وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
فَهُوَ أَمَرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا الْحَقَّ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ لِيُرْضُوا بِهِ اللَّهَ، وَتَقُومَ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْمُخَالِفِينَ، فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجِدَالِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَهُوَ أَنْ تَقُولَ كَلَامًا حَقًّا يَلْزَمُكَ، وَيَلْزَمُ الْمُنَازِعَ لَكَ أَنْ يَقُولَهُ، فَإِنْ وَافَقَكَ وَإِلَّا ظَهَرَ عِنَادُهُ وَظُلْمُهُ.
كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] .
فَإِنَّا مُشْتَرِكُونَ فِي أَنَّهُ رَبُّنَا كُلِّنَا وَأَنَّ عَمَلَ كُلِّ عَامِلٍ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ،
[ ٣ / ٨٢ ]
وَامْتَزْنَا نَحْنُ بِأَنَّا مُخْلِصُونَ لَهُ، وَأَنْتُمْ لَسْتُمْ مُخْلِصِينَ لَهُ، فَأَوْجَبَ هَذَا أَنَّ الْحَقَّ مَعَنَا دُونَكُمْ، وَأَنَّ أَعْمَالَنَا صَالِحَةٌ مَقْبُولَةٌ، وَأَعْمَالَكُمْ مَرْدُودَةٌ.
وَيُشْبِهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
فَأَمْرُهُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ يَتَضَمَّنُ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ كَمَا كَانَ الْمَسِيحُ - ﵇ - يَقُولُ.
[ ٣ / ٨٣ ]