وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] (١١٣) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] فَهَذِهِ الْآيَةُ لَا اخْتِصَاصَ فِيهَا لِلنَّصَارَى بَلْ هِيَ مَذْكُورَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] (١١٠) ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] (١١١) ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢] ثُمَّ قَالَ ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]
[ ٢ / ٢٠١ ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢] صِفَةُ الْيَهُودِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران: ١١٢] فَقَوْلُهُ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَنَاوِلًا لِلْيَهُودِ ثُمَّ قَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ وَالنَّصَارَى عَلَى أَنَّ الْيَهُودَ مَعَ كُفْرِهِمْ بِالْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ - ﷺ - لَيْسَ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَالْآيَةُ إِذَا تَنَاوَلَتِ النَّصَارَى كَانَ حُكْمُهُمْ فِي ذَلِكَ حُكْمَ الْيَهُودِ وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَثْنَى عَلَى مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] وَقَدْ ذَكَرَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْأُخْرَى فِي آلِ عِمْرَانَ نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - لَكِنَّهُ لَمْ تُمْكِنْهُ الْهِجْرَةُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَا الْعَمَلُ
[ ٢ / ٢٠٢ ]
بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ لِكَوْنِ أَهْلِ بَلَدِهِ نَصَارَى لَا يُوَافِقُونَهُ عَلَى إِظْهَارِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ قِيلَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - إِنَّمَا صَلَّى عَلَيْهِ لَمَّا مَاتَ لِأَجْلِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُظْهِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ ظَاهِرَةٍ كَمَا يُصَلِّي الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَنَائِزِهِمْ.
وَلِهَذَا جُعِلَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ كَوْنِهِ آمَنَ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُؤْمِنُ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - فِي بِلَادِ الْحَرْبِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ بَلْ يَعْمَلُ مَا يُمْكِنُهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ فِي الظَّاهِرِ مِنَ الْكُفَّارِ وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ مُؤْمِنٌ كَمَا كَانَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ.
قَالَ - تَعَالَى -:
[ ٢ / ٢٠٣ ]
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] (٢٨) ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] (٢٩) ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ [غافر: ٣٠] (٣٠) ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] (٣١) ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر: ٣٢] (٣٢) ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٣] (٣٣) ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤] (٣٤) ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] (٣٥) ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦] (٣٦) ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] (٣٧) ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨] (٣٨) ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩] (٣٩) ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠] (٤٠) ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١] (٤١) ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر: ٤٢] (٤٢) ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] (٤٣) ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤] (٤٤) ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥] (٤٥) ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] .
[ ٢ / ٢٠٤ ]
فَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ حَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ وَأَنَّهُ خَاطَبَهُمْ بِالْخِطَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَهُوَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ بِاعْتِبَارِ النَّسَبِ وَالْجِنْسِ وَالظَّاهِرِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ أَشَدَّ الْعَذَابِ وَكَذَلِكَ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ لَيْسَتْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ هَؤُلَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١] وَامْرَأَةُ الرَّجُلِ مِنْ آلِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] (٥٩) ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] وَهَكَذَا أَهْلُ الْكِتَابِ فِيهِمْ مَنْ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مِنْهُمْ وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - يَعْمَلُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ عِلْمًا وَعَمَلًا: وَ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ الْهِجْرَةِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَعَجْزِ النَّجَاشِيِّ.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وَكَمَا أَنَّ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ فِيهِمْ مَنْ هُمْ فِي الظَّاهِرِ مُسْلِمُونَ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ مُنَافِقٌ كَافِرٌ فِي الْبَاطِنِ إِمَّا يَهُودِيٌّ وَإِمَّا نَصْرَانِيٌّ وَإِمَّا مُشْرِكٌ وَإِمَّا مُعَطِّلٌ.
كَذَلِكَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مَنْ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مِنْهُمْ وَمَنْ هُوَ فِي الْبَاطِنِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - يَفْعَلُ مَا يَقْدِرُ عَلَى عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ وَيَسْقُطُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ.
وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ - اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: تَأْمُرُنَا أَنْ نَسْتَغْفِرَ لِهَذَا الْعِلْجِ يَمُوتُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَنَزَلَتْ ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩]» .
