وهذه الشريعةُ الكاملةُ هي سنَّته ﷺ بالمعنى العام؛ فإنَّ السنَّةَ تُطلقُ أربعة إطلاقات:
الأول: أنَّ كلَّ ما جاء في الكتاب والسنَّة هو سنَّته ﷺ، وهي طريقتُه التي كان عليها ﷺ، ومن ذلك قوله ﷺ: "فمَن رغب عن سنَّتي فليس
[ ١٧ ]
منِّي" رواه البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١) .
الثاني: أنَّ السنَّة بمعنى الحديث، وذلك إذا عُطفت على الكتاب، ومنه قوله ﷺ: "يا أيُّها الناس! إنِّي قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلَن تضلُّوا أبدًا: كتاب الله وسنَّة نبيِّه ﷺ"، وقوله: "إنِّي قد تركت فيكم شيئين لن تضلُّوا بعدهما: كتاب الله وسنَّتي" رواهما الحاكم في مستدركه (١/٩٣)، ومنه قول بعض العلماء عند ذكر بعض المسائل: وهذه المسألة دلَّ عليها الكتاب والسنَّة والإجماع.
الثالث: أنَّ السنَّة تُطلق في مقابل البدعة، ومنه قوله ﷺ في حديث العرباض بن سارية: "فإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛
[ ١٨ ]
فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة" أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) - وهذا لفظه - والترمذي (٢٦٧٦) وابن ماجه (٤٣ - ٤٤)، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، ومنه تسمية بعض المتقدِّمين من المحدثين كتبهم في العقيدة باسم (السنة)، مثل السنة لمحمد بن نصر المروزي، والسنة لابن أبي عاصم، والسنة للالكائي، وغيرها، وفي كتاب السنن لأبي داود كتاب السنة يشتمل على أحاديث كثيرة في العقيدة.
الرابع: أنَّ السنَّة تُطلق بمعنى المندوب والمستحب، وهو ما جاء الأمر به على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الإيجاب، وهذا الإطلاق للفقهاء، ومن أمثلته قوله ﷺ: "لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالسواك عند كلِّ صلاة" رواه البخاري (٨٨٧) ومسلم (٢٥٢)، فإنَّ الأمرَ
[ ١٩ ]
بالسواك استحبابًا حاصل، وإنَّما تُرك خشية المشقَّة على سبيل الإيجاب.
[ ٢٠ ]