساء: ١٤٥] .
٥- الكبر: وهذه صفة يتصف بها عامة أهل النار، قال تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [الأعراف: ٣٦] .
وقد عقد مسلم في صحيحه بابًا عنون له يقوله: " باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء " وذكر فيه احتجاج الجنة والنار وما قالتا وما قال الله
[ ٥٦ ]
لهما، وساق فيه حديث أبي هريرة يرفعه إلى الرسول - ﷺ -، وفيه أن النار قالت: "يدخلني الجبارون والمتكبرون" وفي رواية قالت: " أوثرت بالمتكبرين والجبارين ". وقال الله لها: " أنت عذابي أعذب بك من أشاء ". (١)
وفي صحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي عن حارثة بن وهب، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل جواظ مستكبر " (٢)، وفي رواية لمسلم: " كل جواظ زنيم متكبر ". (٣)
ومصداق هذا في كتاب الله ﵎: (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) [الزمر: ٦٠]، وقوله: (فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق) [الأحقاف: ٢٠]، وقوله: (فأما من طغى*وآثر الحياة الدنيا* فإن الجحيم هي المأوى) [النازعات: ٣٧] .