[ ٢ / ٢٠٦ ]
ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدِهِمْ وَذَكَرَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمُ النَّجَّاشِيِّ» فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ نَعَاهُ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ
[ ٢ / ٢٠٧ ]
رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِأَصْحَابِهِ اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخٍ لَكُمْ مَاتَ بِغَيْرِ أَرْضِكُمْ قَالُوا: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: النَّجَاشِيُّ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى الْبَقِيعِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ: وَكُشِفَ لَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَأَبْصَرَ سَرِيرَ النَّجَاشِيِّ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اسْتَغْفِرُوا لَهُ فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا يُصَلِّي عَلَى عِلْجٍ حَبَشِيٍّ نَصْرَانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ وَلَيْسَ عَلَى دِينِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]» وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ - ﵇ - إِلَى أَنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - فَآمَنَ بِهِ كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ كُلِّهِمْ.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَجْوَدُ، فَإِنَّ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأَظْهَرَ الْإِيمَانَ بِهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ يَعْمَلُ مَا يَعْمَلُهُ الْمُسْلِمُونَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَهَذَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ كِتَابِيًّا؟ وَهَذَا مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَهَؤُلَاءِ لَا يُقَالُ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا لَا يُقَالُ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعُبَّادِ الْأَوْثَانِ وَلَا يُمَكَّنُ أَحَدٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مِنْهُمْ وَفِي الْبَاطِنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَفِي بِلَادِ النَّصَارَى مِنْ هَذَا النَّوْعِ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَكْتُمُونَ إِيمَانَهُمْ إِمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا يَكْتُمُونَهُ عَنِ الْعَامَّةِ وَيُظْهِرُونَهُ لِخَاصَّتِهِمْ وَهَؤُلَاءِ قَدْ
[ ٢ / ٢٠٩ ]
يَتَنَاوَلُهُمْ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الْآيَةَ.
فَهَؤُلَاءِ لَا يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِأَجْلِ مَالٍ يَأْخُذُونَهُ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَمْنَعُونَهُمُ الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] (١١٣) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] فَهَذِهِ الْآيَةُ تَتَنَاوَلُ الْيَهُودَ أَقْوَى مِمَّا تَتَنَاوَلُ النَّصَارَى وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وَهَذَا مَدْحٌ مُطْلَقٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَدْحٌ لِمَنْ كَذَّبَ الْمَسِيحَ وَلَا فِيهَا مَدْحٌ لِمَنْ كَذَّبَ مُحَمَّدًا - ﷺ.
وَهَذَا الْكَلَامُ يُفَسِّرُهُ سِيَاقُ الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
[ ٢ / ٢١٠ ]
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] فَقَدْ جَعَلَهُمْ نَوْعَيْنِ نَوْعًا مُؤْمِنِينَ وَنَوْعًا فَاسِقِينَ وَهُمْ أَكْثَرُهُمْ وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَتَنَاوَلُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - كَمَا يَتَنَاوَلُهُمْ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] إِلَى قَوْلِهِ: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] وَقَوْلُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] ثُمَّ لَمَّا قَالَ: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] قَالَ ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] (١١١) ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]
[ ٢ / ٢١١ ]
وَضَرْبُ الذِّلَّةِ عَلَيْهِمْ أَيْنَمَا ثُقِفُوا وَمُبَاؤُهُمْ بِغَضَبِ اللَّهِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ مِنْ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَعِصْيَانُهُمْ وَاعْتِدَاؤُهُمْ كَانَ الْيَهُودُ مُتَّصِفِينَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] فَتَنَاوَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمِلَلِ الْأَرْبَعِ مُتَمَسِّكًا بِهَا قَبْلَ النَّسْخِ بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ كَذَلِكَ آيَةُ آلِ عِمْرَانَ لَمَّا وُصِفَ أَهْلُ
[ ٢ / ٢١٢ ]
الْكِتَابِ بِمَا كَانُوا مُتَّصِفًا بِهِ أَكْثَرُهُمْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مِنَ الْكُفْرِ قَالَ ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] (١١٣) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] . وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا مِنْهُمْ بِهَذَا قَبْلَ النَّسْخِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ وَلَمْ يُنْسَخْ كَمَا قَالَ فِي الْأَعْرَافِ ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] (١٦٨) ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٩] (١٦٩) ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] .
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] فَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَمَّنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذَا الْوَصْفِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ هَؤُلَاءِ مُحَمَّدًا - ﷺ - فَآمَنَ بِهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ.
[ ٢ / ٢١٣ ]