المصلحة المرسلة هي المصلحة التي لَم يأت الشرعُ باعتبارها أو إلغائها، وهي وسيلة إلى تحقيق أمر مشروع، مثل جمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان ﵄، وتدوين الدواوين، وكتابة أصحاب العَطاء في ديوان؛ فإنَّه لَم يأت في الشرع نصٌّ على إثباتهما أو المنع منهما، فأمَّا جمع القرآن فهو سبيل إلى حفظه وعدم ضياع شيء منه، وفيه تحقيق قول الله ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وقد توقَّف أبو بكر ﵁ عندما
[ ٤٦ ]
أشار عليه عمر ﵁ في جمعه، وقال: "كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: هو والله خير، فلَم يزل عمر يُراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيتُ الذي رأى عمر" رواه البخاري (٤٦٧٩)، وجَمْعُ أبي بكر ﵁ القرآنَ كان في صُحف، وأمَّا جَمْعُ عثمان ﵁ فكان في مصحف.
وأمَّا تدوين الدواوين فكان في عهد عمر ﵁ لَمَّا كثرت الفتوحات وكثرت الغنائم والفيء، فاحتيج إلى تدوين أسماء الجنود وغيرهم من أهل العَطاء، ولم يكن ذلك موجودًا قبل زمنه ﵁، وذلك سبيل إلى إيصال الحقوق إلى أهلها وعدم سقوط شيء منها، ولا يُقال: إنَّ من البدع ما هو حسن إلحاقًا بالمصالح المرسلة؛ لأنَّ المصالح المرسلة فيها الوصول إلى تحقيق أمر مشروع، بخلاف البدع
[ ٤٧ ]
التي فيها اتِّهام الشريعة بالنقصان، كما مرَّ بيانُ ذلك في كلام الإمام مالك ﵀.
[ ٤٨ ]