والبدعُ أنواع: اعتقادية، وقولية، وفعلية، والفعلية زمانية ومكانية، فأمَّا البدع الاعتقادية، فمثل بدع الخوارج والروافض والمعتزلة وغيرهم مِمَّن تعويلهم على علم الكلام، وفيهم مَن تعويلهم مع ذلك على الروايات المكذوبة، قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/٩٥): "أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أنَّ أهل الكلام أهلُ بدع وزيغ، ولا يُعدُّون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنَّما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز".
والبدعُ القولية، منها التلفظ بالنية، كأن يقول: نويتُ أن أصلي كذا، نويتُ أن أصوم كذا، وغير
[ ٥٢ ]
ذلك، ولا يُستثنى من ذلك إلاَّ المناسك، فللمعتمر أن يقول: لبَّيك عمرة، وللمفرد أن يقول: لبَّيك حجًّا، وللقارن أن يقول: لبَّيك عمرة وحجًّا؛ لأنَّه ورد في السنَّة ما يدلُّ على ذلك.
ومنها سؤال الله بجاه فلان وبحقِّ فلان، ونحو ذلك مِمَّا لم يَرِد به سنَّةٌ ثابتةٌ عن رسول الله ﷺ.
ومن البدع القولية ما يكون كفرًا، كدعاء أصحاب القبور وطلب الغوث منهم وسؤالهم قضاء الحاجات وكشف الكربات، وغير ذلك مِمَّا لا يُطلَبُ إلاَّ من الله، كما قال الله ﷿: ﴿أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وأمَّا الحكم على مَن حصل منه ذلك بالكفر فيكون بعد إقامة الحجة، وهو قول كثير من أهل العلم،
[ ٥٣ ]
ذكرتُ منهم سبعة في الفصل الخامس من مقدمة تطهير الاعتقاد وشرح الصدور، أوَّلهم الإمام محمد ابن إدريس الشافعي ﵀، وآخرهم الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀.
والبدعُ الفعلية مكانية وزمانية، فمِن البدع المكانية التمسح بالقبور وتقبيلها، قال النووي في المجموع شرح المهذب في شأن مسح وتقبيل جدار قبره ﷺ (٨/٢٠٦): "ولا يُغتر بمخالفة كثيرين من العوام وفعلهم ذلك؛ فإنَّ الاقتداءَ والعملَ إنَّما يكون بالأحاديث الصحيحة وأقوال العلماء، ولا يُلتفتُ إلى مُحدثات العوام وغيرهم وجهالاتهم، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قال: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد)، وفي رواية لمسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ)، وعن أبي هريرة
[ ٥٤ ]
﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ؛ فإنَّ صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" رواه أبو داود بإسناد صحيح، وقال الفضيل بن عياض ﵀ ما معناه: "اتَّبع طرق الهدى ولا يضرك قلَّة السالكين، وإيَّاك وطرق الضلالة ولا تغترَّ بكثرة الهالكين"، ومَن خَطَرَ على باله أنَّ المسحَ باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته؛ لأنَّ البركةَ إنَّما هي فيما وافق الشرع، وكيف يُبتغى الفضل في مخالفة الصواب؟! ".
ومن البدع الزمانية الاحتفال بالموالد، كالاحتفال بمولده ﷺ، فإنَّها من البدع المحدثة في القرن الرابع الهجري، ولَم يأت عن النَّبيِّ ﷺ وخلفائه وصحابته شيءٌ من ذلك، بل ولَم يأت عن التابعين وأتباعهم، وقد مضت الثلاثمائة سنة
[ ٥٥ ]
الأولى قبل أن توجد هذه البدعة، والكتب التي أُلِّفت في تلك الفترة لا ذكر للموالد فيها، وإنَّما كانت ولادة هذه البدعة في القرن الرابع الهجري، أحدثها العبيديُّون الذين حكموا مصر، فقد ذكر تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في كتابه المواعظ بذكر الخطط والآثار (١/٤٩٠) أنَّه كان للفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم، فذكرها وهي كثيرة جدًّا، ومنها مولد الرسول ﷺ، ومولد علي وفاطمة والحسن والحُسين ﵃، ومولد الخليفة الحاضر، وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة (٥٦٧هـ)، وهي السنة التي انتهت فيها دولتهم بموت آخرهم العاضد، قال: "ظهرت في دولتهم البدعُ والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقلَّ عندهم الصالحون من العلماء والعُبَّاد
[ ٥٦ ]
وذكر ابن كثير قبل ذلك بقليل أنَّ صلاح الدين قطع الأذان بـ (حيَّ على خير العمل) من مصر كلِّها، ومن أحسن ما أُلِّف في هذه المسألة كتاب: القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرُّسْل، للشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري ﵀، ولا شكَّ أنَّ محبَّة النَّبيِّ ﷺ يجب أن تكون في قلب كلِّ مسلم أعظمَ من محبَّته لأبيه وأمِّه وابنه وبنته وسائر الناس؛ لقوله ﷺ: "لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين" رواه البخاري ومسلم، ومحبَّته ﷺ إنَّما تكون باتِّباعه والسير على نهجه ﷺ، وليس بالبدع المُحدَثة، كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[ ٥٧ ]