وقد يقول من يهوِّن مِن شأن البدع: إنَّ الذي يأتي بالبدعة متقرِّبًا بها إلى الله قصدُه حسن، فيكون فعلُه محمودًا بهذا الاعتبار، والجواب: أنَّه لا بدَّ مع حسن القصد أن يكون العملُ موافقًا للسنَّة، وهو أحد الشرطين اللَّذين تقدَّم ذكرُهما لقبول العمل الصالح، وهما الإخلاصُ لله، والمتابعة لرسوله ﷺ، وقد مرَّ الحديثُ الدَّال على ردِّ البدع المحدثة على صاحبها، وهو قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ"، وفي لفظ لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، ومِمَّا يدلُّ على أنَّه لا بدَّ مع حسن القصد من موافقة السنَّة قصة الصحابي الذي ذبح
[ ٤٨ ]
أُضحيته قبل صلاة العيد، وقال له النَّبيُّ ﷺ: "شاتُك شاةُ لحم" رواه البخاري (٩٥٥) ومسلم (١٩٦١)، قال الحافظ في شرح الحديث في الفتح (١٠/١٧): "قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه أنَّ العملَ وإن وافق نية حسنة لَم يصح إلاَّ إذا وقع على وفق الشرع".
ويدلُّ لذلك أيضًا ما في سنن الدارمي (٢١٠) بإسناد صحيح أنَّ عبد الله بن مسعود ﵁ جاء إلى أناس متحلِّقين في المسجد، وبأيديهم حصى، وفيهم رجلٌ يقول: كبِّروا مائة، فيُكبِّرون مائة يعدُّون بالحصى، ويقول: هلِّلوا مائة، سبِّحوا مائة كذلك، فوقف عليهم فقال: "ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعدُّ به التكبيرَ والتهليلَ والتسبيحَ، قال: فعُدوا سيِّئاتكم فأنا ضامنٌ أن لا يَضيعَ من حسناتكم شيءٌ،
[ ٤٩ ]
وَيْحَكم يا أمّة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابةُ نبيِّكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابُه لَم تَبْلَ، وآنيتُه لَم تُكسر، والذي نفسي بيده إنَّكم لَعلَى مِلَّةٍ هي أهدى من مِلَّة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلاَّ الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه "، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (٢٠٠٥) .
[ ٥٠ ]