قَالُوا ثُمَّ وَجَدْنَاهُ يُعَظِّمُ إِنْجِيلَنَا وَيُقَدِّمُ صَوَامِعَنَا وَيُشَرِّفُ مَسَاجِدَنَا وَيَشْهَدُ بِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ يُذْكَرُ فِيهَا كَثِيرًا وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] وَالْجَوَابُ أَنَّ فِيهَا ذِكْرُ الصَّوَامِعِ وَالْبِيَعِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠]، فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ عَقِبَ ذِكْرِهِ الْمَسَاجِدَ وَالْمَسَاجِدُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا كَنَائِسَ النَّصَارَى، فَإِنَّهَا هِيَ الْبِيَعُ ثُمَّ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالْمَسَاجِدِ فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ إِخْبَارٌ بِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ يُذْكَرُ كَثِيرًا فِي الْبِيَعِ وَالصَّوَامِعِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ فِي الْجَمِيعِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ الصَّوَامِعَ وَالْبِيَعَ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - كَانَ فِيهَا مَنْ يَتَّبِعُ دِينَ الْمَسِيحِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ وَيُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَقَدْ قِيلَ أَنَّهَا بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ
[ ٢ / ٢١٤ ]
يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ.
قَالَ الضَّحَّاكُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ وَإِنْ كَانَ يُشْرَكُ بِهِ يَعْنِي أَنَّ الْمُشْرِكَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الْمُعَطِّلِ الْجَاحِدِ الَّذِي لَا يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ بِحَالٍ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ خَيْرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمَّا اقْتَتَلَ فَارِسُ وَالرُّومُ وَانْتَصَرَتِ الْفُرْسُ سَاءَ ذَلِكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَكَرِهُوا انْتِصَارَ الْفُرْسِ عَلَى النَّصَارَى ; لِأَنَّ النَّصَارَى أَقْرَبُ إِلَى دِينِ اللَّهِ مِنَ الْمَجُوسِ وَالرُّسُلُ بُعِثُوا بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا وَتَقْدِيمِ خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ عَلَى أَدْنَاهُمَا حَسَبَ الْإِمْكَانِ وَدَفْعِ شَرِّ الشَّرَّيْنِ بِخَيْرِهِمَا فَهَدْمُ صَوَامِعِ النَّصَارَى وَبِيَعِهِمْ فَسَادٌ إِذَا هَدَمَهَا الْمَجُوسُ وَالْمُشْرِكُونَ وَأَمَّا إِذَا هَدَمَهَا الْمُسْلِمُونَ وَجَعَلُوا
[ ٢ / ٢١٥ ]
أَمَاكِنَهَا مَسَاجِدَ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا فَهَذَا خَيْرٌ وَصَلَاحٌ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ ذُكِرَتْ فِي سِيَاقِ الْإِذْنِ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْجِهَادِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] وَهَذِهِ الْآيَةُ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ وَلِهَذَا قَالَ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الحج: ٤٠] فَيَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِينَ الْكُفَّارَ وَيَدْفَعُ شَرَّ الطَّائِفَتَيْنِ بِخَيْرِهِمَا كَمَا دَفَعَ الْمَجُوسَ بِالرُّومِ النَّصَارَى ثُمَّ دَفَعَ النَّصَارَى بِالْمُؤْمِنِينَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَهَذَا كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] وَأَمَّا التَّقْدِيمُ فِي اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلِانْتِقَالِ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]
[ ٢ / ٢١٦ ]
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] وَقَوْلُهُ: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] (١) ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢] (٢) ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ [الذاريات: ٣] (٣) ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] وَنَظَائِرُهُ مُتَعَدِّدَةٌ.
وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ مَوَاضِعُ الْعِبَادَاتِ وَهَدْمُهَا فَسَادٌ إِذَا هَدَمَهَا مَنْ لَا يُبَدِّلُهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا وَأَدْنَاهَا هِيَ الصَّوَامِعُ، فَإِنَّ الصَّوْمَعَةَ تَكُونُ لِوَاحِدٍ أَوْ لِطَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ فَبَدَأَ بِأَدْنَى الْمَعَابِدِ وَخَتَمَ بِأَشْرَفِهَا وَهِيَ الْمَسَاجِدُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا فَفِي الْجُمْلَةِ حُكْمُ هَذِهِ الْمَعَابِدِ حُكْمُ أَهْلِهَا وَأَهْلُهَا قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ وَهَدْمُ مَعَابِدِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْلِمِينَ فَسَادٌ وَبَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ إِذَا غَلَبَ أَهْلَ الْكِتَابِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُمْ كَالْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ وَهَدَمُوا مَعَابِدَهُمْ كَانَ ذَلِكَ فَسَادًا وَإِذَا هَدَمَهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ كَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأَبْدَلُوهَا مَسَاجِدَ يُذْكَرُ فِيهَا
[ ٢ / ٢١٧ ]
اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَا يُشْرَكُ بِهِ وَيُذْكَرُ فِيهَا الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ كَانَ ذَلِكَ صَلَاحًا لَا فَسَادًا.
وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسَاجِدُ مَوَاضِعَ مَعَابِدِ الْكُفَّارِ كَمَا كَانَ لِثَقِيفٍ أَهْلِ الطَّائِفِ مَعْبَدٌ يَعْبُدُونَ فِيهِ اللَّاتَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُهْدَمَ ذَلِكَ الْمَعْبَدُ وَيُتَّخَذُ مَكَانَهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي يُعْبَدُ اللَّهُ وَحْدَهُ فِيهِ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ هِيَ
[ ٢ / ٢١٨ ]
بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [التوبة: ١٧] الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: الْمُهْتَدِينَ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥] الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ ذَكَرَ الْكُفَّارَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فَذَكَرَ أَهْلَ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ وَالْبَسِيطِ فَقَالَ - تَعَالَى -:
[ ٢ / ٢١٩ ]
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩] (٣٩) ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - بَلْ مَا جَاءَ بِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
[ ٢ / ٢٢٠ ]