واتِّباع سنَّة الرسول ﷺ في الأخذ بما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة كما أنَّه لازمٌ في الأمور العقدية بقوله ﷺ: "فإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين" الحديث، فهو لازمٌ في الأمور الفرعية التي يسوغ فيها الاجتهاد عند ظهور الدليل، وقد أوصى العلماء من سلف هذه الأمة - ومنهم الأئمَّة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - بالأخذ بما دلَّ عليه الدليل، وترك أقوالهم التي قالوها إذا جاء حديثٌ صحيح عن رسول الله ﷺ بخلافها، وقد اشتهر عن الإمام مالك قوله: "كلٌّ يؤخذ من قوله ويُردُّ إلاَّ رسول الله ﷺ"، وقال الإمام الشافعي ﵀: "أجمع الناسُ على أنَّ من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن
[ ٣٦ ]
يَدَعها لقول أحد" الروح لابن القيم (ص: ٣٩٥ - ٣٩٦)، وقال ابن القيم قبل ذكر هذا الأثر بقليل: "فمَن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزَنَها بها وخالف منها ما خالف النصَّ لم يُهدِر أقوالَهم ولَم يهضِم جانبهم، بل اقتدى بهم؛ فإنَّهم كلَّهم أمروا بذلك، فمتَّبعُهم حقًّا مَن امتثل ما أوصوا به لا مَن خالفهم".
وقد جاء عن بعض العلماء المشتغلين بفقه أصحاب المذاهب الأربعة التعويل على الأدلة الصحيحة إذا جاءت بخلاف أقوالهم، فقال أصبغ بن الفرج: "المسح (يعني على الخفين) عن النَّبيِّ ﷺ وعن أكابر أصحابه في الحضر أثبت عندنا وأقوى من أن نتَّبعَ مالكًا على خلافه" فتح الباري (١/٣٠٦)، وقال الحافظ في الفتح (١/٢٧٦): "المالكية لا يقولون بالتتريب في الغسل من ولوغ
[ ٣٧ ]
الكلب، قال القرافي منهم: قد صحَّت فيه الأحاديث، فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها! ".
وقال ابن العربي المالكي: "قال المالكية: ليس ذلك - أي الصلاة على الغائب - إلاَّ لمحمد ﷺ، قلنا: وما عمل به محمدٌ ﷺ تعملُ به أمَّتُه؛ يعني لأنَّ الأصلَ عدم الخصوصية، قالوا: طُويت له الأرض وأُحضرت الجنازة بين يديه! قلنا: إنَّ ربَّنا عليه لقادر، وإنَّ نبيَّنا لأهلٌ لذلك، ولكن لا تقولوا إلاَّ ما رويتم، ولا تَخترعوا حديثًا من عند أنفسكم، ولا تحدِّثوا إلاَّ بالثابتات ودَعُوا الضِّعافَ؛ فإنَّها سبيل إتلاف إلى ما ليس له تلاف" الفتح (٣/١٨٩)، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني (٤/٥٤)، وقال ابن كثير ﵀ في تعيين الصلاة الوسطى: "وقد ثبتت السنة بأنَّها العصر، فتعيَّن المصيرُ إليها"، ثم نقل عن الشافعي أنَّه
[ ٣٨ ]
قال: "كلُّ ما قلتُ فكان عن النَّبيِّ ﷺ بخلاف قولي مِمَّا يصح، فحديث النَّبيِّ ﷺ أولَى، ولا تقلِّدوني، وقال أيضًا: إذا صحَّ الحديث وقلتُ قولًا فأنا راجعٌ عن قولي وقائل بذلك"، ثم قال ابن كثير: "فهذا من سيادته وأمانته، وهذا نفَسُ إخوانه من الأئمَّة ﵏ ورضي الله عنهم أجمعين، آمين، ومن هنا قطع القاضي الماوَردي بأنَّ مذهب الشافعي ﵀ أنَّ صلاة الوسطى هي صلاة العصر - وإن كان قد نصَّ في الجديد وغيره أنَّها الصبح - لصحة الأحاديث أنَّها صلاةُ العصر، وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدِّثي المذهب، ولله الحمد والمنَّة"، تفسير ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾، وقال ابن حجر في الفتح (٢/٢٢٢): "قال ابن خزيمة في رفع اليدين عند القيام من
[ ٣٩ ]
الركعتين: هو سنة وإن لم يذكره الشافعي، فالإسناد صحيح، وقد قال: قولوا بالسنَّة ودَعوا قولي"، وقال في الفتح أيضًا (٣/٩٥): "قال ابن خزيمة: ويحرم على العالِم أن يخالف السنَّة بعد علمه بها"، وقال في الفتح (٢/٤٧٠): "روى البيهقي في المعرفة عن الربيع قال: قال الشافعي: قد روي حديث فيه أنَّ النساءَ يُتركن إلى العيدين، فإن كان ثابتًا قلتُ به، قال البيهقي: قد ثبت، وأخرجه الشيخان - يعني حديث أم عطية - فيلزم الشافعية القول به"، وذكر النووي في شرح صحيح مسلم (٤/٤٩) خلاف العلماء في الوضوء من لحم الإبل، وقال: "قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في هذا - أي الوضوء من لحم الإبل - حديثان: حديث جابر وحديث البراء، وهذا المذهب أقوى دليلاُ وإن كان الجمهور على خلافه"، وقال
[ ٤٠ ]
ابن حجر في شرح حديث ابن عمر: "أمرتُ أن أقاتل الناس" في قصة مناظرة أبي بكر وعمر في قتال مانعي الزكاة، قال: "وفي القصة دليلٌ على أنَّ السنَّة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، ويطَّلع عليها آحادهم، ولهذا لا يُلتفتُ إلى الآراء - ولو قويت - مع وجود سنة تخالفها، ولا يُقال: كيف خفي ذا على فلان؟! " الفتح (١/٧٦)، وقال أيضًا (٣/٥٤٤): "وبذلك - أي بإشعار الهدي - قال الجمهور من السلف والخلف، وذكر الطحاوي في اختلاف العلماء كراهته عن أبي حنيفة، وذهب غيرُه إلى استحبابه للاتِّباع، حتى صاحباه محمد وأبو يوسف، فقالا: هو حسن".
[ ٤١ ]