الثامن: العلم. احتجوا أنه أعلم الصحابة بوجوه:
الأول: قول النبي - ﷺ -: "أقضاكم علي" والقضاء لا يكون إلا عن
[ ١٧٧ ]
علم. وكل ما ثبت أنه أقضى ثبت أنه أعلم. والأعلم تجب له الإمامة.
والجواب عنه أيضا من وجوه:
منها أن نسلم أن عليا أعلم الصحابة جدلا، ثم لا نسلم أن الأعلم تجب له الإمامة بدليل قصة الخضر وموسى ﵉، كان صاحب الإمامة والنبوة العامة موسى، والخضر دونه ومن رعيته. وقد سأل موسى الخضر أن يعلمه فعلمه. ومنها قصة الهدهد وسليمان بقوله ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ الآية.
[ ١٧٨ ]
ومنها قصة سليمان وداود ﵉ في حكم الغنم والحرث، وداود صاحب النبوة والإمامة العامة وسليمان من أتباعه. وقد قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾. ومنها أن عمر ﵁ حين عزم الخروج إلى العراق ولى عليا ﵁ القضاء على المدينة، وعمر صاحب الإمامة العامة. والرافضة يدعون أن عليا أعلم، وقد تولى القضاء من جهة عمر ﵁.
الثاني: حديث: "أقضاكم علي" ورد مع جملة خصائص في غيره من الصحابة، لأن النبي - ﷺ - قال: "أقضاكم علي، أفرضكم زيد، أقرأكم أبي، أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، أرفقكم في دين الله أبو بكر، أشدكم عمر".
[ ١٧٩ ]
وحينئذ فثبت أن معاذا أعلم من علي بالحلال والحرام. والعلم بالحلال والحرام يعم سائر الأحكام، والقضاء مندرج تحته. فإن رضيت الرافضة بذلك بطل احتجاج الرافضة أنه أعلم. وإن لم يرضوا كانوا ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. ولا ينفعهم ذلك بل يسقط احتجاجهم على رغم منهم.
الثالث: أن نقول: لا نسلم أن عليا أعلم الصحابة لأن الأمة اجتمعت على كل من أبي بكر وعمر وعثمان بالتقديم. والمجمع على تقديمه مجمع على أنه أعلم ممن بعده.
[ ١٨٠ ]
الرابع: أن أبا بكر قُدم في الصلاة حياة النبي - ﷺ - على جميع الآل والصحب وصلوا وراءه. والصلاة بنص جميع الفقهاء الأعلم مستحق للتقديم فيها. وقد قدم، فثبت أنه الأعلم.
[ ١٨١ ]
الخامس: أن الصديق كان يفتي في حضرة النبي - ﷺ - ويقر فتواه. وبيّن موته بعد إنكار من أنكره وموضع دفنه فلم ينازع. ولا خولف لا في إمامته ولا في مسائل الفروع والأصول، فدل على علمه بالأدلة التي تقطع النزاع.
[ ١٨٢ ]
وعلي ﵁ خولف في مسألة بيع أم الولد وفي مسألة ابن السنابل مع سبيعة بنت الحارث من أن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأقصى الأجلين، وغير ذلك. ونوزع في مسألة الإمامة، وتغلظ النزاع حتى تضاربوا بالسيوف، ولم يقطع عنه احتجاج عمرو بن العاص. وعمر ﵁ مع علمه فإنه وافق القرآن في جملة مواضع:
[ ١٨٣ ]
منها قوله تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. ومنها آية ضرب الحجاب على نساء النبي - ﷺ -. ومنها ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ومنها أسارى بدر، وهي قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.
[ ١٨٤ ]
وعثمان ﵁ جمع القرآن. وهو على تأليفه إلى يوم القيامة. ورأى بعض أصحابه امرأة أجنبية ثم دخل عثمان فرأى وجهه فقال: أيزني أحدكم ويدخل علي. قال: يا أمير المؤمنين أبعد رسول الله وحي؟
[ ١٨٥ ]
قال: لا وإنما هي فراسة.
[ ١٨٦ ]
وأمثال ذلك عن الخلفاء ﵃ أجمعين.
السادس: أن جميع الأمة، عليا وغيره، كانت تبع أبي بكر وصاحبيه أيام خلافتهم، يرجعون إليهم في المسائل في دين ودنيا، ولا يسألون غيرهم، عليا كان أو غيره. ولو كان أحد أعلم منهم لسألته الناس. ولم يثبت شيء من ذلك فتعينت الأعلمية لهم.
الثاني من وجوه الرافضة بالعلم حديث: "أنا مدينة العلم وعلي بابها".
[ ١٨٧ ]
والجواب عنه أيضا من وجوه:
أحدها: أن هذا الحديث يتضمن ثبوت العلم لعلي ﵁. ولا شك أنه بحر علم زاخر لا يدرك قعره. إلا أنه لا يتضمن ثبوت الرجحان على غيره، بدليل ثبوت العلم لغيره على وجه المساواة بقول النبي - ﷺ - عن مجموع الأصحاب: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". فثبت العلم لكلهم.
[ ١٨٨ ]
ثانيها: أن بعض أهل السنة يقولون زيادة على هذا القدر، وذلك قوله: إن النبي - ﷺ - قال: "أنا مدينة العلم وعلي بابها وأبو بكر وعمر وعثمان حيطانها وأركانها"، والباب فضاء فارغ والحيطان والأركان طرف محيط. فرجحانهن على الباب ظاهر.
ثالثها: وقع في تأويل "علي بابها" أي مرتفع، وعلى هذا يبطل الاحتجاج به للرافضة.
وأيضا ورد في صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - رأى أمته في المنام وعليهم القمصان، فمنهم من قميصه إلى ركبتيه ومنهم إلى ساقيه ومنهم أقصر، ورأى عمر ﵁ وعليه قميص يجره، فقالوا: بم أولت يا رسول الله؟ فقال: «بالعلم». فثبت أعلمية عمر على علي
[ ١٨٩ ]
بحيث يخشى على منكره الكفر.
الثالث من وجوه احتجاجهم بالعلم: قولهم: إن عليا ﵁ يأخذ بقوله العلماء والحكماء والمنجمون والمداح، يقصون أخبار علمه، كقصة الخاتم والسبع واليهودي، وأنه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أين جبريل؟ فنظر عن يمينه وشماله وفوقه وأسفله فقال: نظرت في السماوات السبع والأرضين السبع والغرب والشرق فلم أر جبريل، إن يكن فأنت هو! وأنه يعلم عدد الرمال والجبال والأوراق وقطر الغمام. ونحو ذلك.
[ ١٩٠ ]
والجواب عن ذلك أن نقول: إن قولهم إن العلماء والحكماء والمنجمين يأخذون بقوله، فذلك من البهت والزور.
وهذا التفسير منسوب إلى ابن عباس، إلى مقاتل، إلى مجاهد إلى الزهري،
[ ١٩١ ]
إلى عمر، إلى نافع، وغيره من الصحابة. وعلي أحدهم. وهذا الفقه منسوب إلى أبي حنيفة، إلى مالك، إلى الشافعي،
[ ١٩٢ ]
إلى أحمد بن حنبل، وغيرهم من أتباعهم، والغزالي من أصحاب الشافعي بلغ من التصنيف في مجموع العلم فوق ألف كتاب، ولم يوجد علم إلا وله فيه كلام شرعي حقيقي معقول أو منقول. وابن الجوزي في مذهب أحمد بن حنبل على نحو ذلك. وهذا النحو منسوب إلى سيبويه،
[ ١٩٣ ]
إلى الأخفش، إلى البصريين، إلى الكوفيين، وبناؤه وتفاريعه إلى أبي الأسود الدؤلي. وما نقلوا من أن أصله لعلي ﵁، وذلك قوله: "الكلام ثلاثة أشياء اسم وفعل وحرف" فلم يوجد نقله في كتاب، بل من أفواه الرافضة. والله شهيد علي وكفى به شهيدا أني رأيته في كتاب عتيق منسوبا إلى عمر ﵁. وهذا علم العروض
[ ١٩٤ ]
منسوب إلى الخليل بن أحمد. وكل علم من باقي الفنون كالمنطق والأصلين والطب والنجوم ونحوها منسوب إلى أهل له غير علي ﵁. فكيف يجوز على الناس بهت الرافضة.
وأما قولهم عن المداح والقصاص، فهؤلاء طرقية وسوقية وأرذال لا يحتج بقولهم إلا من هو مثلهم وأرذل منهم، وكل ما يقولون كذب. ولما رأت الرافضة ما للسنة ولأئمتهم من ذكرهم على المنابر وفي الكتب الصحيحة المعتمدة أرادوا أن يوقفوا هذه الرذائل قبال تلك الفضائل، وكفى بذلك توبيخا وخزيا لهم وسقوط همة وقدر.
وأما حديث جبريل وأن عليا يعلم عدد الرمال وحوادث الليل والنهار ونحو ذلك، من أكبر الفسوق والتجري على الله تعالى، إذ العقل والنقل يكذبه.
[ ١٩٥ ]
الأول فلقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّين﴾ وأما الثاني فلقوله ﷾: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وإن عليا ﵁ لم يبلغ غرضا بتحكيم عبد الرحمن بن عوف في الشورى وعزله معاوية وتحكيمه أبا موسى وخروجه وراء عائشة يوم الجمل وحربه مع الخوارج ونحو ذلك. ولو كان يعلم غيبا لم يفعل شيئا من ذلك.